استيقظت وقد علت الشمس كبد السماء منذ ساعات. غمرها إرهاق عميق حين وصلت إلى غرفتها في الليل فاستغرقت في نوم طويـل. راحت ترتب حقيبتها الصغيرة وتخرج منها ثياباً لم تلبسها منذ أن غادرت منزلها. اتجهت بعد ذلك إلى رف الكتب في الغرفة. حين رحلت عن وطنها لم تأخذ سوى قلة من كتبها المفضلة، لكنها أعادت قراءتها حتى ملّت، فمدّت يدها لتلتقط كتاباً تقرأ فيه قليلاً. كانت أسطورة بطل سيسيليّ منفرد، وكيف تصدى بمفرده لجيش غازٍ في موطنه محاولاً كسب أكبر قدر ممكن من الوقت لفرار السكان.
لم تكن هذه القصة كغيرها من قصص سقوط العوالم بنهاية سعيدة. ضاع العالم مع ذلك، لكن أرواحاً لا تحصى نجت بفضل تضحية تلك الشخصية الأسطورية. مدت يدها تهمّ بفتح الكتاب للقراءة، لكن طارقاً طرَق الباب، فوضعته على المنضدة وذهبت لتفتح. كان أحد خادمات القصر يدعوها لتناول وجبة فطور متأخرة مع والدتها. لم تكترث بارتداء عباءتها نظراً لأن الجميع يرتدون التمائم، لكنها رأت نظرة في أعينهم فعادت فوراً لترتديها قبل أن تتبع الخادمة نحو غرفة الطعام.
كان السوار الذي صنعه بن كفيلاً بإبقائها في النطاق الآمن للتمائم بحيث لا يتأثر حتى ضعاف النفوس، غير أن الخوف شعور لا يزيله الأمان. شيء هو أن تعلم أن الأداة ستحميك وشيء آخر أن تضع ثقتك فيها حقاً. كانت عباءتها تفيد على الأقل في وضع حاجز مرئي يفصلها عنهم. يسهل الأمر على الناس إن عجزوا عن رؤيتها. دخلتا غرفة الطعام لتجدا الأم جالسة بانتظارها وأمامها الأطباق مصطفة. رمقتها بيليفيا بنظرة صامتة تتساءل فيها بلا شك عن سبب ارتدائها للعباءة داخل المنزل، ثم صرفت الخادمة، لتخوض في صلب الموضوع فور انفرادها بها.
"ما الذي فعلته؟"
"لا شيء، بدين كأن الأمر أريح لهن إن ارتديت هذا، لا تقلقي بشأن ذلك."
هتفت بداخلها راجية: ألا يمكننا ألا نفعل من الحبة قبة لمرة واحدة؟ غير أن الأمور لم تسر يوماً بمثل هذه البساطة.
"مم. سأعفيها من مهامها هنا فوراً إذن."
"لا داعي لفصلها، امنحيها إجازة وحسب طالما أنني هنا."
رأت الكثير من الخدم يُطردون على مر السنين لعجزهم عن تحمل سحرها، وكان الذنب يلاحقها في كل مرة. لكن كان لوالدتها رأي آخر.
"إن لم يكن الطاقم مؤهلاً لخدمة ابنتي فهو لا يصلح للعمل لديّ. لا تقلقي، سأجد لها عملاً لائقاً في مكان آخر، لكنني لن أحتفظ بأحد لا يشعر بالارتياح لعمله هنا."
كظمت ثيرا تنهيدة. طالما كرهت التعامل مع الخدم الذين توظفهم والدتها. إن لم يسقطوا صرعى لتأثير سحرها، نظروا إليها بعين الريبة والوجل من أن تفشل تمائمهم أو عباءتها ليجدوا أنفسهم فجأة في مهنة جديدة. صحيح وُجد من يمكنها التعامل معهم بشكل طبيعي، لكن للبشر حياتهم ويمضون في حال سبيلهم عند الضرورة، وكان اختبار رد فعل الجدد عناءً دائماً. تجاوزت الأم تيار أفكارها المعتاد لتطرح موضوعاً جديداً.
"إذن يا ثيرا، أين يحلو لك العيش في ستونوول، بغض النظر عن بشاعة الشهر الماضي بطبيعة الحال؟"
بدا لها أن البشاعة تتجاوز حدود الشهر الماضي حين تجمعت الأمور برمتها، لكن غض الطرف عنها جعل الإجابة واضحة.
"نجل، قضيت وقتاً ممتعاً للغاية مؤخراً."
رسمت ابتسامة مشرقة على وجهها رغم عنها. وكيف لا ترتسم؟ نجحت حملات صيدها أكثر، وارتقت بمهارتها السحرية الأرضية، وستتمكن قريباً من تغيير مهنتها كمبتدئة سحر ظلت عالقة فيها طويلاً. هذا ناهيك عن الوجبات اللائقة حين تتأخر سانيا في العمل بالعيادة، وفوزها المتكرر في نزالات السحر المنخفض، ووجود من تحادثه باستمرار. بالطبع أدركت والدتها إلى أين تتجه أفكارها.
قالت بابتسامة ماكرة: "يبدو أن صديقك الجديد كان فأل خير عليك"، بينما لم تستطع ثيرا سوى أن تتأوه وهي تستعيد تصرفات أبويها في الليلة السابقة.
"انسِ أمر ذلك يا أمي. لماذا تعمدتِ فعل ذلك؟ لقد كان الأمر محرجاً للغاية."
"أردت فقط معرفة الشابة الأول الذي تقترب منه ابنتي، ما العيب في ذلك؟"
"حسناً، لكن أكان عليك قول كل ذلك الكلام عن المواعدة والأحفاد؟ أكنتِ تحاولين إصابتي بصدمة نفسية، أم أنك أردتِ ضمان ألا أُحضِر ضيفاً قط؟"
"هو ليس ضيفك حقاً، لقد أتى بناءً على طلب فالك."
