الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 554 — ملوك الشر وأهوال غريبة الجزء الخامس

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 554 — ملوك الشر وأهوال غريبة الجزء الخامس باللغة العربية على مانجا تايم.

حين يبحث عنك الملوك, لا يكون التختّف أمراً يسيراً, فكيف إن ظلّ لديك عمل تنجزه. جال هذا الخاطر في ذهن نالوث الفاحل الرفيع بينما كان يتفرّس في محيطه ويطيل النظر إلى الجماعة التي جمعها. حقاً, حين يتعلق الأمر بمحاولة الإفلات من عيون قوة ترمش طوال الوقت على العالم من عل, هل سيوجد يوماً مكان مثاليّ لتنفيذ ذلك؟ إن الوجود في مدينة كبرى تعج بدور العبادة يترك خطر الرصد من أي ملك يلتفت إلى أولئك الذين يمنحونه الولاء, كما أن تحرّك جماعة ضخمة صوب بلدة صغيرة سيجلب الثرثرة لا محالة لو أنه فعل ذلك عوضاً عن هذا.

كانت هناك بالطبع خيار التواري في الأراضي البكر, حيث سادت بالفعل شائعات عن جماعة غامضة ترتبط بالملوك المحرومين الذين لقوا حتفهم, وقد اكتُشفوا وهم يفعلون ذلك تماماً, غير أنه لو صحت تلك الشائعات لبات احتمال كشف أمرهم أكبر إن هم حاولوا صنيع ذلك. إنْ غُدِر بالملوك مرة, فلن يكونوا عجولين في ارتكاب الخطأ ذاته. قادهم ذلك إلى الخيار الذي استقرّ عليه رأيهم أخيراً, فانتقل نصف جماعته إلى مدينة أصغر تضمّ دار عبادة مشتركة فحسب, لا أي دور مكرّسة لملك بعينه, بينما استوطن البقية البلدات والقرى المجاورة, ليرتحلوا حضوراً لقاءاتهم المعدّة مسبقاً في المستودع الذي ابتاعوه.

غير أن ذلك الوقت كان يقترب, ولهذا باتت لقاءاتهم تتقارب, إذ اتخذ بعضهم من نزل المدينة المختلفة مقرات لهم ليبدو وكأنهم هناك بغية العمل أو لاغتنام الوقت رفقة الأصدقاء والأهالي البعيدين قبل حلول الموجة التالية, وكل ذلك لأن مشروعهم أخذ يؤتي ثماره. تكاد الطقوس التي يصممونها تكتمل. كان يرى الأفراد التابعين له, أولئك أنفسهم الذين تشاطروه رؤيته, وهم يتدربون جميعاً على أدوارهم.

لم يجتمعوا معاً خشية الخطر الذي قد ينجم عن تفعيلها قبل الأوان سهواً, بل مثنى وثلاث للتأكد من انضباط إيقاعهم. لقد وجد سبب وجيه لاعتبار السحر الطقسي فناً منسياً في نهاية المطاف؛ إنه لعسير حقاً. ربما كان الأجدى بالطبع نعته بفن منسيّ سابقاً بالنظر إلى كل المؤلفات التي طالعتنا مؤخراً بشأنه. فكر وهو يبتسم بينما كان يقلّب التقرير الذي أتاح له اجتياز العقبة الأخيرة في سبيل إبطال رؤيته إلى حيز الوجود.

ابتكار لساحر اختار إخفاء هويته, حتى وإن كان نالوث يعرف هويته سلفاً, وهو الذي أحدث انقلاباً في تشييد البوابات منذ أمد غير بعيد, مما أسفر عن تمدد الشبكة على نحو لم يسبق له مثيل مع تشييد مزيد من البوابات ترتقب لمسة المبتكر. لم يقتصر الأمر على كون ذلك نعمة للعالم, بل كان منّة عليه هو بالذات إذ وافاه في التوقيت المثالي. على الرغم من العون الذي ظفر به مسبقاً, فقد ظلت تنقصه قطع ضرورية لتحويل رؤيته إلى واقع ملموس.

