استقر المكعب على الأرض وقال له ميرياد محبطاً: "أيتها الفوضى يا بن، لقد كان وقتاً ممتعاً".
سأل بن: "ميرياد؟ ما الأمر؟".
وصل بن إلى العالم للتو من أجل قضاء الليل، ليتفاجأ بتلك الكلمات الأولى لملكه. لم يكن نار ولا هيلوري هناك، ولمש تكن لديه أي فكرة عما دفع ميرياد إلى ما بدا أنه انهيار عصبي تام.
تابع الملك كأنه لم يسمع رسوله وهو يصارع يأسه: "أعني، العدل حقّ حقّاً، أليس كذلك؟ لقد عبث الملوك باحتمالات العالم عندما لم ننتبه إلى أن المحرّمين تمكنوا من جلب الشياطين إلى النظام، لا يمكننا حقاً أن نغضب من انتهاء الأمر بالمميتين وهم يقتلون العالم قبل أن تبدأ الموجة التالية حتى، أليس كذلك؟ كبصيص أمل على الأقل، لن تستمتع الشياطين بهذا المكان أيضاً، وقد يصابون بصداع أو اثنين عندما يفتحون البوابات بالفعل. لعلّ هذا أفضل ما يمكن أن نأمله".
ردّ بن: "ميرياد، يا صاح، أنت ترعبني قليلاً هنا. أخبرني بما الخطأ".
بدا لفترة قصيرة فقط كأنه لن يتحدث، مكتفياً بالانغماس في شعوره بالهزيمة، ولكن بينما انتظر بن تحدث المكعب أخيراً: "أفترض أنك تذكر ذلك الفرد من حاشية إيبيرو الذي لم نتمكن من تعقّبه، ذاك الجنيّ الرفيع نالوث".
قال بن، وشعر بدمه يبرد: "أنا أتذكره".
كان واحداً من مجموعة تمتلك شتى أنواع الخطط لإنقاذ العالم، مهما كانت التكلفة، وأدت تصاميم إيبيرو الخاصة ببن إلى إنفاق أرواح المئات، حتى لو أغلق ذلك البوابات مبكراً بالنسبة لهم.
وأردف: "أتذكر أيضاً ما قلت إنه كان يحاول فعله على الأرجح. أتقول لي إنه نجح؟ هل تمكن فعلاً من مدّ يده وربط ملك بإرادته؟".
أجابه ميرياد: "لا"، مانحاً إياه قدراً ضئيلاً من الارتياح قبل أن يسحقه.
"لأننا كنا مخطئين. لم يكن ينظر إلى أعلى بل إلى أسفل، وكانت النتائج كارثية".
ليس إلى أعلى بل إلى أسفل؟ إذن عالم سفلي؟ مما يعني...
"الجحيم اللانهائي؟".
أومأ المكعب.
"اختيار أقل ترجيحاً لكنه مفهوم بما يكفي أظن، فقد فعلها أحدهم مرة من قبل في تاريخ عالم معروف بنتائج كارثية. بالطبع، كان يأمل على الأرجح في ذلك النوع من الكوارث بدلاً مما حصلنا عليه بالفعل".
"ميرياد، أود تذكيرك بأن محاولة قراءة عقلك ستقتلني لذا عليك فعلاً إخبارنا بما يحصل هنا".
"إنه ليس بالأمر الصدم، فحتى أنت تدرك هذا إلى حد ما. توجد قوة في الأرواح، وتملك الطبقات العليا منها المزيد. ويحدث فقط أن ملوك الكون يلقون بأرواح الأشرار والأكثر قوة في عوالمهم إلى الجحيم اللانهائي بدلاً من تركها تمر بسلام، محاصرين إياها في ذلك المستوى المعذب من الواقع. ما حاول نالوث ومَن تحته فعله هو ربطهم به لمنحه مستوى من القوة والجدرة قد يكون هائلاً حتى ضد ملك في أوج قوته. بالتأكيد أكثر مما يمكن لأي مميت أن يتوقع اكتسابه طبيعياً. ليس فكرة سيئة أظن إن كان الهدف هو أن تصبح قوياً بما يكفي لإحداث فرق كبير في الموجتين التاليتين ومع فوائد النظام المرتبطة به فمن المرجح أن يحصل على قوة أكبر منها لدى الاحمق الأخير الذي حاول فعله".
