حين بلغ الجدار التالي، أو اقترب منه حتى ملأ بصره كله، وجد المخلوق نفسه أمام لقاءات جديدة. تمثّل أحدها في اختلاف الجدار الحالي عن سابقه. إذ لم يقدر على تبين الجدار الذي وُلد في أحشائه من الخارج، وكان أول ما رآه بعد فراره صلباً متماسكاً، شيئاً وجب عليه أن يكدّ في شق طريقه عبره ليتخلّص مجدداً من القواعد القائمة هناك، لكن الجدار الجديد بدا مختلفاً. بدا الجدار الذي دنا منه أرقّ، وأوحى بأنه لن يتطلب سوى لمسة لتحطيمه مقارنة ببقية ما دافعه، وأثار ذلك الاحتمال حماسته بينما تساءل عمّا يكمن خلفه.
لكن تلك لم تكن سوى البداية. اقترب أكثر فوجد في رحلته أموراً لم يألفها بعد. لا مزيد من الجدران ليستمتع بها، ولا تلك المواد التي تتقلب وتتلاشى مع تغير الفوضى من حوله. كلا، فالأشياء التي أحس بها تمتلك ثباتاً لم يعهده سوى في نفسه والجدران، والأغرب من ذلك أنها، مثله تماماً، كانت تتحرك. تصرفت تلك الأشياء المجهولة بطريقة عجز عن إدراكها تماماً في البداية. بدت خالية من أي منطق أو سبب، تحرك بعضها في مجموعات أو سارت في خطوط، واصطدم بعضها ببعض فتطايرات شظايا من كل منها مع كل ارتطام.
بل بدا المزيد منها كأنها تبتلع شيئاً مما وُجد هناك، فتتضخم مع كل قطعة. افتقر المخلوق المراقبة كل هذا إلى الإطار المرجعي ليفهم مغزى أيّ من ذلك، ولم يشعر, نتيجة هذا العجز عن الفهم، بأي تردد في الاقتراب، غير مدرك أن بعض المخلوقات التي رآها تتهاوش قد حوّلت أنظارها إليه، ولا فقه أنها كائنات واعية من الأساس. في الواقع الذي وُلد فيه، لم يكن سوى نفسه. كانت فكرة وجود أي شيء آخر يملك عقلاً أو عالماً داخلياً غريبة عنه، لدرجة عجز معها عن إدراك ذلك بنفسه.
بدت الأشياء المقتربة منه مجرد أشياء. لا تشكل خطراً عليه أكثر من أي مادة أخرى كانت تظهر وتختفي باستمرار، إلى أن اقترب أحدها فحاول التهامها. بعد القطة الأولى من لحمه، أدرك أموراً عدة دفعة واحدة. أولها أنها ألمت بشدة، أشد من التأقلم مع الفوضى وأشد من شق طريقه عبر جاره الأول. اختفى جزء منه ولن يعود أبداً، فارتدّ هارباً من الكائن الذي نهشه. قاده ذلك إلى إدراك أمور أخرى.
وفي حين بقي جاهلاً بأن الكائنات أمامه واعية، فقد أيقن أنها تشكل خطراً عليه. وأن ما مرّ به وشاهده للتو وسط البقية لم يكن سوى دوامة هجمات متواصلة، وأن مئات منها، لا واحداً فحسب، تتعقبه الآن. كان الأمر كأنها رصدت هدفاً سهلاً فبدأت بالحركة معاً، مما لم يترك له خياراً سوى الفرار. نسي الجدار الذي كان يقصده تماماً في غمرة هروبه المحموم، عاهداً بإحساسه إلى الكائنات القاطنة وسط الفوضى وهي تمزق جسده.
على عكس رحلته السابقة حين تحرك بوتيرته الخاصة، مكتفياً بتقدم يحدده حماسه وحده، صار يتحرك هذه المرة مدفوعاً بحاجة البسيطة إلى النجاة. ركض مطولاً وبأقصى طاقة ممكنة، حتى وإن لم يكفِ ذلك. وظل يشعر بأجزاء منه تُنتزع. ومع كل قطعة فقدها، تحرك أسرع بقليل، بينما ساعده اقتتال مطارديه في كسب مسافة ضئيلة، وحاول الإفلات عبرها نحو الأبدية.
إذ عجز عن إدراك الزمن بالمعنى المفهوم، جهل المدة التي قضاها محاولاً الفرار، لكنه أحسّ كأنها الدهر. علّمه التتبع شعوراً جديداً، شعوراً مقتهُ تماماً بقدر الألم الذي كابده، ألا وهو الخوف. ككائن وُلد وحيداً، وعجز بعد عن استيعاب أن مطارديه أحياء وواعون مثله، لم يمتلك في الواقع مفهوماً للموت، وبالنظر إلى تفرّد وجوده لم تكن هناك سوى طريقة واحدة ليثبت إن كان قادراً على إزهاق روحه أصلاً، لكن الخوف لم يكمن هناك لعدم إلمامه بمثل هذا الأمر.
كلا، بل خشي الألم، وخشي إن وقع في الأسر ألا تصبح بقية حياته سوى ذلك، تُنتزع أشياء من جسده بينما ينكمش بلا هوية، مرغماً على الشعور بكل جزء منها مع دوران الأبدية. كان هناك رعب يرافق الاستهلاك، لكن مع بقاء مطارديه خلفه، والفجوة بينهما أضيق بكثير مما تمناه، اتخذ المخلوق قراراً. عثر، في غمرة هروبه الجنوني، على جدار مختلف. لا جداراً رقيقاً كالذي رآه قُبيل الهجوم، ذاك الذي لم يحظ بلمسه حتى، بل شيئاً أسمك، يذكّره بأول جدار وجده في الفوضى.
استحال التنبّؤ بما وراءه، أكان ألماً أم نعيماً، لكن ذلك لم يعد يهم في تلك اللحظة. اندفع نحوه بكل طاقته وبدأ يشق طريقه عبره، رغبة في الخلاص فحسب. استطاع أن يحسّ القواعد التي تقتحمها أطرافه وهي تنهش جسده لكنه لم يعبأ. أراد الابتعاد فحسب، ليكون آمناً من الأخطار القابعة في الخارج ويعود إلى كون يشبه ذاك الذي وُلد فيه، قُبيل أن تعرفه فكرة الخطر من الأساس. إن عنى ذلك المجازفة فليكن، فلم يعد يكترث لأي عجائب يحملها الكون المتعدد.
لقد رأى ما يكفي. بكل ما امتلكه من قوة، دفع الدفعة الأخيرة المطلوبة، وشعر بكيانه يتصدع وهو يفعل، مما جعله عاجزاً عن فهم أي شيء، بينما تنبه شيء آخر في الداخل، وشعر بصيص العقل الذي احتفظ به المراقب ببيعة تسقط في حِجره.