—فشل ذريع! تبّاً لهذا! كان هذا اختباراً كارثياً آخر يُضاف إلى سجله بعد يوم واحد فقط من حديثه مع ذلك الكائن المجري، ولم يستطع بن إلا أن يشعر بثقله ينهش روحه بينما كان يستعرض تفاصيل كل محاولة في عقله، متمنياً أن تسعفه ذاكرته بشيء لم يلحظه من قبل، لكنه لم يجد سوى الفراغ. لم يكن هناك شيء، لا علامة فاتته ولا تلميح ينتظر العثور عليه، بل مزيد من الفبار فحسب. —لكن من يكترث؟
ها قد وصلنا إلى الاختبار رقم ألفين، وعلى الأقل سيكون اختباراً ضخماً. لدي فكرة جهنمية، جاهزة للتنفيذ الآن، فهيا بنا! تجسّد وهو يتحدث، محاولاً إخفاء حقيقة أن ما قاله لم يكن سوى خطاب تحفيزي لتعويض فشل محاولاته السابقة المستمر، إذ وضع ثقة أكبر بكثير في فكرته التالية، لا بصنع أي شيء قديم، بل بشيء فريد تماماً، بمادة يراهن على أن ملك الشياطين نفسه لم يصادف مثيلها قط، مهما بلغت قوته وعدد العوالم التي ساعد في غزوها.
مستهلكاً طاقته السحرية، صنع بن سكيناً رقيقاً من حجر الإيمان. مادة تنتزع الإيمان من الملوك أنفسهم عبر البشر المرتبطين بهم، وقد عقد آمالاً عراضاً على ما ستفعله هذه السكين ضد حاجز يحمل في طياته السيادة، فطْعن بها فور استطاعته، متمنياً أن تقطع أو تمزق، لكنه شعر بدلاً من ذلك بانكسار النصل نفسه، مما أدى إلى سقوطه على ركبتيه. كانت تلك أفضل محاولاته على الإطلاق، لكنه فشل مجدداً في تحقيق أي نتيجة.
لم يكن الأمر يخلو من سبل للتحسين من تلك النقطة، إذ يمكن تطبيق نصف التعاويذ الأخرى التي اختبرها على الأقل مجدداً على السكين بعد إصلاحها ليرى إن كانت ستظهر أي تأثير عند دمجها بحجر الإيمان، لكنه ازداد يقيناً من كل ما فعل ه بأنه لن يكون كافياً. قد لا يعلم بالتحديد عدد الملوك لدى الشياطين، لكن الممتد منها عبر آلاف العوالم التي لا تُحصى، جعل ما رأه بالفعل أقوى بكثير من أي شيء يمكنه تخيله.
كيف يُفترض ببن أن يقارن ضآلة قوته بذلك الكيان ويخرج منتصراً؟ تركته تلك الفكرة يتنهد مستلقياً على ظهره، ممعناً النظر في السقف فوقه وفي ذلك السجين شبه الميت داخل الزنزانة العلوية، الواقع في تلك الحالة بعد احتجازه لفترة لا يمكن تصورها. مصير سيشاطره إياه بن عاجلاً أم آجلاً إن لم يبتكر شيئاً. أحتاج إلى مزيد من القوة، فما عساي أفعل من هذه النقطة؟ تنهد، شاعرأً بالخيارات القليلة تتدافع في رأسه، في حين بدا الخيار الرئيسي الوحيد الذي يحمل أي بصيص أمل مستحيلاً تماماً عملياً.
يمكنني التجسد ببطء لأكبر قدر ممكن من بللورات المانا القوس قزحية، وصنع حقائب لحملها كلها وتطبيق تعاويذ مكانية على كل حقيبة لتتسع لمزيد منها، ثم محاولة توجيه التعاويذ التي سأضعها على البللورات نفسها لإطلاق أكبر قدر من الطاقة نحو نقطة واحدة لاختراق الحاجز، لكن كم من الوقت سيستغرق ذلك؟ تجسّدت أمامه قطعة منه بينما كان يفكر، مستخدماً مخزونه السحري بأكمله تقريبا لصنع ما كان في أفضل الأحوال حبة صغيرة من تلك المادة.
أفضل من بداياته الأولى في التجسيد عندما كان يصنع أقل من حبة رمل في ذلك الحين، لكنها ظلت بعيدة كل البعد عن أن تكون كمية وافرة. استهلك الأمر مخزونه السحري بالكامل تقريباً للحصول على تلك الكمية الضئيلة، وتطلب الأمر نحو ثلاث عشرة دقيقة ليستعيد طاقته بالكامل ويكرر الكرة. وحتى مع احتساب جراعات استعادة الطاقة التي لا تزال بحوزته في خاتمه أو الطعام الذي حصل عليه من الطاهي السماوي، فإن لم يفعل شيئاً سوى التجسد وترك مخزونه يتعافى لمدة أسبوع فلن يحصل حتى على حفنة واحدة.
