أثمرت ليلة الجزارة والدماء الطويلة، فتركَت بن بنسخ مطابقة أكثر ممّا حلم به. منحتْه ثيرا عشراً جديدةً تكافئ تقريباً الأربع التي نالها من روح الحياة العظمى. صارت جميعها جاهزةً للاستخدام. لم تعد مسألة توظيفها سوى مساحة فارغة فحسب. إن مدَّ بن حواسه بعمق، لوجد نفسه في مركز دائرة يبلغ مداها نحو ستة أمتار في كل الاتجاهات. يمنحه هذا نطاقاً هائلاً يكرّسه لتدريب مهارات الصنعة وغيرها مستعيناً بكل تلك الأيدي الإضافية.
إذن، عليَّ فقط أن أمضي لأجد لنفسي مساحةً تتيح ذلك. هذا ما أراد الشروع فيه بلا توقان. رغب في الراحة التي سترافق الخطوة. لتحقيق غايته، عبر بوابته المصغّرة. يسرّه التوسّل إلى اثنين من أعظم موارد حياته طلباً للمعونة.
قال حين اقتحم على بيلينيا وأبروس طعامهما المشترك: "كنت أرغب في شراء مكان بأنايليا".
نال تصريحُه تفاعلاً مشرقاً من بيلينيا.
"أه؟ أتفكر في بناء منزل أسري صغير لك ولابنتي؟ سيكون بالتأكيد أفضل من ستونوول. أقرب إلى بوابة وأوفر نشاطاً. هذا فضلاً عن الأمان بوجود بقية العائلة هنا أيضاً".
"أه، لا. احتجت إلى مساحة أكبر لصنع ورشتي الخاصة".
"أتركتَ ذلك القرد العجوز أخيراً إذن؟ لقد حان الوقت. وقد اخترت مكاناً ممتازاً لتستهل فيه حياتك الجديدة، أنا أوافقك".
"ما زلت أقول لا. كنت سأضع بوابة مصغّرة هناك لاستغلال المساحة الإضافية كي لا أستحوذ على كل شبر في مكان فالك".
"يا للأسف، ولكن لا بأس"، قالت الملكة بوضوح يعكس خيبتها وهي تلوح لخادمٍ كي يقترب.
"أيلينتيا، كوني لطيفة وساعدي بن في العثور على مكان يلبي شروطه، أترين ذلك؟".
"حاضر، يا جلالة الملكة".
"أنت الأفضل، بيلينيا".
"همم، يمكنك شكري بجر ابنتي وأختي لتناول بضع وجبات هنا قريباً إن لم تكلف نفسك عناء الانتقال إلى هنا بالكامل".
"سأفعل".
بعد أن حدّد بدقة ما يبحث عنه فيما يخص المساحة، تحرّكت الخادمة أيلينتيا بكفاءة فورية، باعثةً في طلب سماسرة عقارات مختلفين من داخل المدينة ليحضدوا أمامهم ويعرضوا العقارات المتاحة التي قد تتوافق مع خياراته، ليستقر بهم المطاف عند مستودع خاوٍ مسبقاً، وهو ما سيوفر له مساحة تفوق حاجته للعمل بينما تنمو مهاراته، فيما كان يتفحصه ويستوعب أرجاءه، شارعاً في رسم الخطط تزامناً مع ذلك.
