بعد نوبته الغاضبة تجاه الملوك التي ساعدته على تخفيف بعض ضغط البناء على الأقل، قضى بن وثيرا ساعة أخرى مع المجموعة المحيطة بهما، يُداويان جراحهم ويسحبان مانا خاصتهم تدريجياً لتعويض ثيرا ولو أسرع قليلاً كي يتمكنا من إنجاز أحد آخر الأمور اللازمة قبل العودة أخيراً إلى المنزل لنيل بعض الراحة. وعندما تأكد تماماً من أنهما لن يُرهقا ثيرا للمرة الثانية، طار الاثنان، طالباً من المجموعة انتظار عودتهما لوجود ساحر مكاني بينهم يمكنه المساعدة في تسريع رحلة عودتهما بينما سارع كلاهما نحو المنطقة التي تركاها للتو، بحثاً عن بقايا الغريب.
كان بن يعلم أنها انهارت على نفسها إلى حد ما عندما كان يتعامل مع سحبهما معاً بسبب الانفجار الداخلي الذي أحدثته، لكنه لم يكن في وضع يسمح له بالتفكير حقاً في حجم الضرر. أما الآن، فكان بحاجة لرؤيتها، ليس فقط لإدراك حجم الأمر كله، بل ليجد أيضاً شيئاً آخر لا بد أنه كان موجوداً في تلك المنطقة. عندما اقتربا بما يكفي، غطى بن عيني ثيرا مجدداً، تاركاً نفسه يركز على توجيهها تحسباً لأي تأثير سلبي قد تتركه بقايا ما وراء في عقلهما بينما تفقد الدمار المحيط بهما.
لأميال في كل الاتجاهات، كانت الأرض مدمرة وقاحلة، وبات ما كان موجوداً هناك وقت الحادثة لغزاً لكل من يراه مستقبلاً، وكلما توغلا في الداخل، ازداد إدراكه لشيء آخر مفقود. جثة الغريب. أقسم حقاً أنه إن عاد هذا الكائن للحياة فسأصاب بالجنون. هذا مستوى من السخافة لست مستعداً للتعامل معه بعد يوم كاليوم. وكرحمة صغرى به، بدا أن الأمر لم يكن كذلك. مع استمرارهما، أصبح أسهل رؤية جبل صغير من الحطام يتراكم في الأفق، مع وميض غير طبيعي يسطع من حين لآخر، ليخبره أن جسد الغريب قد تكثف أكثر بكثير مما توقع عندما هبطا أخيراً.
قاد بن ثيرا إلى الأمام ليتمكن من إلقاء نظرة عن قرب بينما شعر بتلك المادة الدخيلة تنقر في دماغه بالطريقة نفسها، وإن بشكل أقل، التي فعلها الغريب نفسه، لتخبره بكل ما يحتاج معرفته عن المخاطر التي لا تزال تحتفظ بها. وبينما كانت تومض وتلتوي حول نفسها بقوتها الخاصة بينما تصطدم حالتها الغريبة بالواقع ذاته، أفضت برفق شديد عن التراب الذي كان يغلفها، متخلية ببطء عما دفنت تحتها ومبشرة بيوم يُكشف فيه المزيد.
وضع لابد من التعامل معه بلا شك، لكنه ليس الأول. لأجل ذلك، أخرج بن شيئاً صنعه مبكراً جداً. بوصلة، مربوطة وتشير في اتجاه بلورة الروح الوحيدة التي صنعها وتمكنت فعلياً من ختم أي شيء. نظراً لكيفية امتصاص كل شيء آخر بعد موت الكاحل، جعل بن ثيرا تبدأ في إزاحة أكوام التراب، مراقباً البصلة ليرى إن كانت تتحرك نحو المكان الذي أودعت فيه دون جدوى في هذا الجانب أيضاً، ولم يبق سوى فحص الجثة المكشوفة بالكامل الآن.
