تحقق الاتصال واصطدم عقل بن بعقل آخر. كان غريباً وعظيماً، ولم يكن بقوة عقله نفسه، لكنه عوّض ذلك بالتصرف بطرق تناقض تماماً طريقة تفكيره، إذ يختبر الواقع عبر الفراغ والعدم بطريقة تذكر بأشكال غريبة أخرى من الحياة اتصل بها من قبل، وإن كان ذلك على نطاق مختلف تماماً بينما تأكدت شكوكه بشأن ما كان محبوساً، ليجد بن نفسه وجهاً لوجه أمام روح الفضاء العظيمة. قبل زمن طويل، أخبرته ثيرا عن كيف اختفت مجموعتان من الأرواح قبل سقوط عالمهما، ذهبت أرواح الزمن لتشهد نهاية الكون نفسه وذهبت أرواح الفضاء لاستككشافه لتعود أبداً، وها هو السبب المباشر ماثل أمامه.
كانت هناك المزيد من الحاويات التي تضمها بمعزل عن تلك التي حطمها، وهي تحتفظ بالأرواح بكاملها، حبيسة لدهور لا تحصى في مساحات ضيقة قيدت عسباً يشتاق للحرية والاستكشاف أكثر من أي عسب آخر واستُخدم لتغذية غزو الشياطين للنجوم، لكن تلك مشكلة لوقت لاحق. أولاً، أحاط الكيان الغريب الذي أمامه داخل حدود عقله، شاهراً الحجم الهائل منه يقاوم كل ما يمثله بينما اندمج مع أفكاره، جاعلاً سرعة تفكير الآخر تتطابق مع سرعته ليفعل ما يحتاجه.
إقناع الروح بإنقاذهم. هدف اصطدم بعقبة فور بدايته. حين تم الاتصال، توقع بن شيئاً، أي شيء، لكن ما ناله كان صوتاً. لم تتفاعل الروح معه، منغلقة على نفسها لدرجة لم تنتبه معها لوجوده حتى.
قال محاولاً لفت انتباهه واستعداده للمضي أبداً أبعد من ذلك إن تطلب الأمر: "مهلا، مرحباً بك".
"أرجو أن تتفاعل مع وجودي قليلاً، فأنا في عجلة من أمري".
"اغرب عن وجهي".
"آه جيد، أنت تقر بوجودي، هذا هو نوع التقدم الذي أحب رؤيته. على أي حال، لقد حررتك، ولست محبوساً بعد الآن فلم لا تقدم لي معروف مساعدة نفسي وبضعة آخرين في الهري من هذه الحفرة الجهنمية وبعدها نعتبر الأمر خالصاً".
بدا الأمر أقل ما يمكنه طلبه، في ظل كل الظروف. كانت هناك دلالات معينة خلف حبس أعظم مستخدم لسحر الفضاء في الكون المعروف داخل عالم يتبع جنساً خرج لغزو المجرة ككل، لكن بن لم يكن مهتماً بالخوض في ذلك. كل ما كبره هو الابتعاد والعودة للمنزل، وهو أمر لم تبد الروح أي اهتمام به.
"قلت اغرب عن وجهك، لن ترى مني أي مساعدة".
"حسناً، إنه موقف مثير للاهتمام اتخذته، لكن لا توجد طريقة في الجحيم يحدث فيها هذا بالنظر إلى أنه ليس هناك مكان آخر لنذهب إليه. أنت خياري الوحيد هنا يا صديقي".
شعر بأن الروح العظيمة تتجاهله، وفكر بن لفترة وجيزة فيما إذا كان عليه استدعاء مهارته المستيقظة حديثاً للعمل. إن آلت الأمور إلى ذلك، فإنه كان مستعداً تماماً ليرى ما إذا كان بإمكانه السيطرة على عقل روح الفضاء لإجباره على الخضوع لإرادته إن كان ذلك يعني إنقاذ نفسه والآخرين، لتذهب الأخلاق إلى الجحيم، لكن قبل أن يستسلم لذلك الخيار الأخير، تعمق أكثر في العقل الذي يلامسه، مستشعراً أعماقه.
الشعور بالذنب، والرعب، وكره الذات، واليأس، كل ذلك صرخ عبر أفكار الروح. كانت تعلم كيف استُخدمت. ليس تماماً، ولكن لدرجة كافية تجعل الكيان الخالد يشعر بثقل الأرواح الضائعة يضغط عليه، تاركاً إياه مشلولاً إن لم يكن بسبب الشعور الأخير الذي تمسك به. اليأس. لولا كل أرواح الفضاء العادية المحبوسة هناك، لكان بن واثقاً من أنها حاولت إنهاء وجودها قبل زمن طويل، وما تمسكت بالحياة إلا بسبب خطيئة قديمة قادتهم إلى هنا.