"ولكن نظراً لطريقة حديثك عن محاولة، أستنتج أن شيئاً ما ساء فما مدى سوء ما نتحدث عنه؟ أفشل في ربطهم وأطلق مجموعة من الأشباح الشريرة في العالم أو ما شابه؟".
إن كان الأمر هكذا فقط، لكان بن مستعداً لمنح بعض الأمل في ألا يكون سيئاً إلى هذا الحد فعلياً. وبينما ربما قال ميرياد إن الملوك سيلقون بالأشرار في عوالمهم إلى الجحيم اللانهائي، التقى بن ملوكاً أكثر من اللازم في تلك اللحظة لتقبل الأمر ظاهرياً. بدا بنفس القدر من الاحتمال وجود الكثيرين ممن أدينوا في ذلك المستوى لوقوفهم ضدهم، حتى لو لم تكن أفعالهم بحد ذاتها شريرة، ناهيك عن أي من الملوك الأشرار في الكون.
بالتأكيد، عبر الواقع بأسره، وُجد عدد كبير بالقدر نفسه أُدين هناك ظلماً مثل أولئك الذين استحقوه حقاً، وإن كان الأمر كذلك فمن يدري لعلهم جميعاً لا يهدفون لإحداث الفوضى والدمار؟ لعل الكثيرين قادرين على إيجاد السلام المسلوب منهم فوراً والانتقال إلى ما كان ينبغي أن ينتظرهم. كان ذلك أمل بن على الأقل، لكن بدا أن هناك ما هو أكثر من ذلك.
وافق الملك: "هذا موجود. لكنه لا ينتهي هنا. بحلول الوقت الذي أدركنا فيه حدوث هذا، لم تكن الأرواح هي وحدها التي تتدفق، بل خرج شيء ذو جسد مادي أيضاً".
"وماذا؟".
أخبره ميرياد أخيراً: "خارجي. كبير، خطير بطبيعته حتى، لا يحتاج حتى للهجوم لإلحاق الضرر بكل ما حوله".
خارجي؟ اللعنة. وبينما كانت معلوماته عنها محدودة للغاية، فقد كانت كافية ليُدرك بن أموراً عدة. أخبرته هيلوري في الماضي أن القلائل الذين شقوا طريقهم إلى الكون من قبل كانوا قتلة عوالم، بينما أطلعته كيليث على لقاءات شعبها القصيرة لمشاهدتها في الفوضى، لدرجة أن بنياتها وحدها أثرت على عقولهم. أضف إلى ذلك الفوضى التي سترافق إغراق العالم بالأشباح ولم يستطع التخمين عما سيحدث.
"فما مدى سوء الأمر؟".
تنهد ميرياد، وبدت الهزيمة واضحة في نبرته: "كارثي. نبذل قصارى جهدنا لكن هذا الشيء يحجب جزءاً كبيراً من السماء حيث ظهر. يطلب العديد من الملوك الآخرين من أي مميت في نطاق الرؤية الدخول إلى الداخل وحماية أعينهم وآذانهم وأي أعضاء حسية أخرى يدركون بها العالم بينما يحاول آخرون الخروج بأي خططة ممكنة مهما كانت عديمة الفائدة. إنها نهاية العالم، بكل بساطة، وحتى إن قتلناها فمن المرجح ألا تكون نهايتها الحقيقية".
شعُر بن بقلبه يخفق. لم يسبق له أن سمع ميرياد يبدو متشائماً إلى هذا الحد بشأن الحرب مع الشياطين، وهو أمر لم يفز به أي عالم معروف، لكنه هنا يستسلم بالفعل من وجود خارجي واحد. نهاية العالم، هه؟ أعتقد أنني سعيد بحصولي على إجازة صغيرة قبل هذا. لكان من المؤسف أن أعمل حتى الموت من أجل تهديد مختلف تماماً ينهي العالم. فماذا الآن إذن؟ ألا شيء يفعل سوى انتظار نهاية العالم كما أعرفها؟
حتى وهو يفكر في ذلك، كانت أفعاله تتخذ مساراً مختلفاً إذ هبط عقله إلى الأسفل، عائداً إلى جسده في عالم المميتين بينما قفز من السرير وبدأ يرتدي ملابسه، موقظاً ثيراً في هذه الأثناء.
سألته بصوت ناعس: "ممه، بن؟ ما الذي يجري؟".
سأل ملكه كذلك: <ما الذي تفعله بحق العالم يا بن؟ أنا آسف. أنا آسف حقاً، لكن حقاً لا مفر من هذا. إنها مسألة وقت فقط>. متجاهلاً ملكه، ركز بدلاً من ذلك على صديقته.