لكنها عادت لتلين قليلاً.
"رغم أنني أقر بأنني ربما بالغت، أردت فقط أن أتعرف على الشاب الذي قد تقضي ابنتي حياتها معه."
"يا للهول، أتسمين هذا ليناً؟ لمَ تصرّين على حدوث هذا؟ أنا سعيدة فحسب بوجود شخص لا يصاب بالجنون بقربي. هذا ناهيك عن مشكلة أعمارنا. ربما يعيش بن ثمانين عاماً أخرى كحد أقصى، وأما أنا، فمن يدري كم سأعيش."
بدا أن والدتها تعرف دائماً ما تقوله لاستفزازها بغض النظر عن نوايا الملكة، مما جعلها تشتاق للمكوث مع خالتها أكثر. لم تكن سونيا بهذا القدر من الجنون أبداً. لابد للرومانسية بين الأجناس المختلفة أن تحسب حساباً للأعمار. بينما يستطيع النسل المختلط تقدير أعمارهم بمتوسط أعمار الوالدين، لا تعرف الأرواح عمراً محددًا، بل تفنى إن قُتلت أو استُنفذت طاقتها بسرعة مفرطة. وبما أن ثيرا مزيج من ذلك ومن سوبكوس قد تعيش حوالي مئتي عام، فلن تدرك مبلغ عمرها إلا حين تبلغه نهايته.
انبعثت ضحكة خافتة من خلفها وصوت يقول: "يبدو السعي وراء توحيد الأعمار تافهاً بعض الشيء ومصير العالم على المحك في السنوات القليلة القادمة، لكن لمَ لا نؤجل هذا الحديث لوقت لاحق، أمم يا بيليفيا؟"
استدارت ثيرا فرأت ما يشبه سحابة داكنة على هيئة سوبكوس تقف خلفها، وانفرج وجهها عن ابتسامة عريضة.
"خالتي فونا! لم أدرك أنك هنا!"
فتحت فونا ذراعيها المظلمتين واحتضنت ثيرا.
"طلبت مني والدتك الإشراف على تدريب كارلي فما استطعت الرفض. من الرائع رؤيتك يا بنيتي."
كان اتخاذ فونا خالة لثيرا أشبه بعلاقة فالك كعمّ. لم تجمعهما صلة دم بل علاقتها بوالديها. تحديداً لكونها روح الظلام العظمى، ومن عرفت أباها منذ ما قبل ضياع عالمهما، وتجسيداً حيّاً للسحر الأسود.
"حسناً، لنؤجل الحديث لوقت لاحق إذن."
لانت بيليفيا.
"تعالين لنجلس ونستمتع بالفطور."
جلس الجميع لتبادل أطراف الحديث ومتابعة شؤون الحياة، وراحت ثيرا تتحدث مجدداً عن أحداث الأشهر الأخيرة بينما شرحت فونا تقدم تدريب كارلي، إذ كانت متدربتها الأولى واعتزت كثيراً بالجهد الذي تبذله تلميذتها.
قالت فونا مجدداً، وليست هذه المرة الأولى: "عرض تدريبك يظل قائماً كالعادة كما تعلمين"، لكن ثيرا اعتذرت بلطف.
ربما ترغب يوماً في تخصيص وقت لتدريب سحر الإغواء لتصل به إلى مستوى تسيطر فيه عليه، لكن زيادة قوته في هذه المرحلة ستجعل حياتها أصعب فحسب. كانت محظوظة لأن خالتها لم تكن الحاحة المزعجة التي تماثل والدتها وتخلت عن الموضوع بلطف ودون جدال. استمر الحديث طويلاً حتى فرغ الجميع من الطعام وعزمت بيليفيا على المضي في مهمتها التالية.
"ثيرا، سأذهب للاطمئنان على أحوال صديقك، أترغبين في مرافققتي؟ وأهلاً بكِ بالطبع يا فونا إن اردتِ الانضمام."
ردت فونا: "سأعتذر عن هذه المرة، فعليّ لقاء كارلي قريباً لدروسها."
"سأرافقك، لقد أخبرتُ بن بأنني سأريه أرجاء البلدة قليلاً حين يفرغ اليوم لذا سيكون جيداً رؤية مدى ما حققه من إنجاز."
لم تملك الأم إلا أن ضحكت.
"حسناً، أظن أن الأمر سيتأجل للغد للأسف، فقد رتبت من المواعيد للفتى ما يكفي لإنهاكه حتى وقت متأخر من الليل إن لم يسترح. ظننت فحسب أنني سأتحداه قليلاً."
همّت بتوبيخ والدتها لكن طريقة عمل بن مرت بخاطرها، وقررت أن الأمر قد يسير على ما يرام.
"حسناً، لنذهب إذن."
تركت ردة فعلها الهادئة بيليفيا في حيرة للحظة قبل أن تتجاوز الأمر وتتجهّ وإياها نحو مكان عمل بن. بُني مبنى ضيافة صغير في الخلف، تشتبه في أن أباها من أمره، وهو المكان الذي يعمل فيه بن لتنقش السوار فيه. اقتربتا منه فبدت والدتها مرتبكة.
تمتمت بيليفيا لنفسها: "أَتراهما هاما على وجهيهما بانتظار شيء؟ أم تراهما استراحا فحسب؟"
"هل هناك ما يعيقك يا أمي؟"
"أه لا، أردد أفكاري بصوت عالٍ. تعالي لنرى سير الأمور."
دخلتا الغرفة لتجدا بن ووالدها وحدهما يفترشان الأرض يتحدثان وبينهما أنبوب معدني طويل.