الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 594 — ملوك وفوضى

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 594 — ملوك وفوضى باللغة العربية على مانجا تايم.

ما إن غادر بن أخيراً حتى خلا الباب للثلاثة في نطاق ميرياد حيث أمنوا العيون المتطفّصة ووجد كلّ منهم ما يدفعه للحديث والتعبير عمّا جرى للتوّ ليطلق ميرياد لجسده العنان فيسقط متهالكاً قبل أن يبدأ بالتذمّر.

"تعلمون، من الطبيعي أنني قلق حين نال ذلك الشيء الغبيّ، لكن حين مضت الأيام والأسابيع دون حدوث شيء ظننت أننا في أمان... لا، ليس الأمر هكذا، بل توقّفت عن التفكير بالأمر وأملت الأفضل وهو ما أنادم عليه الآن أشدّ الندم، أشعر أن أشهر القلق تجمّعت لتصيبني دفعة واحدة".

سألت هيلوري: "أرصدنا أي تأثيرات أخرى؟ لم يمنحه مهارات حين ناله، أليس كذلك؟ ماذا عن خصائصه؟ إن كانت مباركة حقاً فمن المترقّب أن تساعدها على النموّ".

تذمّر ميرياد: "يستحيل الجزم، تأمّلي كلّ ما في وضع رسولي يا هيلوري، يسهل ألا يلحظ المرء أثر مباركة عادية وسط كلّ تلك الوظائف والألقاب وحتى المباركات الأخرى، ربما تمنحه دفعة طفيفة ما، لكنها بالبساطة ذاتها قد تكون موجهة لوعيه الباطن وحده".

تساءلت نار: "وهل طرأ أي تبدّل على شخصيته منذ ناله؟ أتصرف بغرابة، أأدى أموراً مختلفة، أاستجاب بطرق غريبة؟".

ومض في ذهن ميرياد فوراً ما بناه رسوله في القبو السفلي لكنيسته قبل أن يطرد الفكرة من رأسه دون تردد، ومع بشاعة الأمر بدا صنع بوابة محتملة إلى الجحيم أمراً ملائماً لشخصية الفتى تماماً دون أن يخطر بذهنه سواه.

تمتم بصوت عالٍ شاعراً بيد هيلوري الحانية تلامس جنبه، فقد تجهل ما ارتكبه بن سراً لكنها أدركت تماماً الشعور الكامن خلفه، وتنهّدت الملكة: "المشكلة الحقيقية تكمن في مآل هذا كله، مع بشاعة الأمر ربما كان لقاء بن بفيربوم التصرف الأنسب، لكنه يفتح الباب لاحتمال رؤية ملك آخر لهذه المباركة الجديدة المقيدة به".

كانت رؤية حافظ السجلات خياراً بديهياً فور نيل بن للمباركة لكنهما اختارا التريّث لاتقاء مثل هذا الاحتمال، ومع انعدام أي ضمانة بأن أحداً سيراقب بن أو فيربوم ليرى المهارات المقيدة بروحه عبر عيون ذلك المستدعى، إلا أنه خطر أملوا تفاديه. إذن ماذا لو أنجز بن الوظائف بسرعة ومال إلى حيازة الألقاب بما لم يسبقه إليه أحد؟ كانت تلك حقائق مسلّماً بها حينها، شأنها شأن مهارته في رفع مستوياته، أما الآن، وفوق كل شيء آخر، بات يحمل بطريقة ما شيئاً مقلقاً في مباركاته ليتماشى مع البقية، شيئاً كفيلاً بجلْب الأنظار والتساؤلات.

وإن استطاعوا إقناع البقية بأن الأمر تشكّل لتوه من الفوضى هكذا ربما لم تسء الأمور إلى هذا الحدّ، غير أن ثمة احتمالاً آخر، وإن كان خاطئاً، قد يلجأ إليه البعض، فهنالك من سيؤمن بأنه نالها من الغريب. لم يكن خافياً امتلاك بن لروحه المحبوسة، وما عزم سوى نفر قليل على سأل عما إذا كان يجدر بهم انتزاعها منه، فقد علم الجميع حينها أنه سيستميت دفاعاً عنها، وبعد صنيعه من أجل العالم يصعب على أي كان تبرير ذلك بغضّ النظر عن مدى كراهية البعض له، بيد أن هناك دوماً من يلتمس أي عذر عند التعامل مع إساءة متخيلة، وما هذا إلا ممرّ لتوليد المشكلات مستقبلاً.