"العالم ينتهي. سنموت جميعاً على الأرجح، لقد كانت هذه حقاً إجازة جحيمية، أليست كذلك؟".
حاول الابتسام أثناء قوله لها لكنه بدا مصطنعاً على وجهه. لم يهم ذلك رغم ذلك، فقد كانت العبارة كافية لإيقاظها.
"انتظر يا بن، عما تتحدث؟ ماذا حدث؟".
"حسناً، باختصار قصة طويلة لا أجهل تفاصيلها الكاملة، فُتحت بوابة إلى الجحيم وتتدفق مجموعة من الأشباح، بالإضافة إلى خارجي وهو الخطر الكبير نظراً لأن مجرد رؤيته ستحطم عقول الناس أو تصيبهم بالجنون".
أخذت لحظة لاستيعاب الأمر قبل أن تومض وتقفز من السرير لترتدي ملابساتها سريعاً أيضاً.
"حسناً، ما هي الخطة؟".
قال وهو يأخذ بيدها، سارقاً بسرعة حجوماً هائلة من مانا خاصتها لتجسيد سكين كاملة أو بلورة مانا قوس قزح: "ليست خطة بقدر ما هي شعور عام بأنني قد أكون في وضع فريد للمساعدة في إصلاح الأمور. أشباح في كل مكان؟ انظر من يعرف كيف يختمها بعيداً. خارجي يدمر عقول كل مميت يراه؟ أراهن أن هذا الشيء لم يتوقع أبداً أن يمتلك مميت عقلاً مثل عقلي. أمنح نفسي احتمالات خمسين-خمسين لأكون بخير".
"تلك ليست احتمالات رائعة".
"أفضل من احتمالات أي شخص آخر".
"كما أنه ليس لديك أي طريقة ممكنة للتأكد من أنها جيدة إلى هذا الحد حقاً".
"بالتأكيد لدي، إما أن أكون بخير أو لا، يبدو ذلك خمسين-خمسين بالنسبة لي تماماً".
"حسناً، إلى أين ذاهبان؟".
أراد جزء منه القول إنهما لن يذهبا إلى أي مكان. لقد كان هو من يمتلك بنية عقلية غير معتادة لذا فهو صاحب الفرصة اللائقة للنجاة فعلاً مما زحف خارج الجحيم، لكنه عضّ على لسانه. كانت ثيرا قوية، سيجعلان الأمر ينجح، وبالمقدر الأهمية، كانا فريقاً. سيصلان إلى هناك أسرع بلا نهاية بمساعدتها وسيخلق حضورها خيارات لم تكن لديه بمفرده، لذا أخذ بيدها وبدأ يركض نحو البوابة بينما كان يجيبها ويرفع صوته نحو السماء.
"لا أعرف. ميرياد، أخبرني أين نحن ذاهبان!".
<أتنوي حقاً فعل هذا؟> "أفضل حقاً ألا أفعل، لكن نظراً لأن البديل هو الجلوس والانتظار حتى الموت، فإن أسوأ ما قد ينتج عن فعل هذا هو تسريع ذلك قليلاً. الآن، لو سمحت؟> <...امضِ عبر بوابة وولرين وسأرشدكما كليهما من هناك>. "يبدو خطة!".
حتى حين قال بن ذلك، فقد انتظر المزيد. لا يزال بإمكانه الشعور بميرياد في مؤخرة عقله، يكاد يتململ وعلم أن تلك لم تكن نهاية ما سيفوه به المكعب. <بن، إن نجوت من هذا وأنقذت العالم، فسأمنحك ما يكفي من الخبرة لإنهاء مهمتك الحالية>. كادت تلك الكلمات أن تجعله يتعثر. حتى دون البوح بها صراحة، كان ملكه يعرض عليه مهمة، شيئاً لم يحصل عليه بن منذ دهور، والأكثر صدمة على الإطلاق، بدا أنه لم يصدر من بعض القوائم الجاهزة مسبقاً.
ابتكر ميرياد لتوّه مهمة له على الفور، وهو أمر أُوعِز إليه بأن ملكه لا يملك القوة لفعله.
"...أنا أوافق".
<تلقيت مهمة: أنقذ وانسَ>
قال: "علمتَ إذن، إن نجوتُ من هذا فسنتحدث يقيناً في الأمر لاحقاً".
<هذا دافعٌ أكبر لتبقى حيّاً إذن. ركّز الآن على كلّ ما بين يديك>.