كان ما يحاول إنجازه فكرة نبعت من أسطورة في تاريخ عالم بعينه وأسرت لبه حين كان في الحضيض, يخشى ضياع كل ما عهده. لقد استحالت مناره الهادي, وأمله في أن يمضي العالم قدماً إن أمكن تنفيذ أفكاره, بيد أنه حتى بعد اقتحام قبو المكتبة في أبراج السحر وسلب كل ما استطاعه من معارف قبل حشد أصحاب الأفكار المماثلة لقضيته, لم يكن ذلك كافياً. بدا وكأن خططه محكوم عليها بالإخفاق. لكن طرأ تغيير بعد ذلك.

وكأن القدر نفسه كان يبتسم له, فقد عثر صديقه الراحل الآن على شخص يبرع في السحر الذي يبتغيه, ومع إرسال أتباعه داخل نقابة السحرة نسخاً لكل ما أنتجه ذلك الساحر, شعر بتقدمه المتوقف وهو يندفع قدماً, لتلوح خاتمته في الأفق أخيرًا. لن يلبث طويلاً حتى يفتح بوابة ويستحوذ لنفسي على مستوى من القوة يكفي لإنقاذ كوكبه الهالك. لو أن بوسعي فعلها اليوم فحسب— كلا. لا أملك ترف الاستعجال وأنا بهذه القرب, فأهلي بحاجة إلى مزيد من المراس.

حين نكاد ننتهي, كيف لي أن أقامر بهذا الجهد برمته نظراً لبعض العجلة؟ لقد كان شعوراً مفهوماً مع ذلك. فصداً عن جماعته, كُشِف أمر باقي رفاقه ذوي الأفكار المتطابقة ممن أبدوا استعدادهم جميعاً لإهلاك أنفسهم في الجحيم الأبدي إن كان في ذلك نجاة العالم, وضاعت سنوات من العمل. لم يكن الأمر وكأنه يعجز عن تفهم الملوك. لا يمكن للعالم الانتصار هكذا دون الاكتراث بالثمن, من منظورهم على الأقل.

كانت كيفية انتصارهم هي ما يهم. لكن تلك لم تكن سوى مشاعر السيادة. ليُدين كتب التاريخ أفعاله إن شاءت, فسيَعني ذلك على الأقل أن أحدهم قد نجا لتدوينها. ربما احتاج الملوك للتصرف بوصفهم القدوة التي يحاولون إظهار أنفسهم عليها, لكنه هو لم يكن كذلك. لمَ الاكتراث بالدنس على يديه إن كان البديل هو الخوض في بحر من الدماء؟ لقد كان شعوراً يدركه كل من حوله أيضاً, إذ بدا كل واحد من السحرة المستغرقين في أيام تدريبهم عازماً على إبصار المستقبل الذي يتوقون إليه.

مستقبل ينعم فيه أحباؤهم بالعيش لرؤية يوم آخر, ومستقبل تعجز شياطين العالم عن تهديدهم فيه مرة أخرى. مستقبل لا تمثل فيه الأهوال التي يواجهها العالم الآن سوى ذكرى بعيدة. مستقبل سأصنعه بيديّ هاتين. وعد نفسه بذلك وهو يتحرك ليشرع في التدرب على جزئه الخاص من التعويذة, وهو جزء سيربو في تعقيده على أي شيء يتعامل معه من تحته. لا عبرة بالسبب أو الأخلاق الكامنة وراءه, فإن ظن الملوك أن بمقدورنا الظفر دون اضطرار لاجتياز حدود بعينها فما هم سوى حمقى.

لكل ما أسداه النظام من نفع, لن يكون وحده كافياً. نحن بحاجة إلى ما هو أعظم. لم يملك قلبه سوى الخفقان بعنف وهو يعلم أنهم سيشرعون قريباً في محاولة تحقيق ذلك تماماً, ليروا أخيراً ما إن كان عناء عملهم سيثمر في النهاية.