نزل بن من ملكوت سيّده أبكر من العادة. بفضل ميرايد الذي أبلغه باستيقاظ ثيرا. كان نومها مضطرباً أكثر ممّا يرجو.
— أوه، لقد استيقظتِ مبكراً.
— هممم، أستطيع قول الشيء نفسه عنك — تمتمت وهي متوسّدة صدره — ألم تستطع النوم أيضاً؟
— أتاني خبر استيقاظك.
أتتشبّثين بعافية؟
— تُفّ، لا.
أظنّ الأمر سيستغرق يوماً أو يومين.
— إذن، علينا إلهاؤك فحسب.
ما الذي ترغبين في فعله اليوم؟ العالم بأسره ملك أيدينا.
— ...أتعلم أمراً لا نفعله قطّ وأودّ تجربته؟
— ما هو؟
— لا شيء.
لا نأخذ قطّ يوماً لنقضيه في الفراش بلا حراك. أريد الاسترخاء وألا أتحرّك حتّى يطلع غدنا.
— ها، حسناً قد اضطرّ للمغادرة لإحضار طعام لنا في مرحلة ما إذن.
— حسناً، سنغادر للوجبات وما عدا ذلك أريد الاسترخاء والكسل.
— ليكن، إن كان هذا ما تستبدّ به رغبتك فذلك ما سنفعل.
استقرّت خطّة اليوم الكسول في مكانها. استلقى بن راضياً وأغمض عينيه. استرخى بطريقة أحسّ أنّه عجز عنها منذ سنوات. بدا الأمر باهتاً ومملاً. لكنّه أيضاً ترفٌ لم يسمح لنفسه به منذ زمن بعيد. لذا لم يمانع شعوره بالملل طوال اليوم ما دام سيمنح عقله وجسده استراحة طال اشتياقهما إليها. بينما كان هو راضياً تماماً، كانت صاحبة الاقتراح تتقلب وتتململ. ما جعله يشقّ إحدى عينيه ويبتسم.
— أمتأكدة أنّك لا تشعرين بتحسن لو فعلت شيئاً ما يا ثيرا؟
— لا أدري — أنت تتأوّه — لا أريد الخروج.
أريد البقاء هنا والاسترخاء. لكنّني أحتاج ما يلهيني أيضاً. آسفة لأكون مزعجة.
— لست مزعجة يا ثيرا، أنا متفهم.
تحتاجين إلى إلهاء ولا ترغبين في فعل أيّ شيء؟ دعي الأمر لي، يمكنني تدبّر شيء ما. وهذا الشيء يتطلّب خدمة صغيرة. أين أنت يا ميرايد؟ <أنا هنا، ماذا هناك؟> أتملك متسعاً لفعل خدمة والذهاب لتضييع الوقت في ملكوت ناري أو هيلوري قليلاً؟ أريد استعارة ملكوتك. <أتريد ماذا؟> — سأل السيّد متعجّباً. بدت فكرة استعارة ممثّل بشريّ لملكوت سيّد سخيفة بطبيعتها. لكنّه تذكر أنه ليس هناك الكثير ممّن يستطيعون فعل شيء به حتى لو استطاعوا.
بالنظر إلى كلّ ما يقدر عليه بن، بدا الطلب أقلّ غرابة بعد التفكير فيه قليلاً. <ليكن، لكن لا تترك فوضى هنا، وأنت مدين لي بواحدة.> أنت أفضل رفيق. سأصنع لك شيئاً شهياً الليلة عندما أصعد. <سأترقب ذلك.> رحل سيّده عقب ذلك. مخلفاً مساحة تتيح لبن فعل ما يريد من دون خرق أيّ قواعد مزعجة. دمج عقله سريعاً بعقل رفيقته، ومن خلال ذلك الرابط صعد بها إلى الملكوت الخالي الآن، ليستمتع بمفاجأتها الناتجة عن ذلك.
— ماذا حدث للتو؟
— سألته وهي ترى أنّهما باتا في مكان آخر فجأة من دون أن تدرك مكانه فوراً.
