قال فالك وهو يقف معهما عند البوابة المصغّرة ليستعدّ بدوره لمغادرة البلدة لفترة قصيرة: "أنتما جاهزان للرّحيل إذن؟"
أجابته ثيرا بنبرة مفعمة بالحيوية محاولة التحلي بالتفاؤل على عكس بن الذي كان يتأوه بجوارها: "أجل."
"كلا. أنا أتخيل الأمور تسير على نحو سيء للغاية بالفعل."
كانت بضعة أسابيع ما زالت تفصلهما عن موعد فتح نقاط الغزو ولكن نظراً لأنه وثيرا سيزوران عدداً منها فقد كانا يغادران مبكراً بعض الشيء لاستكشاف الأماكن ومعرفة مواقع قتالهما وكيفية تقديم أكبر قدر ممكن من النفع وهو أمر لم يكن يتوقعه إطلاقاً ولم يرغب فيه أدنى رغبة إذ تساءل مرة أخرى عن المهارة التي امتلكها وأوحَت له بأن فعل ذلك سيكون فكرة سديدة. <ليست مهارتك بل عاطفتك.
إلا إذا كنت تعتقد أن بإمكانك ثني ثيرا عن ذلك؟> لا أمل في ذلك. لا بأس سأتعلم التذمر لكنني سأتحمل ومن يدري؟ ربما أنجو حتى من هذه المحنة. اكتفى معلمه التربيت على كتفه متفهماً المشاعر التي كان بن يعاني منها.
"ابذلا وسعكما أنت وكلاكما. وتذكرا عندما تبدأ الأمور وتبدو وكأنها ستسير على نحو سيء فما عليكما سوى الهرب."
"يا عم لا يمكننا فعل ذلك."
هزّ اليتي كتفيه وقال: "بلى يمكنكما ذلك. إذا وصل الأمر إلى حد أن يصبح ذلك خياركم الوحيد فمن الأفضل أن تعيشا لتخوضا القتال في يوم آخر."
قال بن وقد بدا فجأة أكثر حماسة بعد تلقي تلك النصيحة الصغيرة من معلمه: "فهمتك يا فالك. سنفرّ عند أول بارقة خطر."
"...بما أن بارقة الخطر الأولى ستكون فتح النقاط فحاولا الصمود لفترة وجيزة على الأقل."
"حسناً لا تهتم لأمري سنبذل قصارى جهدنا ونخرج منتصرين. وأنت؟ أذاهب لرؤية سلاحنا الخارق الجميل؟"
"أمم، عليّ إلقاء نظرة أخيرة للتأكد. حتى وإن جلب لي رتبتي الثالثة فهذه فرصتي الأخيرة لمحاولة إصلاحه إن لزم الأمر وبما أنني لن أراكما لفترة فتأكدا من النجاة."
قالت ثيرا محاولة طمأنته لتخفي عنه القلق البسيط الذي كان يبذل قصارى جهده لإخفائه عن وجهه: "سنكون بخير يا عم. أنا واحدة من أقوى السحرة على الكوكب. لن يقتلني شيء أنا وبن طالما كنت موجودة لأقول كلمتي في الأمر."
"هاه، جيد. في هذه الحالة أراكم أنتما الاثنين في وقت لاحق بعد إغلاق النقاط."
افترقا على إثر ذلك وانطلق اثنتان إلى موقعهما الأول وهي مدينة لم يسبق لأي منهما زيارتها ولكنها اختيرت كقطعة إخلاء للجرحى نظراً لحجمها ووجود بوابة فيها وغياب أي نقاط غزو مجاورة قد تعقد الأمور حيث توجها إلى المبنى الكبير المنتظر خارج الشبكة والذي جُهّز بالفعل ليبدو جلياً كمستشفى لكل من يأتي عبره وقد لا يكون مألوفاً للمنطقة ودخلا للتحدث إلى موظف استقبال منتظر هناك للمساعدة في توجيه بعض الترتيبات الجارية.
حيّت ثيرا وبطاقتها جاهزة بالفعل وتعرض المعلومات ذات الصلة: "أهلاً بك. لقد جئت لإلقاء نظرة على المنطقة التي سأعمل بها وقد أُبلغت بأن قدومي متوقع."
أجاب باحترافية ودون أن تظهر عليه أي صدمة لوجود حامل مهارة مستيقظ أمامه قبل أن ينهض ليقود الاثنين عبر الممرات نحو مدير المكان للتعامل معهما من هناك: "آه يا ثيرا، نعم، من هنا من فضلك."
قدّمت المديرة نفسها انحناءة مهذبة وابتسامة مرهقة وبدت منهكة للغاية لدرجة يصعب تخمين حجم العمل الذي سبق تلك اللحظة بينما تولت الأمور: "أهلاً بكما، يسعدني وجودكما هنا. لن تكون الأمور بالغة التعقيد ولكنني سأطلعكما على المكان."