كانت أرواح الفضاء فضولية بشكل خاص بين أبناء جنسها ومثل أي شخص آخر، مخلصة لعظمائها، لعلها مخلصة لحد القصور. عندما أُسرت الروح التي أمامه وحُبست، ضحت تلك التي تلتها بسلامتها مقابل حياتها، لتُستخدم في المقابل كأوراق بيع تخضع للإله الشيطاني أوون، مما قاد إلى غزو عوالم وموت مئات التريليونات من الكائنات العاقلة عبر الواقع مع خسائر في الأرواح لا يمكن تعدادها، وكل ذلك لضمان سلامة القلة.
أكد له الشعور بذلك أجزاء مما خمنه بن مسبقاً أثناء سجنه، حتى وإن ترك رؤية ذلك عبر ذكريات الآخر عُقداً في معدته بينما أجبر نفسه على المتابعة، عائلاً هم الإجهاد الناتج عن الاتصال بشيء مثل روح عظمة يؤثر على جسده، مع تحذيرات ملكه بشأن الاتصال بكائنات قوية بالقدر الكافي وهي تتردد في رأسه. لكنه لم يقتلني فوراً، وهذا يكفي الآن. كم من الوقت سيسعه احتماله كان سؤالاً آخر تماماً.
كان يشعر بالإجهاد يتفاقم في أجزاء من الثانية التي كان يفكر خلالها، كتحذير كافٍ من أنه يضع عبئاً هائلاً على عقله وجسده بفعل كهذا ويخلق مهلة زمنية ليعمل خلالها بينما تحدث مجدداً.
"الأرواح الأخرى محبوسة بجانبك! اجمعها وأنا أمضي وسأكون قادراً على تحريرها، لكن كل ثانية نهدرها هي ثانية تمنح أوون فرصة للملاحظة وفعل شيء ما! لذا توقف عن إهدار وقتك وتحرك فحسب!"
"لا يهم. إن أرادنا عودة فسيكون قادراً على أخذنا، فقد صار أقوى من أن تغير الأمور مسألة مسافة بسيطة ولا أريد معرفة ما سيحدث إن غادرنا. لا، البقاء هنا أسمى أماناً لنا".
يا للهول، هذا لا يقود إلى أي مكان. لم يكن الاستسلام خياراً مع ذلك. كان هذا أمله الوحيد، وهو أمل يحتاج لاستغلاله، لذا وقبل أن يستسلم أخيراً لما بدا حتمياً ويهيمن على عقل الروح العظيمة، جرب زاويته الأخيرة.
"ألا ترغب في رؤية الأرواح الأخرى مجدداً بعد كل هذا الوقت؟"
"الأرواح الأخرى؟"
سألت، متأهبة بطريقة جعلت بن يشعر بأن لديه فرصة.
"كيف أنت واعٍ لجنسي هكذا؟"
"أنا أعرفها! أنا أواعد ابنة أحدهم من أجل الهول!"
"أنا لا أفهم ما يعنيه هذا".
"هذا يعني أن عالمك القديم تعرض للغزو تماماً كأي عالم آخر وعلق أولئك يحاولون التكيف مع الواقع الذي ساهمت في خلقه! فهل ستكتفي بالبقاء هنا أم ستساعدني في العودة للمنزل وربما تستطيع تحمل مسؤولية هذا قليلاً!"
بدا الأمر قاسياً وللغاية وجعل شعور الروح بالذنب والألم ينفجر. كانت تعلم بعضاً من الدور الذي لعبته عبر الكون لكنها لم تستطع معرفة التفاصيل الدقيقة عبر السلاسل التي قيدتها. لم تكن تعلم الأذى الذي سببته لجنسها فوق كل شيء آخر.
"أنا سببت ذلك..."
"نعم، والآن نُترك جميعاً نقاتل من أجل حياتنا لنحاول النجاة من الواقع الذي ساهمت في صنعه، فهل ستحاول مساعدتنا في العودة إليهم أم لا؟"
كانت تلك هي، الفرصة الأخيرة التي استعد بن للوصول إليها محاولاً إقناع الآخر قبل سحب الخيار منه. لم يعتقد أن الهيمنة على عقل الروح العظيمة ستكون سهلة كما كانت مع السجناء الآخرين حولهم، فما زال يجهل حدود مهارته دون أن يملك وقتاً لتجربتها، لكنه كان مستعداً لبذل كل ما يملك لهذه المهمة حتى نطقت الروح العظيمة بصوت محبط.
