الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 58

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 58 باللغة العربية على مانجا تايم.

"أكاد أجزم أنك لن تراني مجدداً. وداعاً ثيرا، هذا بيتي الآن".

"نغلق أبوابنا بعد خمس ساعات تقريباً"، قالت موظفة ودودة أثناء مرورها.

"تغلقون؟ نقابة الأسوار الحجرية لا تغلق أبداً"، سأل محبطاً.

"تلك نقابة المغامرين غالباً"، أخبرته ثيرا.

"تبقى مفتوحة دائماً تحسباً للحالات الطارئة".

"آه، يا للضجر".

أمامه صفوف وصفوف من الكتب في شتى المواضيع، وكل ما يقع أمامه يقع في النطاق العام. وهناك رفوف للأفكار الأكثر شعبية الحاصلة على براءات اختراع أيضاً، لكنه لم يكن راغباً في إنفاق المال لاستخدام أفكار شخص آخر في الأشياء التي سيصنعها ويبيعها، لذا كان الأفضل في هذه اللحظة ألا يلمسها حتى مخافة استخدام إحداها عن طريق الخطأ. طلب من أحد موظفي النقابة إرشاده إلى الكتب التي تتناول المواد المختلفة وخصائصها، فخرج بخمسة مجلدات ضخمة ليقلّب صفحاتها.

"لن تنتهي من كل هذه قبل أن يغلقوا"، قالت له ثيرا.

"لن أُحاول حتى. سأكتفي بتقليبها لأرى إن كان هناك ما يلفت الانتباه. إن كان هذا مُملاً للغاية فيمكنك العودة يا ثيرا، سأبقى هنا غالباً إلى أن يُطردوا".

هزت رأسها قائلة: "سأبقى، والداي يبالغان في ارتياحهما في التصرف بطبيعتهما معي في الوقت الحالي. إن منحتُهما بعض المساحة فقد يهدآن قليلاً".

"كما تشائين".

فتح بن الكتاب الأول بينما بحثت ثيرا عما يمكنها قراءته لتمضية الوقت، وإن كان بن يشك في مدى حظها. بدا أنها تميل إلى التاريخ والأدب الخيالي لا الأدبيات التقنية. بالطبع لم يكن ليجلس ليقرا شيئاً كهذا بنفسه لو لم يُقذف في هذا العالم، أما الآن وقد صار عمله فقد غدا أكثر إثارة للاهتمام بدرجة ملحوظة. بينما أمضى ساعات في تصفح مئات الصفحات، تعرف على العديد من المواد التي سيهتم بالعمل معها ذات يوم لما تتميز به من خصائص فريدة ومثيرة للاهتمام، لكن أياً منها لم يطابق ما كان يبحث عنه.

صحيح أن هناك الكثير مما بدا قابلاً للانفجار في الظروف المناسبة، لكن بن لم يكن متأكداً حتى مما إذا كان نترات البوتاسيوم مادة كيميائية متفجرة، أم أنها شيء يُستخرج من المناجم أو مادة عضوية أصلاً، وكل ما امتكه كان مجرد اسم ينطلق منه، وعلى حد علمد فقد تكون عملية دمجه بالفحم والكبريت هي ما جعلها تعمل. بمجرد أن أغلق المجلد الأخير استسلم. لن يجلب الأسلحة إلى هذا العالم، ليس الآن على الأقل.

ربما سيترى إن كانت بيلينيا ستساعده في إرسال بعض الرسائل إلى مختلف زملائه الذين لم يكن يعرف كيفية التواصل معهم ليرى إن كان بإمكانهم مساعدته بأي شكل، لكنه في هذه اللحظة سيضطر فقط لبذل قصارى جهده لئلا يدع أي مخلوقات أخرى تغرس أنيابها فيه. وضع كتبه جانباً، يشعر بشيء من خيبة الأمل، قبل أن يتجول بين الممرات طوال الساعة الأخيرة. وجد الكثير من العناوين التي لفتت انتباهه وقرر أنه سيعود لقراءتها لاحقاً، وكان يعثر بين حين وآخر على شيء يبدو مثيراً للاهتمام بما يكفي ليدفعه لفتحه وتقليب صفحاته، لكن لم يكن لديه الوقت لغمر نفسه في القراءة بالطريقة التي يريدها.

