الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 561

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 561 باللغة العربية على مانجا تايم.

حين انتهى العرض الثاني لغريد، استطاع كلّ من بن وتيرا التصفيق بحرارة تفوق الأول، إذ استمتعا به حقّاً حين لم يكونا جزءاً من محتواه. وما إن انحنى السلطعون وفنانوه تحية الختام حتى بلغ الأمر غايته، فأشار غريد بيديه ليدعو بنّاً إلى صعد المنصة واصطحابه.

قال: "إذن، ما رأيك فيما رأيت؟"

ضحك بن: "كان رائعاً، وتجاوز بكثير ما توقعته حين عرضت عليَّ الأمر أول مرة."

"أه، حسنٌ، باتت لديَّ موارد أوفى مما كانت يوم التقينا يا سيقان، ولما كنتَ صاحب يد في جعلي أغنى بكثير، فلا بأس في بذل بعضها ليليق العرض بك، أليس كذلك؟"

ضحك بن وهو يحمل صديقه ليعود به إلى تيرا التي شاركت برأيها قائلة: "كان رائعاً برمته. أدرك الآن سر هذا الصيت الذي نلته."

"هاه، يزعم كثير من الفنانين أنهم يودعون تجاربهم ومشاعرهم خلف أعمالهم، لكنّ قلّةً منهم تستطيع ادعاء قضاء أشهر تحاول النجو من القتل. أما في التجربة الشخصية فأنا متقدّم بأشواط."

بدا زهوه جليّاً، وحين بلغت موسيقاه من الشهرة حدّ ترديد أهازيجه في أنحاء العالم كافة، كان الحقّ له في ذلك كله. بل لزاماً على أيّ شخص في مدينة موصولة بشبكة البوابات أن يعلم الإيقاع الذي ألّفه حينذاك، وهو الذي أخذ يتسلّل تدريجياً نحو بلدات ومجتمعات أخرى. لقد استحقّ الشعور بالرضا حيال تحفته.

تابع غريد: "على أي حال، لننطلق. بدا الأمر ترتيباً عجولاً لكن بعدما رأيت حضوركما، استأجرت لنا مكاناً للعشاء فلنذهب للاستمتاع."

حمله بن بينما شق الثلاثة طريقهم عبر الشوارع، ووجّههم غريد نحو مؤسسة فخمة بدت خاوية على عروشها على نحو مباغت. بدا أن استئجار غريد للمكان يعني حجزه بالكامل، ليتركه خالياً لينعموا به وحدهم حين جلسوا، وجاء النادل بالمياه وقوائم الطعام بينما تبادلوا أحاديث خفيفة حول مجريات الأمور منذ آخر لقاء جمعهم. وخلال ذلك، صار جليّاً أكثر فأكثر أن أمراً يشغل بال غريد ويأبى الإفصاح عنه، وبدل اقتحام رأسه، تفضل بن بصديقه وسأله أولاً.

قال: "إذن، متى تنوي الإفصاح عمّا تريد قوله يا صاح؟"

"أه، أظنّ أن الأمر أسهل حين تكون قارئ أفكار لكنني لا أستوحي الهوى من هذا."

"مهلاً، لم أقرأ فكرك بعد. لكني فاعل إن لم تبح لي الآن."

"حسناً، حسناً. وما هناك هو أنني دعوت شخصاً آخر ليشاركنا لاحقاً. امرأة."

أومأ بن بحكمة: "أه، فهمت إلى أين يتجه هذا. برمته فخ للإيقاع بها متلبّسة بمحاولة ققتل. حسناً، لا تقلق يا صاح، بوسعنا إبقاؤك حيّاً ثم استدعاء حراس المدينة لاحقاً."

"لا صلة للأمر بذلك البتّة."

"أفتكون قد علمت بقدومك إلى هنا فدفعت لأحدهم ليسمّم طعامك؟ لختك المحظوظة، تستطيع تيرا شفاءك في ومضة إن أردت جعل الأمر يبدو مقنعاً وتزييف موتك."

"ولا هذا أيضاً. لما أنت مصرّ لهذه الحدة على أنها ستقتلني؟"

"لأنني أعرفك. وأذكر أن أحدهم حاول قتلك قبل أمد ليس ببعيد."

"حاولوا قتلك أنت أيضاً!"

"كان ذلك عرّافاً، الأمر مختلف."

"هذا أسوأ! أتعلم أن هذا أسوأ، أليس كذلك؟"

"الأمر واقع وحسب. لكن على أي حال، إن لم يكن هذا متعلقاً بموتك الوشيك فما الخبر؟"

"أه، حسنٌ، هنا مربط الفرس،"

طفق السلطعون يقول وبدا فجأة أكثر خجلاً، "حين كنا في برج المحاربين، التقيت سيدة يا سيقان. فتاة بارعة حقاً، تُشعرني بأشياء لم أختبرها قط."

"ألم تقطع عهداً بالابتعاد عن النساء والغرام يا غريد؟"

"فعلت قبل لقياها. سنوات طوال محتها ومضة حين وطأت حياتي. أنا واقع في الحب يا سيقان. حب لم أعرفه من قبل. غير أن هناك مشكلة واحدة."