"لن يهم الأمر. أياً كان الدور الذي ربما لعبته، فأنا لا أختار العوالم التي أُلحق بها ولا أملك القدرة على أخذ الكثيرين عبر النجوم بمفردي، ليس هناك ما أستطيع فعله".
"ولكن إن استطعت، أكنت ستفعل؟"
ضغط بن، شارعاً أخيراً في الشعور ببعض اللين تجاه العقل القديم.
"لكنني لا أستطيع".
"بمفردك"، وضح بن.
"لحسن حظك، أنا هنا بكل جلالي، مع مشكلة صغيرة تتمثل في أن الأمر س يؤذي أحدنا قليلاً، وهو أنا تحديداً. لكن لا بأس، سأنجو ربما لذا اجمع الجميع وليكن الهرب من هنا سريعاً!"
لم يترك مجالاً للنقاش، مغمساً عقله في عقل الآخر أكثر، معززاً اتصالهما وساحباً رغبته في العودة للمنزل لتتخلله، جاعلاً تأثيرات العقل الجمعي تجعل الروح العظيمة تشعر بها كأنها تخصها أيضاً، جنباً إلى جنب مع ما سيعمل كالنور الذي يضيء طريقهما للعودة. قيد. في اللحظة التي انهار فيها الحاجز، استطاع بن استشعار المهارة مجدداً بكامل تأثيرها، مشيراً له ليس نحو ثيرا فحسب بل إلى عالمه ككل، مع شق الاتجاه طريقه عبر الاتصال لتتبعه الروح العظيمة إذ بدأت أخيراً بالتحرك.
غُمِر بن ومن جلبهم معه في ومضة، التوى الفضاء ذاته ليحويها قبل أن يبدد مانا الخاص به، بمساعدة السرعة التي يستطيع بن التفكير بها لدفع قوته إلى مستوى آخر كلياً بينما التوى حول الأراضي، محتضناً أرواح الفضاء المحبوسة وعائداً من باقي السجناء، منقذاً إياهم من فكوك الشياطين التي نجحت في العبور من وسط موجة هجماته قبل أن يستعد لمغادرة العالم. وتلك أيضاً. فكر بن موصياً إياها، مستشعراً رد فعل متسائلاً من الروح التي استمرت في فعل ما طلبه، منقضة لتأخذ واحدة أخرى فقط قبل مغادرة العالم بينما ضخ بن القوة فيها، ساحباً إياها لنفسه أولاً وممرراً إياها عبر روحه لملء الروح بينما التوى الواقع ذاته، ليجعل تدفق المانا الخام لكائن يمتلك هذه الدرجة من سحر الفضاء فعلاً لا مثيل له مع تدفق ملايين النقاط داخله، مما أتاح درجة من القوة لم تُشهد من قبل وبينما عبروا خلال نسيج الواقع، اختبر بن كل ذلك عبر حواس الروح العظيمة.
بدا الأمر كالاندماج مع الكون بينما تغير مفهوم المسافة ليصبح أضعف بكثير، وتمر السنوات الضوئية في ثوانٍ لتقربهم أكثر فأكثر من هدفهم، محطمة مدى بُعدهم، حتى في الوقت الذي انهار فيه جسد بن استجابة لذلك. حتى وهو يضغط على نفسه، بدا الإجهاد على جسده وروحه وكأنهما يبلغان نقطة الانهيار. كان الاتصال بروح الفضاء يترك الدماء تقطر من عينيه وأفه، ولم يرغب حتى في تخمين ما كان يجري في روحه مع ملايين نقاط المانا التي عبرت خلالها.
بدا الأمر وكأنه على وشك الانفجار تحت ثقل كل ذلك المانا مع شعور كل نقطة وكأنها شفرة حلاقة تحكه من الداخل. بلغ الأمر نقطة تساءل فيها إن كان ذلك سيكفي أيضاً. إن كانت كل المانا الموجودة في سترته ستكون قادرة على التعويض عن الآلاف من البشر الذين يحاولون نقلهم إلى بر الأمان بينما مد بن يده ليتصل بالأسرى الآخرين أيضاً، راغباً في تكوين شعور تقريبي عن كمية المانا التي قد يستطيع أخذها منهم إن دعت الحاجة ليتوقف مؤقتاً بعد استشعار عقولهم.
لم يكن قادراً على استشعار ذلك في العقول التي سيطر عليها سابقاً، لكونها مكبوتة أكثر من أن تفكر بنفسها، لكن مع الكثيرين ممن أحاطوا به الآن، إما على حافة الجنون أو في عمق الهذيان، أراد الكثيرون الموت فحسب وبدوا وكأنهم ينادون به تماماً إن سنحت لهم الفرصة. لم يكن أمراً يلومهم عليه، فما مروا به كان كافياً ليعذروا على رغبتهم في الخلاص بعد كل ذلك الوقت، لكنه لم يكن أمراً يرغب بن في تقبله لذات السبب.
