اليوم السادس لاحتجازه وبن يبحث من جديد عن أمر مختلف يقضي به وقته. كان يمارس تمارينه بانتظام ويرى صفاته تنمو بالفعل، ولو ببطء قليل، واستمر في إنتاج الأرواح ليحصل على المستوى الأخير من مهارته، لكن كل ذلك تركه يقلب حالته، محاولاً معرفة إن كان هناك ما هو سهل ومجْدٍ ليتدرب عليه قليلاً. توصل خلال مدة بقائه هناك إلى فكرة محاولة إيقاظ التجسيد، لكن طريقة حبسه لا تسمح له باختبارها في القريب العاجل، غير أنه امتلك بضع أفكار أخرى أيضاً.
أخذ سكين حجر الإيمان التي صنعها في محاولته الأولى ومررها على ذراعه، وراقب آثار السجن وهي تشفي جرحه، فأتته فكرة لرفع بضع مهارات. إن كان مستعداً لتعذيب جسده فهناك أمور يستطيع فعلها لرفع تجدد دمه، وربما حتى إيقاظ تعزيز الدفاع، رغم أن الفكرة استدعت في ذهنه صرخات كل من ثيرا وميرياد تطالبانه ألا يفجر نفسه في سبيل نمو يسير. ونظراً لأن ذلك سيجعل العاشر يظن أنه جنّ أيضاً، فقد قرر تأجيل هذا الخيار، حتى وإن لم يستطع منع نفسه من التساؤل عن حدوده.
لو أنه صنع مادة مضادة بكمية هائلة تكفي لتدمير جسده، فهل ستعيد آثار الشفاء في زنزانته بناء المادة التي دمرها أثناء ذلك؟ وماذا عن المواد الغريبة؟ حتى وإن قتلته في هذه العملية، فهل سيتمكن السجن الذي وجد نفسه فيه من الصمود أمامها رغم طبيعتها الغريبة والتفاعل الذي ستنتجه؟ كلها فضوليّات يمكنه اختبارها إن وجد نفسه محبوساً هناك لسنوات لا لأيام. لقد عزم على البناء مهما بدت الاحتمالات سيئة، لذا وجه انتباهه بدلاً من ذلك إلى قسم آخر من بطاقته، ناظراً إلى مهاراته الأحدث.
وهذا ما جعل الاختيار سهلاً، فدفعة واحدة، أخرج بن كيسًا مليئًا بالكرات الزجاجية الصغيرة، وليس هناك كرتان مصنوعتان من المادة نفسها، وقد نُحتت على كل واحدة منها لعلامة صغيرة لكي يتمكن من تمييز الواحدة عن الأخرى. عناصر نقية ومركبّات، بضعة مواد سحرية أسهل في الصنع وأشياء أقرب إلى الخشب أو الجلد أو العظام، تفتقر إلى أي نوع من الحمض النووي لتكون حقيقية تماماً، لقد كانت الشيء المثالي لاختبار وتدريب حسّه المادي الجديد بينما كان يخرجها واحدة تلو الأخرى، محاولاً استشعار كل واحدة منها وربط الاسم ذهنياً بكل شعور، مما ترك لديه ثقة شبه كاملة بقدرته على التفريق بينها حين ينتهي.
<ارتفع مستوى الحس المادي>
وبات الآن واثقاً أكثر من ذي قبل. حسناً، لنضع هذا قيد التجربة. استدعى صينية صغيرة ليستخدمها، وأفرغ عليها عددًا من الخرز خلف ظهره، معتمداً حصرياً على حسه الجديد ليعرف كنه الأشياء وهو يبذل قصارى جهده لتخمين ما هناك باللمس وحده قبل أن يتفقدها ليجد أنه كان مصيباً في أغلبها، إذ أخطأ في واحدة فقط من كل تسع محاولات قبل أن يعيدها إلى الكيس ويكرر الكرة، مقضياً وقته على تلك النحو إلى جانب ممارسته الأهم لإنتاج الأرواح ليبلغ مستواها التاسع، ناظراً إلى العالم خارج زنزانته في أثناء ذلك.
كانت الأرض تعج بالشياطين المتحركة، وشوهد غير قليل منها يحلق في السماء أيضاً، وكلها تأتي وتذهب عبر البوابات، وإن لم يكن ذلك بسلمية. لم يكن غريباً أن تنشب شجاراً فيما بينها بالأسفل لأسباب عجز عن تخمينها. لعل الأمر لا يعدو كون أحدهم داس على قدم الآخر أو رمقه بنظرة كريهة. ولعل ما يراه أفراد مجموعات فرعية متنافسة يصطدم بعضها ببعض وتتصارع على الهيمنة، أو لعل لا سبب هنالك البتة، سوى كونها جنساً مجنوناً ليس لديه ما يفعله سوى القتل ومحاولة شق طريقه بقبضته إلى قمة كل سلسلة غذائية، حتى وإن لم يكن لديه من يصارعه سوى بني جنسه.