لا، لن ينجح الأمر. أو ربما ينجح، لكنه سيستغرق وقتاً طويلاً للغاية. لديه ما يكفي من الجراعات لتكفيه شهراً لتسريع الأمور، لكن بعد ذلك سيتباطأ تقدمه ليصبح كحركة السلحفاة، وحتى إن لم يتباطأ بعد زوال تعزيزات التعافي، فإن ما ينتظره سيستغرق سنوات للوصول إلى النقطة التي قد تتيح له الوصول إلى ما يكفي من الطاقة الخام للقيام بأي شيء بها. بحلول ذلك الوقت سيكون عالمه قد غُزي منذ زمن طويل.
سُيغزى العالم سواء كنت هناك أم لا. همس تشاؤمه في أذنه. لماذا لا تستسلم طالما أن الأمر لن ينجح؟ ابق هنا، مسجوناً لكن على قيد الحياة. ربما إن حالفني الحظ حقاً فبعد مئة عام أخرى سأتمكن من الهرب، أو ربما يواجه الشياطين تهديداً لا يمكنهم التغلب عليه فأتحرر. لم يصبني عقلي بالجنون بعد، وأنا متأكد من قدرتي على احتمال سأم الوجود هنا لفترة. كانت تلك الفكرة كفيلة بجعل بن يضرب نفسه مجدداً.
ربما لم يكن يؤمن باحتمالات نجاة العالم في مواجهة ذلك التهديد. فكل خبر ومعلومة سمعها عنه لم تزد فرصهم إلا سوءاً، ولكن ماذا بعد؟ سيناضل، سيعيش، وإن حتمت الأمور ذلك، فسيموت بين الأشخاص الذين يحبهم، لا في عالم غريب حيث يبدو كل من حوله إما مجنوناً أو ميالاً لاعتباره وجبة خفيفة. إذن ما هي الإجابة، ماذا يمكنه أن يفعل؟ أحتاج إلى المزيد من المانا، بكل بساطة ووضوح. لقد عاد الأمر إلى هذه النقطة في النهاية، لكن لم يكن أمام حل تلك المشكلة سوى طريقين.
إما أن يمضي في فكرته الأولى مستخدماً ما يملكه لتجسيد أكبر قدر من بللورات المانا القوس قزحية وبللورات الموريبوسيال لصنع أداة قوية تكفي للهروب، أو أن يبذل الجهد لتنمية مخزونه قدر الإمكان، مقضياً سنوات لا أحد يعلم عددها ليصل به إلى الحجم الذي يحتاجه. أثار ذلك فيه أمنية لو أنه يستطيع امتصاص الطاقة إلى داخل نفسه من المواد بالطريقة التي يفعلها مع البشر، لكن تلك كانت الخيارات الواقعية الوحيدة.
ما كان المفترض أن تكون خياراته الوحيدة، ومع ذلك، من أعماق عقله الباطن حيث كان تفكيره العميق يقلب المشكلة منذ أن احتجز للمرة الأولى، برز طريق آخر. فرصة مجنونة ومستحيلة بدا أنها محكومة بالفشل لا محالة لكنها راحت تلح عليه كأغنية حورية بحر بينما راح يتساءل أولاً عما إذا كان سيuعناء نفسه بإضاعة وقته في محاولة سخيفة كهذه، ولكن بعد ذلك، ما الذي كان يخسره؟ لن يتطلب الأمر سوى طاقته القِليل من التحضير، ولن يكون أي من ذلك صعباً حين التقط ما كان في السابق بللورات مهام من حول رقبته ووضع عليها تعويذة، قابضاً عليها بإحكام استعداداً لفعل التجسد.
قابضاً على القوة الكامنة في داخله ومستخدماً تحكمه المادي ليرى إن كان هناك حتى بصيص أمل لنجاح فكرة واهية كهذه بينما كان عقله يستعرض مختلف الأمثلة التي رأاها لمثل هذه الأمور في الماضي، استهلك بن طاقته، وفشل. لكنه فشل واحد فحسب ولا أملك سوى الوقت. حاول مجدداً. وفشل مجدداً وهو يحاول إحضار أبسط مثال رآه لهدفه إلى حيز الوجود، مضطراً لانتظار امتلاء مخزون طاقته مجدداً في كل مرة قبل أن يعيد المحاولة وسط صرخات زملائه السجناء من حوله، ولم يتوقف إلا لإعادة تفحص ما كان يحاول فعله بعد ساعة من العمل.