— ملكوت ميرايد، من دون السيّد نفسه كي لا يتذمّر أحد هنا.
بدا الجواب مدهشاً لها لثانية قبل أن تستفيق وتتمتم لنفسها.
— أظنّها إحدى طرائق إلهائي.
— ها، ما زلنا في البداية.
الصعود إلى هنا يمنحني إمكانات لا أمتلكها في الأسفل — قال وهو يركز على عينيها — ثيرا، أنا أحبك وأريد منك أن تعرفي وتفهمي القليل عنّي أيضاً. لكنّ في الأمر بعض الصعوبات البسيطة.
— أظنّني أفهمك جيداً إلى هذه المرحلة يا بن.
— حسنآ، نعم، لكن هناك أموراً عليك اختبارها فحسب.
وهذا غير ممكن حين تخلّفت النيّة الأولى من حياتي وراء ظهري في عالم مختلف. لا أملك المانا أو السحر لأُعيد إنتاج كلّ ما أريده بالطريقة التي أفضّلها في العالم. لكن الآن بما أنّه بات بحوزتي مهارة جديدة مفيدة... توقف متردداً بينما لفّ ذراعاً حول كتفيها ومدّ الأخرى. وبشيء من الجهد العقلي، استخدم تجسيده لإحضار أكبر شيء صنعه حتى الآن. بيتاً كاملاً ومفرشاً بالكامل. ليس أيّ بيت فحسب، بل بيته.
الذي عاش فيه وترعرع في كواليس الأرض. أُعيد خلقه بتفاصيل دقيقة بفضل ذكرياته وقوّته. أدرك أنّه سيشعر بردّ فعل عاطفيّ حيال ذلك. لكنّه لم يكن مستعدّاً لمدى قوّته. إحضاره هكذا أمامه دفع سيلاً من الذكريات نحو واجهة أفكاره. مع ذلك، بذل قصارى جهده لمنع أثرها من بلوغ وجهه وهو يقودها للأمام.
— إذاً يا ثيرا، هذا كان بيتي.
رأى دهشتها من طرف عينه وهو يقودها للداخل. فتح الباب لبيت عاديّ تماماً، من منظوره على الأقلّ، بيت ينطق بوجود طبقة وسطى اعتياديّ إلى حدّ بعيد. مع طابقين للاستكشاف، بدا بن مستعدّاً لدعوة ثيرا لتطلق العنان لاستكشافها. وكان سيسعد بمتابعتها لشرح أو إبراز أيّ شيء غير موجود في عالمهم الحاليّ. لكنّها أخذت الأمرين ببطء، مطوّلة النظر في صور العائلة التي تصطفّ على الممرات.
— لا بدّ أن هذه كلّفت مالاً طائلاً لطباعتها — علّقت بشرود، جاهلة ما تقوله حيال مشاهد عائلة بن التي لن يراها مجدداً، لتردّ عليها ضحكة خفيفة.
— طباعة الصور كانت زهيدة بشكل صادم في الواقع.
كان بإمكان أيّ كان فعلها من دون تفكير إن أراد — شرح بينما ركّزت على صورة بعينها — ما رأيك؟ ألم أكن محبوباً صغيراً؟
— أهذا أنت؟
— لم تستطع منع نفسها من السؤال.
لم تره قط صغيراً وافترضت أن الصبيّ الناظر إليه لابد أنه أخوه. معرفة الحقيقة جعلتها تحدّق بتمعن أكبر.
— كنت طفلاً ظريفاً بحقّ.
— والآن صرت بالغاً ظريفاً — قال مبتسماً — لكن هيا، هناك الكثير لنراه عن نمط حياتي البشريّ القديم الأصيل.
أخذ بيدها برفق وقادها حول المكان. تاركاً إياها تطيل المكوث حين ترغب إن استهواها شيء، حيث انصب الاهتمام على الأجزاء المتعلقة بعائلته بدلاً من التكنولوجيا كما توقعت. كانت تعلم دائماً أهميتهم بالنسبة لبن. وحتّى لو بات أفضل في التعامل مع الخسارة منذ قدومه إلى العالم، فقد ظلّت تحجم عن الإكثار من الأسئلة. لم يعنِ هذا أنها لم تكن ترغب في المعرفة. ومع توفر الفرصة أمامها، سرّها اغتنامها.