لقد تحرروا أخيراً، ولم يرغب في أن يموتوا بهذه السرعة بعد ذلك، مما جعله مشكلة أخرى عليه التعامل معها، وقريباً. شعرت روح الفضاء باضطراب في الفراغ، لم يكن هجوماً بل كتلة. كوكب، في خط مباشر مع المكان الذي أرادوا الذهاب إليه والذي أخبره بأنهما اقتربا من المنزل، ولم يتبق سوى بضع ملايين من نقاط المانا في سترته وهم يواصلون التقدم، خارقين الغلاف الجوي وهابطين مباشرة فوق المستشفى الذي عرف أن ثيرا ستكون فيه، معالجة كل ما تستطيع.
أراد جعل الروح تتوقف هناك. أراد ذلك بشدة، لكن الأمور تغيرت الآن بعد أن اطلع على عقول الآخرين معه. كان عليه خلق منطقة لا يتعرضون فيها للأذى ولا يقدرون فيها على إيذاء أنفسهم، لذا وجه الروح من هناك، مرشداً إياها إلى شبكة البوابات ومن ثم للخارج نحو مكان مختلف، أرض مختلفة وعبر شوارع متعددة، تاركاً إياهم في الساحة الواسعة الكبيرة على أراضي قصر في أحد الأماكن القليلة في العالم التي عرف أنها لن تعج بالشياطين، منزل بيلينا في أنيليا، بينما تحرر وحده ليتحرك.
<ارتفع مستوى العقل غير الطبيعي> <ارتفع مستوى سرعة التفكير غير الطبيعي> <ارتفع مستوى الاتصال العميق> <اكتسبت مهارة توسع الروح المستوى 0>
لم يعبأ بن بالإشعارات التي تدوي في أذنيه، بل قبض بقوة على ما تبقى من الطاقة السارية في جسده بينما غمر روحه حجم هائل من المانا يفوق كل ما استخدمه من قبل ووجهه، مانحا إياه شكلا حين تجسد بطريقة لم يجرها قط، محتاجا نجاح الأمر وشارعا في استشعار المانا تنحني لإرادته وهو يصنع الأدوات والنقوش السحرية عليها دفعة واحدة بينما برز هيكل جديد من الكبسولات المتداخلة أمامه، شامخا بارتفاع يقارب القصر ذاته ومغطى في الغالب بنقوش الزمن وهو يصرخ في وجه الروح التي ترافقه.
"ضع كلا منهم في حجرة مختلفة، حالا!"
أنصتت الروح مجددا، سامعة اليأس في نبرته ومفيدة بما طلب منه مع كل سجين محبوس في قفص جديد، مستعد كل منهم للجموح أو الاستسلام لجراحه، ولم يتوقف إلا حين ضرب بن بكفيه على لوحة أمامه، مفعلا الحشد الهائل من النقوش السحرية دفعة واحدة ليدفع تدفق الزمن لأولئك في الداخل نحو التوقف التام قدر استطاعته، منهارا على الأرض في اللحظة التي تم فيها الأمر. كل شيء كان يؤلمه. جسده، عقله، روحه.
لم يقدر على الحراك، ولا على التنفس وهو ملقى هناك بينما دار سؤال واحد في رأسه. هل دفعت نفسي إلى أقصاها أخيرا؟ شعر بثقة في الإجابة بنعم بينما تمنى سريعا في يأسه لو خطر بباله أن يطلب من روح الفضاء وضعه في حجرة هو الآخر. لقد فعل ما أراد، وأنقذ البقية، لكن الثمن كان هدفه الأساسي في إنقاذ نفسه. كانت صمام الأمان الخاص به تتدلى حول عنقه مفعلة إياها للدقائق الإضافية التي ستمنحها له لكنه في تلك اللحظة لم يمتلك حتى القوة لمحاولة طلب المساعدة، فاقدا الطاقة والهواء لإخراج الكلمات، ليبدو العون الذي أتى في النهاية أشبه بمعجزة حين امتد زوج من الأيدي الساطعة للمسه، بعدما ظهر كل من لوكس وأبروس بسرعة تجعله يظن أنهما انتقلا آنيا هما الآخران، بينما فعلت الأولى كل ما بوسعها لإنقاذه بينما حدق الثاني في الروح التي لم يَرَها منذ زمن طويل، محملا بأسئلة لا حصر لها لن تحصل على إجابات حتى يصبح بن قادرا على تقديمها على الأقل.