بدا الكثير من المدينة شبه مهجور بعد حلول الموجة الثانية، تماماً كما هو الحال في أي مكان آخر من العالم على ما يبدو حيث تلوح نقطة غزو في الأفق. دلّت علامات خفية من الدمار المبعثر هنا وهناك على مطابقة تلك الشوارع الفارغة، مع وجود مبنى منهار عرضاً أو أثر لسحر عنيف يوثق حقيقة تمكن الشياطين من التسلل للداخل وإحداث بعض الفوضى قبل القضاء عليهم. أما القلة الباقية، فبدت في الغالب كمجموعات متفرقة من العائدين من المدنيين الذين لم يتحملوا فراق بيوتهم وأعمالهم، ومسؤولي حكومة يبذلون قصارى جهدهم لتسيير الأمور، فضلاً عن أفراد من تشكيلات عسكرية شتى إلى جانب مغامرين يحاولون حماية من تبقى ممن اتخذوا من المدينة قاعدة عمليات سهلة ومناسبة لرصد كل ما يدور خارج أسوارها، وبدت تلك المجموعات وكأنها تغادر المعارك أو تعود منها، وحمل الكثير من هؤلاء الأخيرين إصابات طفيفة تشغل وقت أي معالج ما زال المكان يحتفظ به.
لم يكن واقع الحال برمته مشجعاً للسياحة الأساسية أيضاً. صحيح أنهم عثروا على بعض المطاعم المفتوحة حولهم متى ما أرادوا التوقف لتناول الطعام، لكن الأنشطة التي عادة ما يحاولون القيام بها، سواء أسفرت عن مشاهدة عروض أو زيارة متاحف محلية ومعارض فنية، كانت غائبة تماماً. ولكن، ربما لم يكن ذلك سيئاً بالضرورة. فلم تكن الأمور لتسير على ما يرام في آخر معرض شاهدناه، وحتى إن لم يكن المزاج العام رائعاً، فإنه بدا هادئاً على الأقل.
وما ضر إن كانت الشوارع خالية؟ لم تكن خالية تماماً من الخيارات، وتبادل الاثنان أطراف الحديث بأفضل ما استطاعا رغم كل شيء بينما كانا يتبعان حدسهم نحو الساحل للاستمتاع بما هو متاح، مستغلين صفاء السماء والنسيج المنعش للاسترخاء قليلاً ومحاولة نسيان همومهما، حتى وإن لم يكن ذلك كافياً ليجعل بن يتوقف عن العمل. كان لا يزال يجسد كل ما استطاع من أرواح، ولا يزال يتواصل مع القلة التي مروا بها، باحثاً عن مهارات جديدة يضيفها إلى خواتمه فضلاً عن تدريب الاتصال عموماً وهو يتصفح عقولهم وذكرياتهم، غير آبه بما قد يكون لديهم من حقوق محتملة للخصوصية في مواجهة هدفه المتمثل في رفع مستوياته.
أصبح الأمر أشبه بضوضاء خلفية بالنسبة له في تلك المرحلة، شيئاً مُبرمجاً في عقول معينة لتفعيله باستمرار مقابل ما يمنحه من فتات الخبرة أثناء تنقلهم للبحث عن شيء يأكلونه حالما يشعران بالانتهاء من الشاطئ. لقد مروا بما يكفي من المطاعم المفتوحة في طريقهم لدرجة جعلتهما لا يقلقان بشأن العثور على شيء، وبدا أن تيرا على الأقل وضعت نصب عينيها بضع وجهات، مما حسم خطط عشائهما في الوقت الحالي.
أو هكذا كان المفترض أن يحدث حتى أُجبرا على التوقف في مكانيهما.
قالت: "أهلاً بك."
كلمات جعلت بينا يتجمد في مكانه بينما التفت برأسه كالبرق ليررى من قائلها. خرجت العبارة بثقة من رجل قدر أنه أكبر منه بقليل، وبدا كساتير من حيث العنس، مع قرون كبيرة تشبه قرون الماعز تبرز من رأسه إلى جانب حوافر مشقوقة مكان القدمين. شخص واثق أنه لم يره من قبل ولا سبب لديه البتة للتفاعل معهما، لكن لم يكن هذا ما جعله يتوقف. رغم أنه على بعد مترين فقط، وضمن نطاق مداه تماماً، لم يستطيع بن قراءة عقله.
