حين حان الأوان. فعلا كل ما في وسعهما، واستعدا قدر الإمكان للمهمة الماثلة أمامهما، وكان عليهما البدء أخيرًا. شعر نالوث بقلبه يخفق في صدره مع هذه الفكرة، حتى وهو يستعمل سحره المظلم للمساعدة في تهدئته. كانت تلك ذروة عمل عمره التي توشك على الاختبار. عقود من الدراسة والبحث، وقراءة كتب وتاريخ وأساطير لا تُحصى، بل ووصل الأمر إلى سرقة معلومات سرية ليجعل رؤيته حقيقة. كيف لا تحاول المشاعر غالبه في مثل تلك اللحظة الحاسمة؟
حتى وهو يعتصم بصدره، ويشعر بمانا الخاص به يتسرب إليه ليردّ إليه هدوءه، لم يغير ذلك شيئًا من ضجيج أفكاره. كان الأمر يحتاج إلى إتقان تام، وقد ذهب كل ذلك العمل لضمان أن يكون كذلك، مع نظرات الشجاعة من أولئك الذين كان يقودهم لتركز أفكاره. كان كل فرد من قومه هناك لأنه أبدى استعداده لوضع الثقة فيه بما يتجاوز أي شيء قد يمنحونه للملوك، وكانت مهمته هي إثبات صحة تلك الثقة، وبهذا المنظور الجديد تكلم، مانحًا إياهم جميعًا ابتسامة واثقة.
قال: "لن أسال عما إذا كنتم مستعدين جميعًا، فقد رأيت جهودكم وأعلم أنكم كذلك. هذا ما عملنا ونبذلنا من أجله، ما ضحينا بكل شيء في سبيله. في عالم لا يرغب في اتخاذ الخيارات الصعبة التي تلزمه للبقاء، سنكون نحن من يتحمل عبئها ونطالب بقوة لن يلمسها حتى الملوك لأنفسكم. الآن توجهوا إلى مواقعكم، فقد حان الوقت لنبدأ هذا".
لم تكن تلك الخطبة الأكثر بلاغة لكنها كانت كافية. شعر الناس بالثقة والعزم في كلماته وتحرك كل منهم إلى مكانه في المستودع الذي كانوا يتدربون فيه، مشابكين الأيدي للبدء بينما قام نالوث بأول أدواره الكثيرة، مستخدمًا سحره المظلم للسيطرة الجزئية عليهم جميعًا، لا ليتجاوز إرادتهم بل ليساعدهم في أداء تعويذتهم الشגיة مع شروعهم. تخلط المانا وتكتسب صفاتها بواسطة أحدهم قبل أن تنتقل إلى آخر يعيد الكرة، ناقلًا إياها مرة أخرى ومراكمًا إياها في كل مرة، ومكبرًا القوة الهائلة مع بدء التأثير في التسرب، مما جعل العالم في مركزهم جميعًا يتغير ويتحطم قبل أن ينفشر تمامًا، منفتحًا فجوة في الفضاء إلى مالا نهاية بالأسفل.
أجل! لم يجسر أحد منهم على النظر خوفًا من أثر ذلك على عقولهم، ولم يسمحوا لأنفسهم بالاستغراق في نجاحهم. كان عليهم الاستمرار في التركيز على إبقاء الباب مفتوحًا لذا حُصِرت تلك المتعة لنالوث وحده، الذي لم يؤدِ سوى دور أصغر في الجزء الأول من تشكيل تلك التعويذة وصار عليه الآن تكريس نفسه كليًا للخطوة التالية بينما اندفع طوفان من الأرواح، أشباح ساخطة تحاول جميعها نيل حريتها بعد آلاف السنين التي لا تُحصى، لتشعر عوضًا عن ذلك بأنها تُقاد إليه، غاطسة في لحمه ومقيدة بإرادته.
ومع كل روح شعر بأنها تُمسخ إلى روحه شعر بنفسه ينمو، ليصير شيئًا أكبر مما كانه من قبل ومتحولًا من ساحر فخور ومستيقظ إلى ما هو أبعد. شعر كأنه سلاح. شعر كأنه مَلِك. كل صفة امتلكها كانت تنفجر إلى ارتفاع أعظم وكانت الإشعارات ترن في رأسه، تخبره بمهارات مفاجئة اكتسبها ومستويات حازها بنتيجة لم يتوقعها قط لكنه كان سعيدًا بأخذها. وفي حين أن الملوك سيحرصون على احتقاره لما فعله، كان نظامهم محايدًا، لا يساعد إلا في النمو كما صُمم ليكون وماذا كان وسط كل ذلك إن لم يكن دفقة هائلة منه؟
بل كان يسمعها تتغنى باكتساب سحر لا توافقات لديه معه، مخبرة إياه بأنه وسط كل شيء، حتى تلك الأشياء الثابتة كانت تنمو داخله أيضًا. لم يكن كل شيء هادئًا مع ذلك. كانت الأرواح التي يستهلكها أشياء قوية كل بحسب حقه، لم يكن أي منها راضيًا بأن يهيمن عليه ويتجاوز أمره آخر وكل منها حارب ضد العملية برمتها، مما جعله يحول كل قطزة من القوة الجديدة التي يأخذها لنفسه ويعيد توجيهها ضد الجميع، مستثمرًا إياها مجددًا في التعويذة.