لا أهمية حقاً، فلم يكن ذلك سوى مشاهدة بن للمزيد مما هي عليه وما يعنيه ذلك لكل كائن غير شيطاني يشغل الوجود بأسره. لكن وسط هذا كله، ظهر منظر آخر. من بين حشد الوحوش، وحين حدق بن مطولاً، حدق أحدهم فيه، مراقباً إياه بما بدا فخرًا وابتهاجاً، إذ توقف الشيطان الذي أسره ليستمتع برؤية فريسته المسجونة. أشار إليه بإببع الوسطى قبل أن يتذكر مدى عبثية ذلك، إذ لا يملك الوحش السياق لما يعنيه ذلك وجعله يتمنى لو أن النظام قادر على نقل معنى أي إشارة بذيئة بالطريقة نفسها التي يتيح بها لغة عالمية.
ترك ذلك بن راغباً في قتل آسره حين يخرج وفي الوقت ذاته باذلاً قصارى جهده لضمان ألا يصطدم به أبدا. إذ إن مزيج مهارات ذلك الشيطان كان صعب المراس بفضل مستوى إلغاء السحر لديه وحده. فأي شيء يمتلك إلغاء سحر مستيقظاً، فضلاً عن كونها على وشك المستوى الثالث، لن يكون سوى مصدر متاعبالكل سيء الحظ يصادفها. حتى وإن غضضنا الطرف عن ذلك، فليس الأمر كأنني لن أضطر للتفكير في كيفية شق طريقي بالقتل متجاوزاً كل شيء إن نجحت في تحطيم الجدار ولا أدري كم حاملاً لمهارات مستيقظة قد أصادفهم على طول الطريق.
ستكون المعركة للخروج جنونية، لكن... لكن تلك كانت مشكلة لوقت لاحق. سيتطلب الأمر تخطيطاً والمزيد من التجسيد ومع ذهاب كل مانا خاصته لإنشاء أرواح تمنحه فرصة بلوغ المستوى التاسع من المهارة، كانت مسألة لا بد أن تنتظر لفترة أطول قليلاً. ومع سرب من الأرواح يلوح وميضاً ظهورا واختفاء بأكبر قدر ممكن من الكتمان حوله، كانت تلك هي أولوياته، وكل ما عداها يأتي لاحقاً. ولدي الوقت.
لا شيء سوى الوقت. سأحصل على مستواي، وأصنع أي شيء آخر قد أحتاجه ثم أخرج من هناك، بكل هذه البساطة... أجل، يا ليت الأمر كذلك. لا بد أن شيئاً سيجري على نحو خاطئ، فدائماً ما يخطئ شيء ما. حتى أفضل خططي إحكاماً مع التدابير الاحتياطية لكل ما أمكنني التفكير فيه عبر آلاف عقولنا كثيراً ما أخفقت في التفكير حقاً في كل شىء، وما بوسعي سوى الأمل في أن ينتهي بي المطاف بما يكفي في الغالب على الأقل.
وليست الحال كأنني أفتقر للمزايا. من يدري؟ حدّث نفسه وهو يسحب بطاقته. لعلني أنتقل إلى مهام جديدة بحلول ذلك الوقت أيضاً. على الرغم من كل المستويات والمهارات التي اكتسبها بعد أن أصبح ساحر أرواح، لم يكن ذلك كافياً ليمنحه مستوى واحداً في المهمة، لكن ما كان يفعله منذ ذلك الحين أوقعه بالفعل في مهام متعددة. أخبرته هيلموري ذات مرة، إبان بداياته الأولى في التجسيد، إنه يشبه شفرة غش لإنهاء المهام ذات الصلة بسرعة نظراً للصعوبة الكامنة في الفعل، وكان على يقين من أنها ستوافق على أن ما يصنعه حالياً يتجاوز ذلك بأميال.
عبر كل ما قرأه في أبراج السحر، لم يسمع قط عن شخص يفعل ما نجح هو فيه، وكان يشهد نوع الخبرة التي تستحق ذلك. لقد حقق ما قد يراه الكثيرون مستحيلاً وتوج كل ذلك بسيره في درب أعظم للقوة، وكل ما تطلبه الأمر هو البقاء على قيد الحياة لفترة كافية للاستمتاع به.
<ارتفع مستوى الحس المادي> <ارتفع مستوى الحس المادي> <ارتفع مستوى ميل الروح>