قال بن وارتجف بعد أن طالع ذكريات طيف آخر: "يا للهول، كانت تلك غريبة".
"ولمَ؟ ماذا كانت هذه المرة؟"
"نوع نجميّ ما، لكن بخلاف بقية ما تفحّصته، أعتقد أن أصله لم يكن من المادة ولا المانا بل من الطاقة. كان استيعاب أمرها شديد الغرابة. وأضפ شخطة أخرى إلى قائمتي المؤكدة أن أكثر الملوك أنوغ."
لم يكن بيده حيلة أخرى في رحلة خروجه، فأخذ بن يغوص في عقول كل طيف يصادفه إلى أن يحبسوه. وجد أمراً أغفله في الأطياف الأولى لانشغاله، وهو وضعها الفريد الذي يعادل أي كائن حيّ في العالم، فضلاً عن منشأها المختلف؛ إذ تنحدر من سلالات شتى عبر الكون ومن كل دروب الحياة. رأى الكثيرين ممن تطوروا على الكواكب، مثل أغلب الحياة التي يعرفها، لكنه صادف بالقدر ذاته من وُلِدوا في بيئات أخرى.
عمالقة غازية، الفراغ، النجوم، وحملت كل بيئة ظروفاً فريدة لأصحاب تلك الذكريات، وممّا لا يقل أهمية، عزز ذلك شكاً راود بن طويلاً. بينما شهد نصيبه من الأهوال والطغاة، رأى أيضاً عقولاً كثيرة يستطيع بابتهاج أن يسمّيها بريئة من أفعال تستوجب الجحيم، لترتصّ بانسيابية أكبر مع افتراضه السابق. كان العديد منهم ضحايا أو أعداءً لملوك أشرار حاربوهم بقسوة تجاوزت الحد، غير أن غير القليل أُرسلوا إلى هناك من قِبل ملوكهم لأسباب سطحية بحتة أو لكونهم مزعجين، لا لجرائم نكراء تستوجب ذلك العقاب.
كلّما وجد أحداً لا يستحق عقوبته، تلوّ له بدعاء قصير، حتى وهو يدينه بسجن مختلف. لعلهم أبرياء، لكنهم مسيّرون. لم يستطيع السماح لهم ببث الفوضى والدمار والموت في أرجاء العالم. وهذا يعني أنني إن نجوت فسيتعين عليّ تدبر أمر بلورة الروح لاحقاً. لعلني أستعين بليكس؟ تلك مشكلة مؤجلة على الأقل، لن يقلق بشأنها طويلاً الآن بينما شقّا طريقهما للاصطدام بالطيف التالي في مرماهما. تتزايد أعدادهما كلّما اقتربا من المركز وتحطما عبره، إلى أن بلغا حدود بلورة الروح.
ودون وميض ضوء يستقبلهما، تأكدا أنها لم تُمحَ، بل عُبرا بها لتخلف ما تستطيع من أضرار. همم، ليس جيراً. مهما بلغت سرعة تيرا في تجديد مانا الخاصة بها، فهي تحرق الكثير لإيصالنا إلى هناك بأسرع ما يمكن، وقد سرقت منها الكثير مسبقاً لتجسيد البلورة من الأساس، ولن يكون استنزاف المزيد فكرة سدية على الأرجح، لكن هذا يعني أننا عاجزون حيال الأطياف جميعها. لعلها لا تمثل أولوية، لكنها ستستطيع مضايقتنا ريثما نتعامل مع الغريب.
همم، لا يعجبني خياري حقاً. بين ادخار المانا للوقت اللاحق أو مجابهة المشكلة الآن، شعر بالثغرات في كلا الخيارين، وراحت أفكاره تتخبط باحثة عن بديل بينما واصلت تيرا طريقها، متفادية الأطياف بدل الاصطدام بها كما فعلت سابقاً، آملة ألا تلاحقهما أو تهاجمهما من الخلف. لكن التطلع إلى رفيقته منحها أي بصيص أمل في حلّ، ريثما يقلّب مكتبة معرفته ويصوغ تعويذة. وحالما استقرّت الفكرة في ذهنه، رفع سرعة أفكاره إلى أقصاها قبل أن يتصل بها ويدخلها عقله ليبلغها إياها.
سألتْه تيرا وقد أدركت ما فعله، مستندةً إلى المرات التي ساعدها فيها على تلقينها جانباً من معارفه لا تنتهي في السحر، دون أن تتبين سبب فعله الآن: "أهوب، بن؟ ما الذي يجري؟"
"لا تبدو هذه اللحظة الأكثر أماناً لهذا حقاً".