بدءاً من صور أخيه الأصغر مارك في مختلف الفعاليات الرياضية التي دفعت بن للحديث عن الأنشطة البدنية في ذلك العالم، وصولاً إلى صور قديمة لزفاف والديه التي جعلته يحكي لها قليلاً عن تقاليد الزواج البشريّ قبل الانتقال إلى العطلات المختلفة. أدى اهتمامها الواضح بكل ذلك إلى إخراج ألبوم صور، لتشهد مزيداً من لمحات الحياة البشرية قبل أن ينتهي بهما المطاف في غرفة معيشته القديمة، جالسَين على الأريكة أمام التلفاز.
بجهد إرادة، جعل التلفاز يضيء ليعرض بعض الرسوم المتحركة من طفولته، مزوداً إياها بترجمة فورية بلغة العالم راحة لثيرا. متجاهلاً الإجهاد المتنامي الذي فرضه ذلك على عقله.
— إذن من هنا استلهمت فكرة العارض الذي صنعته؟
— نوعاً ما.
يمكنكِ عدّ العارض إحدى خطوات تاريخ كوكبنا وصولاً إلى التلفاز. لذا استخدمت ما عرفته سلفاً عنها حين صنعته أول مرة. ينبغي لي العودة إلى ذلك المشروع مجدداً كلما فكرت في الأمر. بما أنني سأتمكن من تجسيد لفة فيلم دفعة واحدة، فهناك الكثير مما أستطيع صنعه بسهولة.
— ها، أنت مجنون.
— كلا، أنا قويّ، فرق كبير — قال مبتسماً قبل أن يجسد شيئاً جديداً عجز عن إحضاره في الأسفل.
وعاء من المثلجات. راقب ثيرا وهي تأخذ قضمة بحذر قبل أن تضيء عيناها، مستمتاً بما يراه وهي تشرع في تناول المزيد.
— وبإمكانك صنع الطعام هنا أيضاً؟
مهارتك الجديدة عملية أكثر من اللازم.
— عملية، لكنّها ليست خارقة لكلّ شيء.
تنالين طعم الأكل وإحساسه طالما أحسنت بناء خصائص ما أريد صنعه، لكنّه لا يشبعك حقاً كطعام حقيقيّ. حاولي العيش على ما أصنعه هنا وستجوعين، لكنّه يسمح لي بمشاركة بعض النكهات التي أعجز عن نسخها في الأسفل، ومن السهل تناول القدر الذي ترغبين به بلا تخمة أو مرض. صنع المزيد بتلك الكلمات، أشياء عجز عن إعادة إنتاجها لأسباب شتّى. من المشروبات الغازية إلى الفواكه بشتى أنواعها وصولاً إلى الوجبات التي لم يفلح قط في تكرار نكهاتها بالمكونات المتوفرة لديه.
تاركاً الاثنين يتناولان الخفيف ويستمتعان، رغم إدراكه من خلال ذلك كله أن شيئاً ما يدور في خلد ثيرا من نظراتها الخاطفة إليه والتغيرات الطفيفة على ملامحها.
— ثيرا، إن أردتِ إخباري بشيء فافعلي — قال ضاحكاً وهو يفرك رأسها — أنا قويّ هنا بشكل صادم أكثر من المعتاد.
عدا الصداع المتنامي الذي لن أذكره.
— هممم، حسنآ، هناك ما أريد رؤيته، لكنّي أعلم أنه سيسبب لك الضيق — اعترفت، مدركة أنه سيواصل الإلحاح لكونها أخفقت في إخفاء أفكارها.
— فقط أخبريني، لا بأس.
— ...أريد رؤية كيف كانت عائلتك.