لم يستشعر وجوده البتة في الواقع، إذ لم يفلح أي جانب من جوانب الاتصال مع الغريب. لم يقتصر الأمر على غياب جوانب العقل فحسب، بل عجز بن عن الارتباط بروحه أيضاً، مما منعه من رؤية مهارات الغريب الغامض والشعور بها بطريقة وضعته في حالة تأهب قصوى فورا. لم يكن يفترض أن يثير ذلك شكوكه فوراً، فالكثير من الناس يمتلكون مهارات غير معتادة، ولا داعي للاعتقاد بأن شيئاً ما هناك قد يكون قادراً على التدخل في مهاراته الخاصة، لكنها كانت المرة الأولى منذ حصوله على القدرة التي يُحجب فيها تماماً وبحق منذ أن نال المهارة، وتحديداً منذ أن أيقظها.
ربما عاشت الغالبية العظمى من البشر على الكوكب بسلام دون شي كهذا، لكن التعرض لإيقاف تام بهذا الشكل بدا وكأنه قُطع عن إحدى حواسه. الأسوأ من ذلك حقيقة اتضاح أنه لم يكن المقصود بالكلام، إذ ثبت الغريب الغامض عينيه على تيرا وحدها، عارضاً يده بينما انزلق بن ليأخذها.
قال وهو يصافحه: "أهلاً بك، أيمكننا مساعدتك؟"
وشعر بتيرا تلتقط توتره وهي تستعد لنوع من المواجهة، بينما بدا الرجل أمامه مستاءً أكثر من أي شيء آخر.
"عذراً أيها الفتى، لست هنا من أجلك، لم لا تذهب إلى مكان آخر لنتحدث أنا والأميرة الجميلة؟"
إذن هو يعرف من تكون تيرا وقد قصدها لهدف ما، حسناً، إذن- لم يستطع التفكير بكلمة أخرى. بالسرعات التي تعمل بها عقول بن كان يمعن النظر في الأمر اللحظة التي أنهى فيها الرجل جملته، لكن بدا أن الرجل تحرك لفعل شيء في تلك اللحظة ذاتها، إذ وجد بن نفسه في مكان آخر فجأة، متروكاً يهوي عبر السماء بينما يشترط المدينة تحته بعيدة. كان يفكر بالفعل بأقصى سرعة لديه لذا بدا الأمر وكأنه معلق هناك أكثر من أي شيء آخر، حتى وإن أُلقي فوراً في الخطر لأسباب لم يستطع تخمينها، وزاد الأمر سوءاً إدراك مدى سهولة تنفيذ الأمر مقترناً بحقيقة أن من وضعه في ذلك الموضع بات وحيداً مع تيرا لأغراض لا يستطيع تكهنها.
استطاع الشعور برابط يوجهه نحوها أيضاً، ليعلمه أن ساحر الفضاء الغامض قد قذفه إلى الأعلى إلى حد كبير، مع ميل طفيف ليبعده عن الارتطام بأقدامهما، لكنه ارتبط بمشكلة أكبر أيضاً عندما تعلق الأمر بالنجاة من السقوط. لم يتبق لدى بن الكثير من المانا. لقد كان يجسد الأرواح باستمرار لقضم عمله، محتفظاً بنحو خمسين نقطة فقط من تلك المادة لتجنب آثار إرهاق المانا، لكنه الآن وعلى بعد مئات الأمتار فوق الأرض لم يترك لنفسه مجالاً يذكر للتعامل مع السقوط القادم بينما تساءل عما إذا كان تعزيز دفاعه سيمنحه أي فرصة لمنع كسر عنقه ليشعر بأن الإجابة ستكون لا على الأرجح.
أجل، سيكون تعزيز الدفاع أفضل بكثير لو لم يكن دفاعي البيولوجي الأساسي بهذا السوء. حسناً، ما الخيارات التي يتركها لي ذلك كي أنجو وأتعامل مع هذا اللقيط إذن؟ الاعتماد على مهاراته الدفاعية بدا طريقاً سريعاً نحو كسر العنق، ولن يستعيد كميات هائلة من المانا لتخفيف سقوطه في ثوان معدودة سيستغرقها للاصطدام بالأرض، وكل ذلك قلص خياراته بشكل كبير وهو يطالع حالته بحثاً عن أي شيء، فلم يتبق في ذهنه سوى خيار واحد.
بينما كان يهوي عبر السماء بذل قصارى جهده لينشر جسده قدر الإمكان لمواجهة مقاومة الهواء بينما أجبر نفسه على التجلي في الوقت ذاته، محاولاً خلق قوة صاعدة ضده لإبطائه قبل أن يكتشف برعب أنه لا يستطيع. ظن في البداية أنها مهارة أخرى لا تعمل فحسب قبل أن يصل إلى استنتاج مختلف. عندما كان في عالم ملكه، استطيع استخدام المهارة بحرية لتحريك الأشياء بالطريقة ذاتها التي يستطيع بها خلقها، لكن العالم البشري كان مختلفاً.