بالطبع، لم يكن أحد ليعرف أنها جثة لمجرد النظر إليها، بل إن بن نفسه لم يكن ليلاحظ لو لم يكن أحد المسؤولين عن صنعها. بغض النظر عن طريقة تفاعلها مع العالم حولها، لم يبق شيء من شكلها الأصلي، إذ انضغط كل ذلك ليصبح كتلة عملاقة، بعرض عشرة أمتار. وبلورة الروح مدفونة وسط كل ذلك. أظن أن بإمكانسي تركها، لكن... لكنه لن يحصل أبداً على روح غريب مرة أخرى. لم يكن يعلم حتى ما سيحرفه أو يمكنه فعله بشيء كهذا، لكن الأمر كان أفضل من تركها تتعفن، وأفضل من الاحتفاظ بها في مكان يمكنه مراقبتها فيه، لو لمجرد التأكد من أن الوحش الذي ختمته لن يتحرر بطريقة ما من التعاويذ التي تقيده ويصعد إلى السيادة التي قُدّرت له.
وهو ما يعني أن علي معرفة ما إن كان بإمكاني حفر شيء ما نظراً لشكّي في أن سحر أرض ثيرا سيكون نافعاً للغاية في التعامل مع مادة غريبة إذ إنه لا يمتد حتى لتوسيع شيء مثل الخشب. وهو ما يذكرني، حتى وإن لم أستطع فعله بنفسي، فيجب حقاً أن أدعم بعض الأبحاث الأعمق حول مدى تغطية كل تقارب لما أراه في سجلات المكتبة. وهو ما لا يهم البطل إطلاقاً الآن، يجب علي فقط الأمل في أن سحري فائق الاتساع وسائق الروعة سيطال هذه القمامة الغريبة.
لم يكن يشك حقاً في حدوث ذلك بالنظر إلى الأمور الأخرى التي فعلها بها، لكن بعد التجول حول الكتلة الغريبة لمحاولة تقدير الموقع التقريبي لبلورة الروح، تُرك لاختبار الأمر، باذلاً قوته الخاصة للحفر عبر المادة التي أمامه وشعوره بمدى استهلاكها من المانا مقارنة بالتعامل مع مواد أكثر عادية. لكن بعد جهد أكبر بكثير مما كان يتوقع، عثر عليها أخيراً واستخدم سحره لإخراج بلورة الروح، مراقباً المادة وهي تنغلق حول الحفرة التي حفرها مرة أخرى اللحظة التي توقف فيها سريان المانا.
ضربة معلم. شعرت بابتسامة تشق وجهه بينما دسها في جيبه وكان على وشك تحويل انتباهه لتوجيه ثيرا لختم المادة الغريبة بطريقة لا تهرب بها، ليوقف نفسه مجدداً. بالطريقة ذاتها التي لن يحصل بها أبداً على فرصة أخرى للوصول إلى روح غريب، متى ستتاح له فرصة أخرى للوصول إلى مادة غريبة ظلت مستقرة بطريقة ما في واقع يبدو وكأنه يرفض طبيعتها ذاتها؟ بالطبع، سيكون هناك بعض الخطر في جلبها لكنها كانت تجربة مغرية للغاية بحيث يصعب مقاومتها، حتى وإن لم يكن لديه أدنى فكرة عما سيفعله بها، لذا فقد بذل مرة أخرى بعض قوته فضغط وشكل بعض الحجارة من حوله في حاوية متينة قبل استخدام ما بقي لديه لانتزاع قدر قبضة يد من المادة الغريبة، شعوره بأنه يكاد يستنفد المانا خاصته وهو يفعل ذلك.
لم يكن ذلك يهمه، فقد بات يملك الآن شيئاً جديداً وممتعاً ليجربه ويعبث به قليلاً، ومع عدم وجود أي شيء آخر يفعله، فقد ساعد في توجيه ثيرا بقوتها، دافعاً إياها لابتكار شيء أشد بكثير من التراب المفكك لحمل ما تبقى من الكاحل الذي قتلاه، لئلا يكتشفا التأثيرات طويلة المدى التي قد تتركها جثته على العالم المحيط بهما.
<اكتسبت لقب- قاتل انصاف الملوك>
"إذاً؟"
"إذاً؟"
سأل ميرياد رداً عليه.