بدا الطلب فظيعاً لطرحه عليه، لكنّها فضوليّة. كانت تحبّ بن وتعرف مدى أهميتهم لديه. لكن حتى تلك اللحظة، لم ترَ سوى رسوماته لهم والصور التي عاينوها للتو. أرادت المزيد، أرادت استشعاراً حقيقياً لأولئك البشر الذين لن تستطيع لقاءهم قط، حتى لو شعرت بالسوء فور تلفظها بالطلب.
— حسناً، لا مانع.
من جهته، لم يمانع بن وأخذ بيدها. سمح للتلفاز بالانطفاء لتخفيف جزء من العبء عن عقله قبل أن يقودها للمطبخ ليشهد مشهداً رآه مليون مرة من قبل.
كأيّ عطلة أسبوعية، كان والده في المطبخ يطهو الإفطار، مرتدياً ذات المئزر المطرز بعبارة "قبّل الطاهي"
الذي أعيد خلقه في العالم لنفسه، بينما تحركت أمه بجانبه لإعداد الشاي، مانحة أباه قبلة خفيفة على الخد قبل التوجه للطاولة لمحادثة أخيه، حيث أكل مارك مسترسلاً في الحديث عن المدرسة والرياضة والأصدقاء. مشهد منزليّ بسيط عاشه آلاف الممرات من قبل في عالم بلا هموم كبرى. عالم لا يقلق حيال الغزو فيه، ولا يشعر بالخطر الداهم باستمرار. مشهد بدا الأكثر تمثيلاً لوجوده قبل نهاية المطاف في ذلك الكوكب الجديد.
لكن تماماً مثل إعادة خلقه بيته أمام عينيه، لم يكن مستعدّاً بما يكفي ليتألم.
— توقف — أخبرته ثيرا — آسفة، ما كان لي أن أطلب هذا.
كان هذا بالضبط ما أرادت رؤيته ومنحها إحساساً بطبيعة عائلة بن. بدا الود والحب طافحين منهم مثله تماماً. لكنّ نظرة خاطفة نحوه أوضحت أن الرؤية تؤلمه، وما لبث المشهد أن تلاشى للحظات قبل أن يختفي الثلاثة مخلفين المطبخ فارغاً مجدداً. إخضاعه لتلك التجربة تركها بشعور أسوأ. لكنّه لفّها بذراعيه محاولاً طمأنتها.
— لا تقلقي، الأمر على ما يرام وأنا بخير.
في الواقع، هذا نوع ما أردتُك رؤيته حين فكرت في الأمر. عائلتي تعني لي الكثير، لكنّني أريد منك معرفة المزيد عنهم لأنك تعنين لي الكثير أنتِ الأخرى.
— بن، من الواضح أنك لم تكن بخير.
— كنت أقلّ استعدّاداً مما ظننت فحسب — قال متغاضياً عن قلقها.
رؤية عائلته هكذا آلمته، فعلم أن شيئاً من ذلك لم يكن حقيقياً واستدعاء ذكريات ما ضاع إلى السطح أمر صعب، لكن منذ تلك اللحظة مضت سنوات على وفاته. وحتى لو تألم قليلاً، فلم يكن الأمر عصياً على التجاوز. بدت ثيرا أقلّ طمأنينة، لذا وبجهد إرادة غيّر المنطقة للمرة الأخيرة، مخلصاً من البيت وخارشا مسرحاً للوقوف عليه بينما مدّ يده.
— تعلمين، لا مساحة كبرى لدينا في فندقنا، أليس كذلك؟
يجدر بي إحضار واحد أوسع في المرة القادمة، لكن حالياً، طالما نحن هنا فلدينا مساحة أكثر من كافية لنرقص قليلاً، ألا تظنين؟ نجح الأمر في انتزاع ابتسامة منها.
— حسناً — قالت، محاولة التحلي بالإيجابية لوضوح قيامه بالمثل — فأنت بحاجة لكلّ قطرة تمرين تنالها بعد كلّ شيء.
— هيه، لقد كنت أتحسن.
نوعاً ما أو هكذا أظن. ضحكت وهي تأخذ بيده، ومن ثم استمتع اثنان بيوم رقص لتلك الجزئية الصغيرة من عطلتهما.