"أتحتسي سراً محاولة قتلك؟"

"أيمكنك التوقف عن سيرة القتل هذه؟"

"حسناً، إن لم يكن ذاك، فما المشكلة إذن؟"

"كما قلت، هِمْتُ بها وجداً، لكني لا أدري إن كانت تبادلني المشاعر حقّاً. انظر إليّ يا سيقان، كنت اسماً لامعاً حتى قبل عرضي الحالي. أنا ثري، ومشهور، ووسيم أيضاً. أنا كل ما قد تتمناه أي امرأة-"

أردفت تيرا: "ومتواضع أيضاً."

"يا وميض، حين تكون بحجمي، يصير التظاهر بالتواضع أكثر دفعة للفظاظة. لكن هذا لب الأمر، أنا شخصية مهولة. وذا شأن عظيم يمنعني من التيقن إن كانت تكنّ لي ذات المشاعر، أم إنها لا ترى فيَّ سوى ما يمكنني توفيره؟ مهما بلغ إعجابي بها، لا أبتغي أن أكون شيكاً على براءة لأحد، أتفهمني؟ وحيث إن صديقي الصدوق سيقان يقرأ الأفكار..."

"تريد مني التحقق لأجلك، فهمت."

راوده طرف من التأنيب حيال التبعات الأخلاقية لقراءة أفكار شخص يحبه أحدهم، لكن جانباً أرجح لم يكترث حقّاً. غريد مشهور، ولا عيب في رغبته بالتأكد من أمر كهذا، وفوق كل ذلك استوعب بن الأمر من منظور من حاول الناس إغواءهم بالطريقة ذاتها. لا زال يزعجه إرسال الناس لإستمالته حين كان يصنع الجبائر فيما مضى إلى جانب وقت اكتشاف العالم لمهاراته، لذا سهل عليه إدراك منطلق غريد.

وهكذا ودون أي مخاوف، استرسلا في الحديث، منتظرين انضمام الضيف الأخير إلى مائدة لم تكد تمضي برهة حتى أُقيد أحدهم إليها. سبق لتيرا رؤيتها، إذ لمحتها حين فرّ غريد آخر مرة التقيا فيها، لكنها كانت المرة الأولى لببن، الذي نال نصيبه من المفاجأة الخفيفة ممن رآها. بناءً على النسل الخلف لغريد، إلى جانب الشخص الوحيد الذي رآه في ذاكرة المسؤول الذي حاول قتلهما معاً بدفعهما نحو بوابة أشد وعورة، توقع بن هيئة جسدية شبيهة بالسرطانات لكثرتها المعتادة، لكنها بدت عوضاً عن ذلك بشرية، وتحديداً مزيجاً من الجن الدلمس، مما وشى لبن بأن صديقه إما لا يعبأ بالمظهر أو أن أذواق السلطعون أرحب بكثير مما كان يتوقع.

أخبرها غريد مسروراً: "عزيزتي، أنا غامر السعادة لقدومك. عذراً على الدعوة المتأخرة."

"لا باس يا غريد، يسعدني فحسب نيل فرصة لقاء أصدقائك. إنه لمن دواعي سروري، وآمل أنني لا أقاطع شيئاً."

أخبرها بن وهو يمد يده بينما واصل العبث في عقلها وذكرياتها: "على الإطلاق. السرور لنا. أي شخص يسعد صديقي دون الرغبة في قتله أو التهام طعامه فهو مقبول لديّ."

"هاه، إنه ليبدو وجبة شهية بحق."

مثلت أنها تعضه وهي تقول ذلك، لتنتزع ضحكة من عشيقها حين انضمت إلى المائدة وأدلوا جميعاً بطلباتهم، متبادلين أطراف الحديث أثناء ذلك. وخلال كل ذلك، شعر بن بعيني غريد تتحولان نحوه مراراً وتكراراً، ويقين السؤال يثقل كاهله إلى أن تحرك بن أخيراً لتبديد ذلك القلق، متصلاً بصديقه ليبث في ذهنه. *إنها لا تصاحبك لأجل المال.* فكر مخاطباً غريد. *تبدو واقعة في حبك حقّاً لذا كفّ عن القلق واسترخِ في العشاء.* *أحقّاً؟* رد السلطعون بفكره.

*أعني، أحقّاً حقّاً؟* *أجرؤ على القول إنها حقّاً حقّاً حقّاً، مما يعني أن همومك الوحيدة في الحياة ينبغي أن تقتصر على صديقاتك السابقات وأطفالك. وأظنّ أن معاملتها بالحسنى بما يكفي لن تحاول معه قتلك إن كسرت قلبها.* *قطعا لا. أنت الأفضل حقاً يا سيقان، لا تدرك حجم هذا الثقل الذي أزحته عن بالي.* كان يدرك في الواقع، فقد استشعار غمرة الارتياح العارمة في أفكار صديقه لكنه اكتفى بذلك القدر، مسروراً بمنح خليله ومضة سكينة بينما استمتع الجميع ببقية الليل معاً.