احتفظ بقائمة ذهنية لأشياء سيقرؤها لاحقاً وذهب ليجد ثيرا. كانت جالسة بجانبه، تقرأ كتاباً على عكس ما كان يتوقعه، فلفت انتباها.

"ماذا وجدتي؟"

رفعت رأسها ورأت أنهما على وشك بدء الإغلاق، فأعادته إلى رفّه.

"إنه (استخدام تعويذات سحر الأرض في التطوير السحري). كان مثيراً للاهتمام لكن لا شيء يمكنه حقاً مساعدتي على التحسن".

"هذا سيء".

"حسناً، سيحاول أبي التدرب معي قريباً على أي حال لذلك سنرى كيف ستمور الأمور. أتمنى لو أنني وضعت في حقيبتي عصاً سحرية أخرى غير هذه".

"ألا يمكننا أن نحضر لك واحدة جديدة في البلدة لاستخدامها؟"

هزت كتفيها قائلة: "يمكنني، لكن بصرف النظر عن متجر فالك، فالعصي التي تصنعها أنت هي الأفضل غالباً ولن تكون باهظة الثمن بشكل مقزز".

بالنظر إلى المدة التي تدوم فيها، فهذا محزن حقاً. فكر، لكنه قرر الاحتفاظ بذلك لنفسه وأن يعتبره إطراءً.

"حسناً شكراً لك، لقد ارتفع مستوى تطويري السحري منذ أن صنعتُ عصاك الأخيرة أيضاً لذا نأمل أن تكون العصا التالية التي أصنعها أفضل حتى".

"سأتطلع إلى ذلك".

ورغم أن وجهها كان مغطى، شعر كأنها كانت تبتسم.

انضمّا إلى أبويها لتناول العشاء، مع أن كارلي وغلوب تغيّبا هذه المرة، وتحدثا عن خطط المستقبل القريب.

قالت بيلينيا مخاطبة إيَّاهما: "بما أن بن يبدو ساحراً أسرع ممَّا توقعت، فلا شيء مرتبكاً لك غداً، وكنتُ أنوي منحك اليوم التالي للراحة، فاستغلّ إذن اليومين القادمين فيما تشاء. على أنني أتلقى تقارير من مختلف السفارات تفيد بأن اختباراتها المستقلة تثبت نجاح الدعامات التي صنعتها اليوم وفقاً لما أُعلن عنها، وهي ترغب في البدء بالطلب منك فوراً".

قال: "أوه، حسناً، لا مانع، لكنني لم أستقرّ بعد على سعر لها، ولا أدري ما هو العادل منها".

ردّت: "لا تقلق، اقترح فالك سعراً أراه أكثر من عادل، وربما كان معقولاً أكثر من اللازم، لكنني أظن أنك لن تواجه أي مشكلة معه. ومناسبة الكلام، عليَّ تحويل أموال ما صنعته اليوم إليك".

ونهضت الملكة فوراً لتتجه نحو بن، ضاربة ببطاقتها على بطاقته. تفقد المبلغ المحول فشعر بعينيه تخرجان من محجريهما، وشرع سريعاً في حسابات ذهنية.

قال وفي قلبه شعور بالتردد حيال مفارقة المال الذي مُنح للتو: "يبدو هذا المبلغ مرتفعاً بعض الشيء. بهذا السعر يكفي الواحد ليعيش أسبوعاً كاملاً".

وهمّ بإعادة معظم النقود إلى بيلينيا، لكنها رفضت بقطع.