أخبرها بهدوء، وكأن السقوط الحر لا ينذر بهلاكهما إن ساءت الأمور: "حسناً، طالما استطعت إيصال هذا إليك خلال ساعة فلن نكاد نتجاوز السقوط الحر، لا بأس".
"حاولت تركيب تعويذة لك ممّا أعرف، وينبغي أن تجعل مشكلة الأطياف أيسر معالجة".
كلما علا مستوى سحر الحياة لدى أحدهم، اقترب من محاكاة آثار سحر الموت والعكس صحيح. تلك الصفة الفريدة هي ما جعلت كلا الشكلين من القوة يفضي إلى الغاية ذاتها المتمثلة في سحر الروح، وبما أن تيرا قد بلغت المستوى السابع الموقظ من تلك القوة، فلا بد أن مستواها لم يكد يقلّ سوى عن يوزو وإلفات. إن وُقِتَ وقت لمحاكاة تعاويذ الموت، فهو الآن، وهذا تماماً ما بغى بن مساعدتها على تعلمه.
بتشابك عقله مع عقلها لدمج معارفه، بذل قصارى جهده لنقل المبادئ كافة بأسرع ما يستطيع، وشعر بمقاومة تيرا لكل ما حاول تلقينها إياه في تلك الفترات الوجيزة، حتى غلبه اطمئنان نسبيّ بأنها اكتفت، فحررها من سجنها العقلي، محافظاً على سرعة تفكيرها لتعويض تلك اللحظات في العالم الواقعي التي عجزت فيها عن التحكم بقوتها.
صاح بن بينما بذلت وسعها لتوزيع تركيزها بين إبقائهما في الجو وإلقاء تعويذة جديدة للمرة الأولى، بينما حلّقت مجموعة جديدة من الأطياف قبالتهما تماماً: "حسناً، وقت التمرين العملي!".
"أنتِ لها!".
صاحت رادّة وسط اندفاعها عبرها، عاجزة عن إطلاق التعويذة الجديدة في الوقت المناسب بينما راقب بن خلفهما ليتأكد من عدم تعرضهما لهجمات مباغتة: "أنا لستُ لها أبداً!".
"إذن فأنتِ لها مع المجموعة القادمة! أنا أؤمن بكِ!".
ورغم عنائها، صابرت تيرا في وجه تفاؤل بن الذي لا ينضب، باذلة جهدها لاستيعاب كل ما تضمّنته التعويذة. لم تشبه سحر الحياة قط. ولم تكن شيئاً يُسقط على جسد كبقية ما استخدمته، بل استهدفت أرواحاً مجرّدة. بدا اختبار إلقائها غريباً وهي تحاول حياكتها، وكل ذلك لتحقيق غاية واحدة فقط. إرسال الموتى إلى السلام. وأمكنها الشعور بمانا الخاصة بها تقاومها مع كل ثانية تحاول فيها إلقاءها.
لم تكن الطريقة التي ترغب بالالتواء بها، وكأنها تصارع طبيعتها الأساسية. لمجرد تقارب القوتين، لم يَعنِ ذلك أنها ستستكين بسهولة، وشعرت بكل وميض كفاح لمحاولتها إنجاح الأمر، ناهيك عن اضطرارها للابقاء على السلة الحاملة لهما معلقة في الهواء ومندفعة قدماً. عبرا مزيداً من الأطياف بينما صارعت التعويذة، متفاديةً إياها عند الحاجة ريثما يراقب بن الهجمات الصادرة عما يعبرونه، مانحاً إياها المتسع الذي تحتاجه.
ورغم سائر الأعمال الواجب إنجازها، حاولت إلقاء التعويذة غير المألوفة، باعثةً بمانا الخاصة بها لتشع في الاتجاهات كافة بينما راقب بن الأرواح العابرة للتأكد من الآثار. وكان الأمر فورياً. حين لامست مانا تيرا أياً منها، تجمّدت في مكانها، باديةً أكثر حيرة من أي شيء آخر قبل أن تتلاشى برفق، وكأنها لم تكن هناك قط، مما تركه ليهتف.
ضحك شاعرًا ببعض الارتياح لسير أمر واحد على الأقل على ما يرام: "كنت أعلم أنك قادرة عليها!".
ستحتاج إلى بعض التمرين لتعتاد حقاً على إلقاء تلك التعويذة، لكن في خضمّ ما يجري، ستتقنها. وما يهم حقاً هو امتلاكهما الآن سيلة للتعامل مع جيش الأطياف المتنامي باستمرار، ولم يبقَ سوى المشكلة الكبرى للتعامل معها. أخبره ميرايد: <كونا على أهبة الاستعداد>. <أنتما تقتربان بما يكفي لظهوره في غضون دقائق معدودة>.