"لا تتهرّب مني يا رجل. لقد منحتني مهمّةً اختلقتها في الحال. ما القصة بحقّ الجحيم؟ الحصول على مهامّ هو المزيّة الكبرى للارتباط بملِك. ارتباط لم أزعجك بشأنه بتذبذب طوال المدة الماضية بعد أن استنفدتُ قائمتك المعتمدة مسبقاً دون الحصول على خيارات إضافية. هكذا ظننتُ على الأقلّ، إلى أن وجدَتني هنا، لأكتشف في نهاية العالم البائس أنك كنت تحتفظ بالكثير لنفسك! يمكنك اختلاق مهامّ على الفور الآن! يا للّهول، الخيانة توجع كثيراً، هل أنا الوحيد في العقيدة الذي لم يحصل على مزايا هذا الأمر؟ إنه يمزقني بعمق يا رجل."
تنهّد ميرياد.
"أعترف، كان يجب أن أطرح الأمر، لكني كنت أعلم أنك ستتفاعل بشكل سيّئ. وعلى أي حال، لم أُقدّم لأحد أيّ شيء يتجاوز إنجاز المعيار منذ أن اكتسبت القوة للقيام بذلك."
"حسناً، إذن ما القصة هنا؟ خفتُ أن أنجز الكثير بسرعة كبيرة فتتركني في فقر دنقٍ مجدداً؟"
"ليس تماماً، رغم أنك حين ذكرت الأمر فهذا سبب وجيه جداً لتجنّب منحك المزيد إن استطعت. لكن لا، السبب في أنني لم أكن أقدّم مهامّ هو أنني لا أستطيع، والأمر يقع على عاتقك إلى حدّ كبير."
"...فسّر."
تنهّد ملِكه مجدداً.
"لقد اكتسبت للتوّ القدرة على منح المهامّ بحرية أكبر، لكن ليس بحرية الملوك الآخرين ذوي القوة الأكبر. شخص مثل أنايليا يمكنه منح مهامّ تؤمن بأنها ستشكّل تحدّياً لمؤمنيها، لكن في الوقت الحالي، أنا مختلف. لا يمكنني سوى منح المهامّ التي لا أؤمن بأن من أعطيتهم إياها سيحققون النجاح فيها."
"من الرائع حقاً أن تعلم أنك لم تظنّ أنني سأنجح في إيقاف الغريب."
"كان افتراضاً معقولاً للغاية، وعليك أن تشعر بالإطراء يا بن. لكي أكون واضحاً، لا يمكنني منحك مهامّ حالياً لأنني أؤمن بك بشدة تفوق الحدّ بشكل عام. وهذا النجاح الحالي لم يؤكّد إلا ذلك الشعور."
"مُمتاز، أتفسّر لي أكثر قليلاً؟"
"يا بن، أعرفك منذ سنوات الآن. رأيتك تواجه التحدّيات مراراً وتكراراً وفي كلّ مرة رأيتك تخرج منتصراً. رأيتك تغيّر العالم بإبداعاتك، وتحسّن الحياة حولك وتنقذها، وتكتشف أسرار الكون وتهرب من محاكمة مستحيلة. والآن فوق كلّ ذلك، رأيتك تنقذ العالم. بكل بساطة، لديّ إيمان مفرط بك يجعل ظهور خيارات المهامّ أمراً مستحيلاً، وكلّ ما تحققه يجعل الأمر أشدّ صعوبة."
"...حسناً، إن كنت تحاول إطرائي فقد نجحتَ"، أخبره بن، حتى وإن ملأ جوابه مشاعر معقدة.
لقد شعوراً رائعاً أن يسمع أن ميرياد يرفعه إلى هذه المنزلة، لكن حقيقة أن ذلك يمنعه من جني بعض المكافآت التي كان يمكنه الحصول عليها لم تترك في فمه إلا طعماً سيئاً. ومع ذلك، بدا أنه لا أستطيع فعل أيّ شيء حيال ذلك، فبذل قصارى جهده لتقبّل الأمر ومحاولة المضي قدماً.
"في هذه الحالة، ينبغي أن نتحدث لاحقاً لنحاول تدبّر بعض المهامّ المناسبة لساشيل وفالاريا وبعض الأعضاء الآخرين في عقيدتك. لا مبرر لحرمانهم من خيار المطالبة ببعض الفوائد مهما بدت مستحيلة. لكن دعنا نمضي، وبما أننا فرغنا من ذلك فلا بأس من قولها."