بما أن الارتباط يمتد في كل الاتجاهات، بوسعي بسهولة حشر بضع نسخ مطابقة إضافية هنا عبر إضافة منصات قليلة ليعمل بعضهم عليها لإنتاج المزيد من الأشياء، لكنّ ذلك سيكون مشروعاً مستقبلياً. أمّا الآن، فما عليَّ سوى نقل بوابة إلى هنا إلى جانب إرسال بعض الإمدادات فوق كافة الأدوات التي سأحتاجها. سيستغرق الإعداد بضع ساعات طوال حتماً، ولكن ما من عمل سواه سوى البدء، أليس كذلك؟
ما إن تبلورت الخطة حتى غدا اليوم مباشراً، وإن شابته مشقة التحول إلى سباق مع الزمن. عاد أولاً إلى المتجر ليصنع بوابة مصغّرة جديدة ويحملها عبر أنايليا عقب الفراغ منها، تاركاً إياها لتتيح له التنقل ذهاباً وإياباً بسسهولة متزايدة بعد إتمام ذلك، بينما كان يجر الأشياء ويجسّد أي شيء يحتاج إليه متى توافر له الفيض السحري المتبقي، مشيداً المكان ببطء ليغدو ورشة عمل حقيقية يستمتع بها مستعيناً بكل جسد تحت تصرفه لينغمس في صناعاته العديدة.
على قدر استمتاعه بالحدادة، وكونها مطلباً رئيسياً للعالم، لم يرد مزاولتها بمفرده. كانت تستهلك ساعات لا تُحصى من كل يوم، ولهذا، ولتحقيق التوازن، أراد الاستمتاع بأمور أخرى أيضاً. الرسم، والتخطيط، والنحت، والأعمال الخشبية والحجرية والجلدية وأكثر، هذا ناهيك عن الطهي بأسره الذي سيتحتم عليه إنجازه لضمان إبقاء كافة النسخ الاصطناعية مفعمة بالحياة والتغذية. سيغدو هذا مكانه لينغمس في كل ذلك بكل ما ينجزه، راسماً ابتسامةً على وجهه بينما كانت عقوله تسابق الريح بالفعل فيما تنسج الخطط وتتراقص عبر أفكاره.
بحلول الوقت الذي فرغ فيه قدر الإمكان بعد ملء المكان وتنظيمه، كان الوقت قد تأخر في ستونوول، بما يكفي لكيلا يتوقع أي لقاءات عند عودته لكنه وجد فالك في انتظاره، محدقاً في البوابة الجديدة داخل عمله بريبة سافرة.
"وما هذا تحديداً يا فتى؟".
"بوابة إلى ورشتي الجديدة"، قال ببراءة، نال على إثرها هزةً من رأسه ردّاً على ذلك.
"إن كنت ستشق طريقك بمفردك فافعل ذلك تماماً، اقطع الحبل السري وأسس مكانك الخاص، يعلم الملوك أنك بارع بما فيه الكفاية بحلول الآن".
"لا أريد، والأهم من ذلك، أتى هذا فقط لأنني احتجت إلى مساحة إضافية. حتى لو كنت غارقاً في فعل ما لا يعلمه أحد، فقد صنعت بضع أجساد جديدة لذا ستبدو الأمور ضيقةً للغاية هنا إن لم أحصل على رحابة أكبر".
"أنت تفعل أغرب الحماقات حقاً، أتعلم ذلك؟".
"مهلاً، يُدعى ذلك كفاءة، وهي رائعة".
"غير أنها تفزع الزبائن قليلاً".
"أنت تغيب بما يكفي لدرجة أن المتجر بالكاد يفتح أبوابه، يا سيادة الملك المستقبل. وبحديثنا عن ذلك، ما الذي يشغلك إلى هذا الحد هذه المرة؟".
"آه، إنهاء مشروع ما. سأصطحبك لتريه حين يكتمل".
"أم بوسعك اصطحابي الآن؟".
"لا".
"آه، هيا، لمَ لا؟".
"لأن الوقت متأخر وأشعر أنني إن سمحت لك برؤيته قبل اكتماله فستظل تلاحقني بشأنه حتى ينتهي ويكون لديك عملك الخاص لتنجزه".
"صحيح لكنه مبرر واهٍ. حسناً، لقد أثرت فضولي يا فالك، لدي توقعات عالية هنا!".
"آه، تحلّ بالصبر بضعة أيام أيها الفتى وحينها سأذهلك".