لقد أثبت بالفعل قدرته على صنع الأشياء لكنه لم يختبر فعلياً ما إذا كان قسراً قادراً على خلق قوة مجردة، مفترضاً أنه سيكون قادراً على ذلك رغم رؤيته المسبقة للاختلافات في الطريقة التي تقدم بها المهارة نفسها بين تلك الطبقتين المنفصلتين من الواقع. لذا وبدعاء أن يكون محقاً، حاول بن مجدداً، مجسداً لوحاً تحته ومحركاً إياه بقوته بدلاً من ذلك، مستخدماً المهارة لرفعه إلى الأعلى ضد وزنه الخاص وشعر بجانب آخر غير مختبر منها يطعن في عقله لتنفجر أفكاره بألم مبرح.
لقد عرف مسبقاً أنه في العالم البشري، بحاجة إلى الحفاظ على الأشياء التي يجسدها وأن القيام بذلك يخلق عبئاً عليه، لكن أمراً آخر لم يبحث فيه هو كيف ستصمد المهارة أمام أي أجزاء من القوة التي تواجهها، وشعر بالفرق في النشاط بروحه بينما واجه وزنه البدني قوة عقله، مع شعور الأخير بالقصور رغم اقترابه من عشرين ألف نقطة استقر عندها. مع ذلك، كان الأمر مجدياً، إذ أبطأ هبوطه لدرجة جعلته مطمئناً إلى أن إصاباته ستكون أخف وطأة على الأرجح بينما وجه نفسه مرة أخرى نحو حيث يستطيع استشعار تيرا، مستخدماً ذلك كمرتكز للهروب من الألم الذي يفرضه على نفسه وليسمح له برؤية رد فعلها هي على اختفائه المفاجئ بينما انطلق شيء آخر من المكان الذي تأكد من وجودها فيه، حيث تلقى الرجل الغامض وطأة غضبها بسرعة عجز حتى ساحر فضاء قوي عن التفاعل معها ليقذف بعيداً في السماء بينما طارت هي في الاتجاه المعاكس، مقتفية أثر شعور بن لتصل إليه بأسرع ما يمكن وتلتقطه بأمان بين ذراعيها.
<ارتفاع مستوى التجلي الباطني>
تنهّد قائلاً: "يا بطلتي".
كان راضياً تماماً بأن تدركه هي وتكمل حمله بقية الطريق. تخلّى عن آثار التجلي وحاول احتمال الإجهاد الهائل الذي عرّض نفسه له. سجّل ملاحظة في ذهنه ليجرب المهارة أكثر لاحقاً. أراد تفادي التوصل إلى هكذا اكتشافات في موقف بين الحياة والموت مستقبلاً. ظهر الألم عليه جلياً فاستبدّ القلق بثيرا وشرعت تفحصه بعينها بينما كانت تحملهما إلى الأسفل.
التدت: "ماذا حدث؟ أألحق بك أذى آخر؟"
"كلا، أحاول فقط تجنب التحول إلى عجينة، سأشرح لاحقاً. والأهم من هذا، هل أنت بخير؟"
"بغض النظر عن أنني ربما قتلت أحداً للتو، أجل."
"أنا مستعد تماماً لاعتبار هذا دفاعاً عن النفس، لكن ها هي الإقامة في سفارة تبدو مفيدة أخيراً لأكثر من مجرد توفير غرفة لنا. أم أننا نستطيع الهرب وعدم الالتفات للوراء إن كنت تفضلين ذلك؟"
"فلنذهب إلى السفارة ونتحدث إلى العمي أولاً. في أسوأ الأحوال أنا متأكدة تقريباً من أن أمي تستطيع المساعدة في معالجة الأمر إن أصبح مشكلة، وإن حاول أحدهم زجّي في السجن بسببه، حسنًا... أكره فعل هذا لكن إخبار أبي وعماتي سيحل الأمور بسهولة بالغة على الأرجح."
"ألم أذكر لك قط كم يعجبني معرفة أشخاص نافذين؟ أنا معجب كبير بامتلاك عائلة كاملة لتهديد الآخرين بها. لكن دعنا من القلق بشأن هذا، أتعرفين ماذا أراد هذا الرجل أساساً قبل أن ترسليه منطلقاً كالصاروخ؟"
"تبّاً."
تقطب وجهها فور تذكرها الكلمات القليلة التي تفوه بها قبل أن تهاجمه. استوعبت بالكاد الأمر في تلك اللحظة مقارنة بإدراكها أنها هاجمت بن للتو، لكنها وقفت الآن تتأمل الحقيقة بكل أبعادها.
قالت: "ثيرا؟"
"دعاني إلى العشاء."