"لن أقولها"، أنين ميرياد، وهو يعلم تماماً ما يلمّح إليه بن.
"هيا، افعلها، أنت تعلم أنك ترغب في ذلك."
"لن أفعل، نظراً لما حدث، كان غضبك مبرّراً. حقيقة أن الأسلحة التي صنعتها وُجّهت ضدّك هو أمر شائن بالنظر إلى كلّ ما فعلته، وخاصة بعد أن ساعدت للتوّ في إنقاذ العالم، إنه فقط..."
"إنه فقط..."
"حسناً، أكان لزاماً عليك أن تتبعني لإثارة جلبة؟"
تذمّر ملِكه.
"أنت تعلم أنني في صفّك بشأن هذا الأمر لكن بالتأكيد كانت هناك طرق أفضل للتعامل معه."
"الصراخ في وجه الجميع صنع العجائب لصحّتي النفسية، بعد كلّ ما حدث لي اليوم كنت أستحقّ ذلك. على صعيد آخر، ما الأخبار؟ أسيُلبّون سعري الأحدث أم أنني حرّ في التركيز على أهدافي الخاصة؟"
"بما أن المال سيكون عديم المعنى تقريباً إن خسرنا، فقد وافقوا جميعاً دون مقاومة تُذكر. في الغالب. هناك أكثر من القليل ممن لا يروق لهم السماح لك بفعل ما تريد بهذه السهولة."
"حسن إذن، وكما نحبّ أن نقول في كنيسة ميرياد، يمكنهم الذهاب إلى الجحيم."
"نحن بالتأكيد لا نحبّ قول ذلك في كنيستي. إذن ماذا ستفعل الآن؟"
"همم، حسناً لقد أقسمت حقاً أن أبتزّهم بكلّ ما يملكون لقاء التعامل مع هذه الكارثة، لكن ليس هناك ما أحتج إليه فوراً"، قال وهو يفكّر مع نفسه.
بن يستحقّ مكافأة لقاء عمله، ولن يتراجع أبداً عن ذلك، لكن لم يخطر بباله شيء فوري ممّا أراد أخذه من الملوك. البركات كانت لطيفة دائماً لكنه كان واثقاً من أنهم سيقاتلون باستماتة ضدّ إعطائه أيّ شيء يقترب من قيمة نجاحه، ولكن ما الذي تبقى أيضاً؟ ربما يمكنه جعلهم يساعدونه في إتمام بضع مهامّ، لكن ذلك كان مجرد نسخة أسوأ من أيّ بركات قد يحصل عليها محتملاً.
وحتى لو كان طلب المزيد من المال بسبب سوء المعاملة هو خياره المعتاد، فلم يكن هناك في الواقع ما يمكنه فعله بكمّيته الهائلة منه بالفعل، ورغم وجود بعض المهارات التي كان مهتماً بالحصول عليها، إلا أنها لم تتبدُ مجدداً مكافئةً لإنقاذ العالم كما يعرفونه."
"سنعلق المطالبة بمستحقاتي لوقت لاحق"، حسم أمره في النهاية.
"سيظهر شيء ما عاجلاً أم آجلاً، ربما إن وجدت نفسي حقاً أعاني مع مستوى أو مستويات أحتاجها فسأجبرهم على المساعدة حينها."
"حسناً، ومما يثير القلق أنك تمتلك دَيناً تلوي به أذرع ملوك العالم أجمع الآن، لم يكن هذا ما كنت أتحدث عنه. هناك الكثير من القلق هنا في الأعلى بشأن ما ستفعله بكنيسة إنيث بعد هذا."
آه، هذا.
"همم، سأخبرك طالما أنك لن تنقل الأمر. إن سأل أيّ شخص آخر فالتظاهر بأنك لا تعلم."
"هاه، حسناً، لكني لا أستطيع أن أعدك بشيء إلا إن كنت لن ترتكب مجزرة جماعية بحقّ كهنة إنيث أو مؤمنيه، وإذا كان الأمر كذلك فلا تخبرني."