قادت الاثنين من هناك إلى منطقة مختلفة عائدة عبر الممر الذي سلكاه بالفعل إلى مساحة واسعة مفتوحة تجاوزت المدخل بقليل حيث حُشِرت المزيد من الأسرة والحصير استعداداً لما لا شك في أنه سيصبح طوفاناً من المرضى القادمين في غضون أيام قليلة معدودة وتابعت المديرة حديثها: "سنبذل قصارى جهدنا لترتيب الأمور حسب درجة الخطورة لذا متى ما وصلت فأقبل مباشرة نحو المنطقة الأولى هناك ولا تقلق بشأن اعتراض طريق أي شخص فسأدير ذلك القسم بنفسي لذا إن واجهتك أي مشكلة فيمكنك إبلاغي بها وإلا فلا تتردد في استخدام تقديرك الخاص للبدء بمن ترى. أما فيما يتعلق وتلك البوابات الغريبة التي ستستخدمانها فهي خلف هاتين البوابتين مباشرة. سنبقيهما مفتوحتين عندما تبدأ الأمور حقاً ولكننا نبقيهما مغلقتين في الوقت الحالي لأنهما تجذبان الكثير من الأنظار وفضول أشخاص حريّ بهم العمل بدلاً من ذلك، يا للجحيم اللانهائي، لقد تلقينا بالفعل شكوى واحدة من شخص تجول ليصل إلى حصن في الطرف الآخر وكانت قصة طويلة..."
تلاشت كلماتها بعد ذلك حتى وإن بدا وكأنها ترغب في التذمر أكثر لتتحدث ثيرا قائلة: "حسناً، كل ما نحتاجه هو استخدامهما لتفقد النقاط الأخرى المختلفة التي سنعمل بينها حينها وسنغافركما وشأنكما."
"لا بأس، دعاني أريكما شيئاً أخيراً."
قادتهما بعد ذلك عبر ممر جانبي لتُريَهما غرفة أخرى امتلأت بأسرة طابقية امتدت حتى السقف ولم تكن إعداداً يتيح القيام بأي أعمال شفاء مريحة بل كانت تخدم غرضاً آخر.
شرحت قائلة: "حيث يمكن لكما الاستراحة بين كل شيء. فقط خذا بضعة أسرة خلال أي وقت فراغ قد تحظيان به وسط كل المهام الأخرى التي ستؤديانها نظراً لبدوكما مشغولين للغاية."
بدا الأمر وكأنها ستكون تجربة بائسة إلى حد كبير ولكن على الأقل بمجرد أن يعلقا هناك فستكون مكاناً للاستراحة مع استمرار كل شيء حتى وإن كان النوم سيعتبر سلعة ثمينة مع بدء المعارك وتقدمها. في الجانب الإيجابي بلغت ثيرا مستواها الثاني من مقاومة النوم لذا قد تدبر أمورها بشكل جيد. إلا أن المهارة مخصصة للبقاء مستيقظين أليس كذلك؟ على الأقل لم أرها تؤدي عملاً جنونياً في مساعدتها على الاستيقاظ ولكن ربما يتطلب الأمر بضعة مستويات إضافية لملاحظة أي فرق حقيقي.
في كلتا الحسين يمكنني الاستيقاظ لذا يمكنني إيقاظها وسيكون الأمر على ما يرام. استطاعت رؤية أنها لم تكن تتطلع للأمر هي الأخرى ولكن لم يكن هناك ما يدعو للحماس نظراً لما سيأتي. ما كان يهم هو إعداد مساكنهما ومن هناك قالا وداعاً للمفوضة في الوقت الحالي وانتقلا من هناك إلى البوابات الثلاث عشرة المنتظرة وقفزا عبرها نحو ما ينتظرهما في الجانب الآخر.
كان وراء البوابة الأولى التي قصداها أمر توقعاه حق التوقع. قلعة تشبه تلك المباني المتناثرة حول برج الحرفيين خلال الموجة الأولى، وقد بُنيت حين رُسمت نقاط الغزو، تحيط بها أخريات لا بد أنها تقع في الأفق البعيد لكنها حجبت عن الأنظار خلف الجدران المرتفعة، غير أن ما لفت انتباههما أولاً هو الشخص المنتظر لهما.
سأل الشخص: "أأنتِ ثيرا على ما أظن؟"، فتلقى إيماءة موافقة.
قالت: "نعم".
أضاف بن: "ومعه تابعه"، فنال نظرة عابرة لم تُتبع بشيء بينما واضَل الشخص كلامه.
"حسناً، تعاليا معي كلاكما لأدلكما على مكان الوقوف طوال فترة وجودكما هنا".
قِيدَا فوراً إلى درج قائمأمامهما ودُلّا على المكان المخصص لوقوفهما على حافة الجدار، مما يمنحهما موقعاً مرتفعاً للهجوم يتمركز فيه السحرة والرماة الآخرون أيضاً.
"سيقوم محاربونا بما بوسعهم من خارج السور لذا احرصا فقط على التسديد نحو مسافات أبعد حين تبدأ المعركة. قيل لي إنكما قويان، فحاولا فقط ألا يصيب نيرانكما الصديقة أحد ما أمكنكما ذلك إلا إذا طرأ طارئ يستدعي الموقف غير ذلك".
قالت له ثيرا وهي تستبق الأمر بالتفكير فيما تستطيع فعله من ذلك الموقع بسحرها: "مفهوم، لا داعي للقلق بشأن ذلك. سأتدبر الأمور على خير ما يرام".
إيماءة أخرى أعلنت نهاية تلك الجولة الخاطفة، فرأت المكان الوحيد المفترض منها الوجود فيه بينما لم تقع على بن أي توقعات تتجاوز ما يواجهه أي ساحر آخر، فعاد اثنانهم عبر البوابة لاستكشاف البقية، ليجدا أماكن عملهما في كل منها وليتعرفا على تضاريس كل منطقة استعداداً ليوم يقترب بلا توقف.