"لا مشكلة في الأمر، لقد حسمتُ بالفعل تكلفة المواد والأجور لصناعة الدعامات نفسها. إنها تعمل كما وُصفت وهي أقل إزعاجاً بكثير من عباءة قد تباع بثلاثة أضعاف السعر الذي نبيع به بضاعتك، فضلاً عن أنك الشخص الوحيد القادر على صنعها حالياً. ومع سهولة الإنتاج، سيبدأ السعر في الانخفاض ما إن يحصل المزيد من الناس على مهارة صنعها، لكن يمكن عدّه منخفضاً حتى الآن. أمَّا إذا كُشف عن هويتك بوصفك المخترع، فسيكسبك ذلك قدراً وافراً من حسن النية لدى مختلف الدول التي تشتريها".

وما لم تقله هو أن الكثير من الدول ربما بدأت بالفعل في التحقيق بشأنه. وبما أنه اختار إبقاء هويته سرية لدى النقابة، فإن سعت أي دولة لتعقبه فستدخل على الأرجح في نزاع معه، غير أن ذلك لن يمنعها من استغلال هذا الوقت لصياغة أفضل عرض بيع ممكن إذا ما قرر يوماً الخروج إلى العلن. غرق بن في دوخة. لقد كسب في عمل فترة ظهيرة واحدة ما يكفي للعيش عاماً كاملاً تقريباً، وإذا أضاف ما تبقى له من الكنيسة وما جناه مع فالك فقد تجاوز ذلك الحد.

ومع حديث الملكة عن ترتيب مواعيد إضافية شعر بعدم ارتياح لا يجد له تفسيراً دقيقاً.

قال متردداً بعض الشيء وغير واثق من نفسه: "أم، ماذا أفعل بكل هذا المال إذن؟".

لكن بيلينيا بدت مسرورة بمساعدته وتوضيح الأمور في نصابها.

"يبدو لك كبيراً الآن يا بن، وإلى حد ما هو مبلغ ضخم بالفعل حين تتسلمه دفعة واحدة، لكن ثمة الكثير من المشتريات التي يمكن أن تبتلعه بالسرعة ذاتها. يمكنك إنفاقه كله دفعة واحدة لشراء منزل كبير، أو بعض القطع النادرة، أو لطلب مواد لا يمكنك الحصول عليها بلا هذا النوع من رأس المال. إنه مبلغ كبير، لكنه قد يتبدد في لمح البصر، فإما أن تنفقه سريعاً لتتخلص منه، وإما أن تستخدمه بحكمة، إلى جانب أنه ليس من المرجح أن تتمكن من بيعها متى غادرتَ هنا إن كنت تنوي الحفاظ على سرية هويتك".

لم يدرك مرادها للوهلة الأولى قبل أن يتنبه إلى صواب قولها. إن كان هو الوحيد القادر على صنعها، فإن تفصيل السحر لكل شخص سيُظهر هويته بوضوح تام. ومع إمعان النظر، كانت هذه مشكلة كبرى بحد ذاتها، غير أن بيلينيا ساعدته على الأقل في تبديد مخاوفه بشأن ثروته المكتسبة حديثاً. نعم لقد كان مبلغاً كبيراً يُمنح دفعة واحدة، لكنه لا يساوي شيئاً مقارنة بأثرياء الأرض ومليارديراتها الذين يجنون مثله في يوم أو أسبوع أو شهر، ولا شك في أن هناك أفراداً أثرياء كثر في هذا العالم ممن يجنون ما يفوقه بكثير.

وإذ تذكر أنه يجلس مع ملكة أمة وروح قادرة على صنع معادن سحرية نادرة من العدم تقريباً، فقد غلب على ظنه أنه يجلس مع اثنين منهم في هذه اللحظة بالذات.

قال: "حسناً أنت محقة، ربما أصابني شيء من الذهول. سأشتري بضعة أشياء كنت أفقر من اقتنائها سابقاً وأحتفظ بالباقي للوقت الحالي ريثما أجد ما يستحق فعله به".

أخبرته الملكة مبتسمة: "أنت فتى صالح، وبالطبع إن أردت استمرار تدفق الأموال فهناك خيار دائماً".

قال: "أه؟".

قالت: "اعمل لمملكتي".

فصعقت الفتى فوراً وتركته بلا كلام. وهي مشكلة لم تعانِ منها رديفتُه.