"يا للهول يا ميرياد، ما الذي تظنّني عليه؟"
"أظنّك شخصاً لا يخاف إظهار ردّ فعل قويّ كلّما حاول شخص ما قتلك، وهذا ناتج عن مجرم عائد. ليس لديّ أدنى فكرة إلى أي مدى قد ترغب في إيصال الأمر."
"حسناً، هذا عادل، لكن رغم أنني لا أحبّ كنيسة إنيث فلن أعتبر كلّ من يؤمن به مذنبآ بالقدر نفسه. ناهيك عن مؤمنيه العاديين، لن أقدم حتى على أمر شائن مثل إبادة كهنته."
"حسناً، إذن ماذا ستفعل؟"
عندها ابتسم بن.
"لا شيء."
"لا أصدّقك."
"في الوقت الحالي على الأقلّ"، أوضح بن.
"فكر في الأمر يا ميرياد، لقد فقدوا للتوّ نصف ملكهم، شخصاً كان عليه أن يمنحهم بعض القوة على المسرح الدولي بقوة وجوده الأساسي، وقد مات أثناء محاولته قتلي. كلّ الأوغاد الآخرين هنا في الأعلى لن يحاولوا إبقاء ذلك سرّاً، أليس كذلك؟"
"كان هناك بعض الحديث عن الأمر، لكن في النهاية لا. أثير كان يملك سمعة سيئة بالأساس والكثير من الملوك يقدّرون العدالة لدرجة أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي متظاهرين بأنه مات أثناء المساعدة في إنقاذ العالم بينما كان في الحقيقة يقف في طريق من تولّى تلك المهمة فعلياً. هذا على نطاق أوسع بكثير ممa حدث مع عرّافة أولينسيا."
"حسناً، من الجيد معرفة أن هناك على الأقلّ القلة ممن يملكون مبادئ هناك في الأعلى. ممّا يذكرني، لقد أنقذت العالم. لماذا حصلت على لقبي قاتل الغرباء وقاتل أنصاف الملوك وليس شيئاً مثل بطل أو منقذ أو منقذ العالم أو أيّ شيء مفيد؟"
"لست متأكّداً، عد إلى الموضوع الرئيسي."
"حسناً. المغزى هو أنه حتى وإن لم يعرف معظم الناس هويتي، فالكثيرون في تلك الكنيسة سيعرفون بعد كلّ ما فعلته بهم. لذا وبينما هم لا يتعاملون فقط مع ضعف قوتهم عبر مسرح العالم في الوقت ذاته الذي يعالجون فيه سوء صيتهم الحالي وافتقارهم المؤسف للأموال، فسيكونون مذعورين عن حقّ حيال كيف سأردّ فعل إزاء محاولة نصف ملكهم التخلص مني. أريدهم أن يشعروا بذلك الذعر ذاته لأطول فترة ممكنة، ويمكن لثأري أن ينتظر بعد أن يختمروا قليلاً."
"حسناً، ولكن ماذا بعد ذلك؟"
"لست متأكّداً جداً"، هزّ كتفيه بينما كانت الأفكار تتطاير في عقده.
"ربما أفكك كنائسهم وأدمرها عبر الأرض، لبنة لبنة. ربما أدلل نفسي وأقتل فيلث لأنه يستحقّ ذلك حقاً على أيّ حال وسيكلف إنيث رسوله. ربما أحول أكبر عدد ممكن من مؤمنيه بعيداً عنه وأدعوه يتعامل مع خسارة المزيد من الإيمان. أو ربما أضطر حقّاً إلى البدء في تجربة حدود ملك التدنيس."
أو ربما أفعل كلّ ما سبق. بينما كان بن مستعداً للقول إن معظم مؤمني إنيث أبرياء من أفعال ملِكهم، لم يكن مستعداً لتمديد ذلك الاعتقاد نفسه إلى الملِك المعني. في النافذة القصيرة التي كان فيها مرتبطاً بأثير قبل أن يقدم على غوصته، رأى بن المحادثة القصيرة التي أجراها مع أبيه. لم يكن لديه أدنى شكّ في أن الملِك سينكر ذلك، لكن عندما أخبره إنيث أن يتصرف بطريقة تليق بابن ملِك حرب، تواردت إلى ذهن أثير فوراً فكرة قتل بن.