ومع كل ثانية صمد فيها، صار الأمر أسهل. كل قطرة قوة اكتسبها كانت تزيد لوضع كل روح متمردة في مكانها بينما صارت حجارة أساس لنموه الخاص، مع أصوات العشرات من الاستيقاظات ترن في أذنيه ولا تزيد إلا اتساعًا مع الوقت. غير أن مستويات المهارات المستيقظة ستتباطأ أخيراً، لكن ليس بالقدر الذي يهم. ساعة أخرى والبوابة مفتوحة وسيكون منافسًا لكل فرع من فروع السحر، ومدة أطول من ذلك وسيكون مَلِكًا، الأقوى بين من قد يكونون أو سيكونون على الإطلاق، حاملًا مهارات المستوى الثاني أكثر من أي بشري قبله ومصادر سيادة أكثر من أي مَلِك.
كل ما بقى هو المواصلة. لم يشعر بأي قلق مع ذلك. كان هذا ما تدربوا جميعًا لأجله. فرصة النمو لتجاوز حدود بشري. حتى لو ما زالوا في مستودعهم بالمدينة، لم يكن هناك ما يشي بهمم للناس أو الملوك، فسيكون لديهم كل الوقت الذي يحتاجونه ولن يدعوا الفضاء يلتئم إلا متأكدين من عدم قدرتهم على النمو أكثر، محاصرين أي أرواح متبقية في الأسفل حيث تنتمي. أو هكذا كانت الخطة، لكن وسط كل ذلك، حدث ما يستحيل توقعه.
بدأ شيء ما في المدّ. لم يكن يعلم ما هو، لكن حتى مجرد الطرف الذي خرج كان كافياً لهز العالم من تحتهم وزعزعة استقرار عقولهم جميعًا إلى حد كبير، مضعفًا الطقس وخالقًا المساحة لكل شيء ليسير على نحو خاطئ. تحررت بضعة أرواح من قبضة التعويذة وتحركت تحت إرادة مغايرة، لا تبتغي الهرب بل تغوص عوضًا عن ذلك في أجساد قومه، دافعة إياهم للاستقامة ومتابعة التعويذة بينما أتى شيء آخر من أجله، روح أعظم من أي روح أخرى أدخلها في نفسه وعلى عكس البقية امتلكت ما يلزم للسيطرة عليه كما سيطر هو على كل شيء قبله.
ومع الضحكات المجنونة في رأسه كآخر ما سمعه بينما كان مرئي شيئًا غير طبيعي يتحرر من الجحيم يشكل آخر ما سيرى، تراجع عقل نالوث إلى الخلفية وأخذ شيء آخر مركز الصدارة.
تحرّر أخيراً! أدرك يوتو أن هذه الفرصة تلوح في الأفق منذ اليوم الذي ارتأى فيه أخوه الأحمق حبسه. الكون فسيح وستظل فيه دائماً فئة تعبث بما ينبغي تركُه شأنه، لكن ذلك لم يقلل من حلاوة طعم الانعتاق. حقوب لا تُحصى سُجن فيها داخل جحيم الكون، مُمزّقاً إلى حدّ تعطل الوظائف وقادراً فقط على استيعاب محيطه بأغمض المعاني. الغريب الذي هوى إلى حجره كان مكسباً غير متوقع في هيئة مخلوق لم يكن متأكداً حتى من أنه أكثر من مجرد أساطير جنونية لملوك الفراغ، لكنه بدا مثالياً لما يحتاج إليه، الوقت.
بينما لم يستطع انتزاع أي قوة لنفسه خلال تمزّقه، تشبث مع ذلك ببعض ما امتلكه من قبل ووضعَه موضع التنفيذ، مجبراً الأشباح التي يسيطر عليها على جعل أولئك القابعين تحت سطوتها يواصلون إلقاء تعويذتهم بينما استخدم في الوقت ذاته قوته لتوسيع الثغرة التي يصنعونها، تاركاً الوحش الكامن في الداخل يتدفق ليحطم السقف العلوي منطلقاً إلى العالم الأرحب. أعطاه ذلك بدوره ما كان أشدّ احتياجاً إليه، فرصة للهرب.
لمש تكن لديه أدنى فكرة عن موضع وجوده في الكون ولا عن أي شيء يخص البشر القاطنين هناك، احتاج إلى معالجة ذكريات مضيفه الجديد بطريقة متواصلة وتحديد الخطوات التي سيخطوها من هناك، لذا وبدون أي اكتراث بالعالم الذي هبط عليه أطلق العنان لفوضى البوابة لتهمي بينما شقّ طريقه ممضياً في الليل.