صرخت تيرا: "أماه! حتى لو علمتِ أنه من يصنعها، فلن تعجب النقابة محاولتك خطف شخص يرغب في إخفاء هويته".

لم تفعل الملكة سوى أن هزت منكبيه.

"صحيح أن هذا يلعب دوراً، لكن هناك أسباباً أخرى كثيرة تدفعني لرغبة الفتى الآن بعد أن وقع بصري عليه. إن ساحراً يتمتع بهذا النوع من السرعة نادر الوجود، ومع قرب وقوع غزو سيكون شخص قادر على إضافة مثل هذه المقاومات الفائقة لأي درع بمثابة هبة سماوية. بصراحة ربما كان عليَّ طرد الدبلوماسي الذي سمح لشاب واعد كهذا بالإفلات من بين أصابعي، مع أن الظاهر أن أي دولة تقصد منطقتكم قد ارتكبت خطأ الاكتفاء بالنظر إلى القوة القتالية وحدها".

"لا تقومي بطرد الناس تبعاً لأهوائك! ثم لا يهم الأمر على أي حال، بن يحب حياته الحالية، أليست كذلك يا بن؟".

التفتت تيرا نحوه فأومأ برأسه.

"هي محقة، أشكرك على العرض لكن لا بد لي من الاعتذار، فما زال لدي الكثير مما أريد تعلمه من فالك على أي حال".

قالت بسعادة: "لا بأس البتة. فقط تذكري أن العرض قائم إن غيّرت رأيك في المستقبل".

تخلت الملكة عن الأمر بيسر وسرعان ما عادا مجدداً إلى الحديث العادي، حيث كانت تيرا تتطرق غالباً إلى ما جرى في أنايليا أثناء غيابها، وحين سألت والدتها خدمة.

"بدأ شعري يطول قليلاً، أتمانعين قصه لي؟".

قاطعها قائلاً: "إن احتجت يوماً إلى قص شعرك في ستونوول فربما أستطيع مساعدتك يا تيرا. لا أعلم إن كان الأمر مرتبطاً بشكل مباشر بحرفتي لكنني واثق من تقاطع بعض المهارات بما يكفي لأتدبر أمري".

أخذت تعبث بخصلة متدلية بعد كتفيها بقليل.

"اعتدت قيام أمي بالأمر لذا لم أضعه في الحسبان، لكنني سأحاول جعلك تفعل المرة القادمة إن لم تمانع. إنها طريقة جيدة لكسب بعض المال الإضافي هناك على أي حال".

قال: "ماذا؟ لماذا؟ وكيف؟".

لم يستطع إيجاد صلة بين قص الشعر وكسب المال مهما أمعن في التفكير. فكرت هنيئة قبل أن توضح.

"أظن أنه ليس بالأمر الجلل إن أخبرتك لكن اصنع لي معروفاً واحتفظ به لنفسك. لا يقتصر لون شعري على مظهره الذهبي، بل هو ذهب حقاً".

شعر بن بتروس عقله تدور وتتحرك.

"ماذا؟ ولكن إذن... يا تيرا أيمكنني رؤية إحدى شعراتك حالاً؟".

سألها بجدية بالغة جعلتها تنتزع واحدة بلا مقاومة. تحسسها بأصابعه وأمعن النظر فيها. لم يسبق له العمل مع الذهب لكنه خبر الشعر. كان هذا يتمتع بالملمس والمجس المناسبين حين حركه في كفّه، حتى بعد انتزاعه من رأسها لم يتحول فوراً ليحمل خصائص ذهبية أكثر. وقد منحته فكرة. تقدّم نحوها، وأمسك بمنكبيها، وغاص بعينيه في عينيها، مفاجئاً إياها بجرأته المفاجئة. كان عليه فعل ذلك على أي حال، فقد احتج إلى إيصال مشاعره بصدق إليها.

قال بصوت مشحون بالعواطف ترك كل من في الغرفة يتساءل عما سيقوله: "تيرا، دعيني أستخدم جسدك".