كان الملوك يقرؤون العصور دون حتى محاولة، ولم تكن هناك طريقة تجعله لا يعلم ما كان سيُحاول فعله.
"حسناً، أظنّ ذلك يعني أنني أملك بضع أشهر من السلام قبل أن تتسبب في مستويات مجنونة من الخراب بين الأديان"، تنهّد ميرياد، متخيلاً سلفاً مستقبلاً سيضطر فيه للدفاع عن أفعال بن مع الاعتماد على الأحداث الأخيرة على الأقلّ للمساعدة في تبريرها."
"سيصبح الأمر رائعاً، لا تقلق. أما الآن فلدينا شيء آخر نتحدث عنه قد ترغب في إبقائه طسماً، لست متأكّداً حقاً."
"يا للسموات الفارغة، ماذا هذه المرة؟"
"لقد حصلت على بركة جديدة."
"أوه؟"
قال ميرياد وقد أثار الفضول فضوله.
"نحن نعلم جميعاً ما فعلته، ولن يكون الأمر الأكثر صدمة في العالم إذا قرر شخص ما مكافأة عملك... من أخدع، لن تقلق بشأن ما إذا كان الأمر بحاجة للسرّية إن كان ببساطة هكذا. دعني أخمّن، بطريقة ما حصلت على بركة من الغريب، أليس كذلك؟"
"لا، ولست متأكّداً حتى ممّا إذا كانت بركة حقّاً تقنياً"، أوضح بن.
"إنه شيء حصلت عليه عندما مزق الغريب فجوة في الواقع وبقيت أحدق من خلالها. شاهد الفوضى. قد تكون في قسم البركات في حالتي لكن حتى عندما حصلت عليها، ذكر النظام للتوّ أنني اكتسبتها ولم يقل شيئاً عن كونها بركة مثل بقية ما اكتسبته. أسمعت قطّ بحدوث شيء كهذا من قبل؟"
"أبداً"، قال ميرياد وهو ينهار على الأرض في الأسفل.
"لكن، لم يسبق لأيّ فاني أن سنحت له الفرصة للتحديق في الفوضى. بصراحة يا بن، تواصل بطريقة ما شقّ طريقك عبر أغرب الحماقات في الكون."
"هاه، هي يا رجل، أنا روح مستدعاة من واقع غريب. كلّ يوم هنا هو بعض أغرب الحماقات في الكون بالنسبة لي."
"أعتقد أن هذا عادل. إذن كيف تشعر؟ أيّ آثار جانبية؟"
"نعم..."
وحتى أثناء حديثهما، استطاع بن شعور الأشياء وهي تخدش رأسه. أعماق الجحيم اللانهائية والشكل المتغيّر وفيزياء الغريب، وأكثر من أيّ شيء آخر، الفوضى ذاتها، كلّ ذلك كان يلوث عقله ويترك ميرياد ليتنهّد عندما قال ذلك القدر.
"بالنظر إلى كلّ الأمور، تبدو بخير بما يكفي لذا فأنا لست قلقاً فوراً، ولكن حتى لو كنت كذلك فلا أظنّ أن هناك أيّ شيء يمكننا فعله حتى. كلّ ما يمكننا فعله هو الأمل في أن يتلاشى ويتحسن بمرور الوقت."
"يا للمتعة والسعادة."
كانت السخرية كثيفة في صوته، لكن لم يتبقَّ حقّاً ما يمكن فعله سوى الأمل في الأفضل، مع محاولة ميرياد على الأقلّ الإنهاء بنبرة إيجابية.
"على الأقلّ تلك طارئة انتهت."
"ليس تماماً. نالوث هرب. وحتى لو ساءت الأمور، أنا متأكّد تماماً من أنه غادر وهو يحمل كمية طائل من القوة."
"إذن تلك طارئة ليوم لاحق. أما الآن، فحاول فقط الاسترخاء قدر الإمكان. لقد استحقكت ذلك."