طمأنتهم نار: "سأبذل قصارى جهدي لترتيب اجتماع طارئ غداً تزامناً مع ما يدور حوله، لقد توصلنا إلى جزء معتبر من تعويذة الاستدعاء لأول مرة على الإطلاق، وطالما لوينا ذراع كيف حُدد الأمر قليلاً فسيكون ذلك مبرراً معقولاً بما يكفي لأمر كهذا، حتى لو لم يعجب ذلك قلة من الناس، نأمل أن يبقي هذا العيون المتطفّصة بعيدة في الوقت الحالي، وبالطبع سيفتضح الأمر لاحقاً بحكم مخالطته لسحرة الأرواح بين حين وآخر، لكنه يظل أفضل من العدم".

قالت ميرياد امتناناً: "سيكون هذا مفيداً، شكراً لك"، ثم عادت إلى الصلب: "وددت لو أدركت فحسب كيف حدث هذا من الأساس".

بدا الأمر كشيء لن يظفروا بإجابة عنه أبداً، غير أن هيلوري بدت مالكة لنظرية على الأقلّ.

برّرت قائلة: "نعلم من الرمادي إمكانية تأقلم الأشياء مع الفوضى بعد مولدها في عالم ما، والأمر لا يقتصر على ما يتولد عفوياً هناك، ربما مرّ بن للتوّ بمرحلة مبكرة من ذلك؟ يجب أن تعترف، لو كان ذلك سيمنعه من الموت في خير الاحتمالات أو التحوّل إلى مسخ لا يوصف في أسوئها إن وجد نفسه عالقاً بين العوالم، لستحق بحقّ أن يُطلق عليه اسم مباركة".

اعترض ميرياد: "لكن إصبعه لم تعبر حتى، وفقاً لكل المعايير المعقولة، بالكاد تعرض للفوضى".

ردّت: "لكنه رأى ذلك. لا، لنكن دقيقين هنا، لقد شهدها، تماماً كما تقول مباركاته، وفضلاً عن ذلك، فحتى لو لم يعبر، من يدرري لعلّ شيئاً ما قد تسلّل؟ موجات ضئيلة من عدم اليقين الخالص قد تكون تشبثت بروحه، ناهيك عن الميزة التي بحوزته والتي قد تكون سهلت الأمر، ليس فقط العدد الصحيح من المباركات الأخرى لتحسين حظوظه، بل يمتلك النظام ككلّ، أداة صُممت لمساعدة الناس على النموّ وتخفيف أعباء معينة عن الأرواح في خضمّ ذلك، أداة مصممة بذاتها لتنمو وتساعد الآخرين على النموّ، من يدرري فلعلها أدت دوراً في ضمان حصوله على أفضل نتيجة ممكنة؟".

التفت ميرياد إلى المهندس الأساسي للنظام نفسه: "نار؟ ما رأيك؟".

استسلم أخيراً: "امم، قد يكون ذلك ممكناً أفترض، مثلما قالت، صُمم لينمو، رغم أن ذلك سيكون أضخم بقليل مما أترقّبه، ومع ذلك، إن أخذنا بالحسبان احتمال تقييده بالغريب فلعله تعلّم من خبراته بافتراض أن ذلك الشيء وُلِد في عالم مختلف أولاً وتعيّن عليه التأقلم مع الفوضى أيضاً، في النهاية يستحيل الجزم بيقين تام".

تأمّلت هيلوري: "أظن بمقدورنا حثّ بن على محاولة انتزاع تلك الجزئية من المعلومات من النظام نفسه عبر فيربوم، رغم أنني لا أتخيل كم سيستغرق استخراجها بنجاح من وقت وجهد، تسوء الأمور بما يكفي حين يمتلك حافظ السجلات شيئاً ماثلًا أمام عينيه، فتخيل كمية المعلومات التي سيقذف بها النظام مقابل سؤال مفتوح كهذا؟".

لم يكونوا بحاجة لذلك، فبالسرعة التي يقرأ بها بن أصلاً، قد تستغرق بعض الاستعلامات أيامه لإنجازها، فما بالك بشيء بمثل هذا الاتساع؟ كانوا سيتحدثون عن شهور عديدة بل ربما سنوات. غير أن جلّ ما فعلوه لم يعدو التأمل والنظرية، ومن ثم انتقلوا إلى نقاش أشدّ إنتاجية حول كيفية الدعوة لاجتماعهم لضمان أقلّ قدر ممكن من الأنظار الموجهة إلى بن في اليوم المقبل.