لقد كان بالفعل أحد أقرب الأشخاص إلى مرتبة الخبير في هذا الموضوع في العالم على أي حال، وكل ما كان يحتاج إليه هو تطبيق تلك المعرفة. فبدل محاولة إعادة إتمام الأمثلة التي رآها في الماضي بشكل مثالي، بدا منطقياً أكثر أن يأخذ أجزاء من كل شيء، جاعلاً من الأجزاء الأقل تعقيداً لكل هيكل عبر ألف حالة مختلفة ليدمجها معاً في شيء جديد، بينما استقر النموذج في ذهنه ليعيد المحاولة، مسجلاً فشلاً إضافياً باسمه.
فشل، لكنه كان أقرب. بدا الأمر وكأن طاقته السحرية أرادت أن تتكاتف في فعل التجسد العظيم، إلا أنها تعثرت بفضل نقص ما من المعرفة من جانبه. لكن ذلك يجب ألا يوقفني. لقد تمكن السحرة عبر هذا الكون اللعين من إنجاز مآثر عظيمة في التجسد لصنع عناصر عادية دون امتلاك جزء يسير من المعرفة التي يفترض بي عادة توظيفها للأمور ذاتها، وحقيقة أنني أعلم أقل بقليل مما أتوقع في هذه اللحظة يجب ألا تعيقني، فكيف أتجاوز الأمر إذن؟
والأهم من ذلك، كيف يتجاوزونه هم؟ فلنفترض أنني لا أعرف شيئاً عن الحديد، كيف لي المضي لإحضاره إلى الوجود؟ في واقعه الحالي، تضمنت طريقته استخدام كل ما فهمه عنه دفعة واحدة، ناظراً إلى خصائصه الفيزيائية والكيميائية إلى جانب مدخلات حواسه الأساسية لفرض وجوده على العالم، بينما امتلك الساحر العادي معرفة أقل. كان بإمكانهم فهمه عبر حواسهم وعدد قليل من خصائصه الفيزيائية، وربما إن تعمقوا حقاً لأمكنهم إدراك طريقة أو طريقتين تتفاعل بهما مادة معينة مع أشياء أخرى، لكنهم استطاعوا النجاح رغم معرفتهم الإجمالية الأقل.
إذن، عندما أنظر للأمر من تلك الزاوية، تصبح المشكلة جلية. لا أظن أن ما أحاول صنعه يمتلك خصائص فيزيائية أصلاً، ولا توجد أي خصائص كيميائية البتة. بحق الجحيم، لم أختبره تقنياً بحواسي الخاصة، بل رأيته فحسب من خلال عيون ثلاثة آخرين. فأين يتركني ذلك إذن؟ كيف أعوض ذلك النقص؟ مع افتقاره لتلك الخصائص الجوهرية، امتلك طرقاً أخرى لتعويضها. فقد كان مدركاً لبعض الأغراض الكامنة وراء هيكله وعلم أنه كيان متغيّر ونامٍ.
وعلم أنها تعمل كسجلات ومصادر للنمو والقوة وما شابه، وادرك أنها كانت واحدة من الثوابت القليلة، إن لم تكن الوحيدة، عبر الكون المتعدد وحتى في الفراغ بين العوالم. شعر بأنه يعلم الكثير عنها مقارنة بأي شخص آخر، لكنه لم يكن يعلم حتى المكونات التي صُنعت منها. —ولكن إن لم يكن لها اسم فسأمنحها واحداً، تمتم لنفسه وهو يشرع في محاولة أخرى، شاعراً بكل الطاقة في داخله تتحرك.
—من الآن فصاعداً، الشيء الذي أحاول صنعه هو الجوهر، والترتيب السليم للجوهر هو... أبسط شكل يمكنه تخيله لذلك الكيان المتغير باستمرار، شكلك يلعنه أي مخلوق نال سوء الحظ بولادته في حالة كهذه مقارنة بالبقية. شكل سيكون أسوأ حتى من حالته الخاصة، وفي فعل غير طبيعي للتجسد لم يشهد الكون مثيلاً له من قبل، استخدم بن قوىه وخلق روحاً.
<ارتفع مستوى الصنعة غير المنتهية> <ارتفع مستوى التلاعب بالمواد> <استيقظ الإلهام الأصغر ليصبح إلهاماً غير طبيعي> <اكتسبت مهارة إنتاج الروح المستوى صفر> <اكتسبت لقب المتجاوز> <بلغ الحد الأقصى لمستوى مهنة الصانع المدمر>