كان يوتو يجري في العراء، ويشعر بقلب غريب يخفق في صدره مع كل خطوة، وكان يمقت كل ثانية من ذلك. كان يمقت الجري، وتلك الواقعة ذاتها ماثلة بوضوح في ذهنه قبل أن يُحبس في الجحيم حيث تشوّهت أفكاره لقرون أو آلاف السنين لا يدري كم. لكنه كان يمقت وضعه الجديد أكثر من ذلك بكثير. لقد تقمص جسد نالوث ليدرك تماماً حقيقة الموقف الذي وجد نفسه فيه بعد تحرره إلى عالم جديد، وعلى الرغم من رغبته الدفينة، فقد بذل قصارى جهده للحفاظ على الجسد الذي يحتله حياً بفضل خصائصه ملكاً للموت.
وممّا ساعده أن البشري الذي اختاره بدا حاملاً لقوة حياة غير طبيعية، بفضل طقس عجيب أجراه بطبيعة الحال، وهو ما منحه الوقت اللازم ليتأكد من أن طبيعته المتنافرة لن تؤدي إلى موت الرجل المبكر كي يحصل على المعلومات التي يحتاجها، فوجد عالماً أسوأ ممّا تمنّى أو تخيل. في البداية، أثار ذلك حماسته. عالم يخوض حرباً ضد عدو مستحيل، فأي شيء أفضل لملك موت كي يستمتع به؟ لكن كلما تعلّم أكثر، أدرك أن الأمر لن يكون كوكب نعيم ينمّي فيه قوته قبل أن يغامر بالخروج إلى الفضاء الأوسع ليعرف ما حلّ بعالمه القديم ويسترده لنفسه، بعد أن يصطحب جيشاً من الأشباح لغزوه.
كلا، لم يبدُ أن الغزاة يكتفون بقتل السكان المحليين وغزوهم، بل طال ذلك ملوكهم أجمعين أيضاً. وكفى بهذا دليلاً على أنه بحاجة إلى مغادرة العالم بحثاً عم่า هو أفضل، ليتقمص دور ملك فراغ شارد ويحصد ما أمكنه من أرواح عابرة. ولن يكون الأمر صعباً للغاية أيضاً. فنظرة عجلى في ذكريات مضيفه أخبرته أنه حتى بعد رميه في الجحيم، ظلّ محافظاً على قدر أكبر من إيمانه وقوته مقارنة بملوك ذلك العالم الكثيرة التي اضطرت لإنفاق مخزونها لإنقاذ شعوبها بينما كانت تقسم كل ما توفر بين عدد هائل سواهم.
لن يكون قادراً على مواجهتهم جميعاً، لكن طالما استطاع التسلل بهدوء ودون أن يلاحظه إلا قلة فهو واثق من قدرته على إسكاتهم إن لزم الأمر والهرب في النهاية، وربما اصطحاب بعض الأرواح الضالة معه أيضاً. لكنه عندما حاول واجه أقسى مصير على الإطلاق. إنه لم يحر بعد. في العصور التي مكث فيها الجسد الذي حُبس فيه داخل الجحيم، تعفن وتآكل، محرراً إياه من اللحم الذي قيّده طويلاً بعد أن ألقى ملك عالمه الصاعد تلك اللعنة عليه.
وعندما غادر الجحيم ظن أن الأمر انتهى عند هذا الحد. ولم يفكر مرتين عندما انزلق في اللحم الجديد أمامه، ليصدم بأنه ما زال مقيداً بالقدر نفسه. فباحتلاله جسداً جديداً بات حبيساً فيه تماماً كما حدث في الماضي، بلا أي سبيل للفرار. وبينما لم يكن موت جسده البشري في خطة تحتضن الأرواح مشكلة، لم يكن بإمكانه قتل الجسد الجديد ببساطة للهروب، فهذا طريق ذو اتجاه واحد يؤدي إلى حتفه.
كلا، عاجلاً أم آجلاً كان عالقاً هناك في الوقت الراهن، لكن ذلك لا يعني أنه سيظل كذلك إلى الأبد. وهو يعلم من الذكريات التي ينقب فيها أن الهجوم القادم قادم لا محالة. وسيرقب الأحداث بسعادة من الخطوط الخلفية ليحصد الأرواح التي يستطيعها سعياً للقوة، بينما يقضي وقته كله في العمل والتخطيط لهربه لينال الانتقام الذي أقسم أن يأخذه.