مرت الايام القليلة التالية في لمح البصر. انشغل بن بمعرفة ما ينبغي له اختبار سحره لاجله ايضا فضلا عن الاخذ بتوصيات فالك بينما سارع معلمه لانهاء رداء ملائم لثيرا. بدا انه كان مرسلا الى موطنها وبما انه لم تكن لديها مسؤوليات حقيقية كمغامرة فقد استطاعت حزم حقائبها والمغادرة بلا قلق بعدما طلب منها فالك الذهاب معه لترعاه في تلك الدولة الاجنبية. لم تكن تعاني من مشكلة في ذلك فبعد حبسها طويلا بدا منعشا ان تستطيع الانطلاق في رحلة وتنال فرصة زيارة والديها.
لم يعلم بن المدة التي سيغيبها رغم ان فالك طلب منه توقع استغراق الامر شهرا او شهرين لذا غادر المكان الذي يستأجره وطلب من سونيا الاحتفاظ بممتلكاته القليلة ريثما يكون غائبا لتوفير بعض المال. لم يبق الا الوداع قبل الانطلاق.
قال بن بهدوء رغم انه لم يستطع اخفاء الحزن في نبرته: "ستكون الامور على ما يرام، أثق انني قد أغيب لشهرين لكن لا داعي لقلقك".
"..."
"هيا الآن، سأشتاق إليك أنا الآخر لكنك تعلم أنك لا تستطيع مجيئي. سيكون الأمر عسيراً جداً. سونيا هنا من أجلك على الأقل. أعلم أنكما لا تتحدثان حقاً، لكنها ستعتني بك جيداً".
"..."
"أعدك بأنني سأقضي كل أنواع الوقت معك عندما أعود فحاول ألا تشعر بوحدة كبيرة، اتفقنا يا صديقي؟"
قالت له ثيرا وهي تتابع تبادله المبالغ فيه للمشاعر مع نبتة منزله فريدريك: "كف عن التحدث إلى نبتتك يا بن ودعنا نذهب الآن".
"أنا أحاول فقط تهدئته. إنه يشعر بالوحدة بالفعل. هكذا كان منذ أن أخبرته أنني مغادر".
أطلقت ثيرا تنهيدة طويلة. مع عيش بن معها لبضعة أسابيع حتى هذه اللحظة، اعتادت رؤية الشاب وهو يتحدث معها لتدريب مهارته في الاتصال، لكن ذلك لم يرسم صورة عاطفية للغاية. لحسن الحظ، وبينما كان يستعد لوداع مطول آخر معها، تدخلت سونيا.
"أعدك أنني سأعتني بفريدريك من أجلك يا بن. الآن، في هذه الأثناء، هل لديك كل شيء؟ أحدكما حزم اللوحة أصحبت كذلك؟"
قالت ثيرا: "إنها معي".
في الوقت الذي انتظرا فيه عودة فالك، أدى بن بوعده برسم بضع صور شخصية لهما معاً، وأرسلت إحداها هدية إلى والديها.
"حسناً، ممتاز. ستشعر والدتك بالغيرة الشديدة لأن رسوماتك الأولى كانت معي، لا أستطيع تخيل عدد اللوحات التي ستسعى لتكليف بن برسمها".
دفنت ثيرا وجهها بين يديها وقالت: "لا أريد التفكير في الأمر".
تحدث فالك قائلاً: "كلاكما كونا عاقلين. يا ثيرا، أبلغي تحياتي لأهلك، وأيها الفتى لا تدع والديها يورطانك في أي شيء مجنون. تذكر ما قلته لك".
"كيف سأعرف إن كان الأمر مجنوناً أم لا؟"
لم يكن معتاداً تماماً على عادات السوكوبوس.
فكر معلمه للأمر لحظة قبل أن يستسلم وقال: "ملاحظة وجيهة. يا ثيرا، لا تدعيه يتورط في أي شيء مجنون".
"سأبذل قصارى جهدي".
بعد الانتهاء من وداعهما، توجها إلى عربة في طريقها إلى فاناسيل، وهي أقرب مدينة إلى ستونوول بها بوابة.
التفتت سونيا إلى فالك بينما كانا يغادران العربة وفي داخلها ابنة أختها وبن.
"إذن فهو لم ينته أبداً بالسؤال؟ دعني أتفاجأ".
"هاه، ربما كان الفتى مشغولاً للغاية بحيث لم يمنح الأمر أي تفكير. إنه لأمر مخزٍ حقاً، لا أطيق الانتظار لررى ردة فعله عندما يعود ويسأل".
نظرت إلى أسفل نحو سوار المعصم الذي كانت ترتديه بتقدير.
"مع ذلك، يجب أن يكون سوار المعصم النحاسي البسيط من الفئة الشائعة الأدنى، أليس كذلك؟ هل يمكن للسحر أن يرفعه حقاً إلى الفئة غير الشائعة الأدنى؟"
قال فالك بينما تلقى نظرة متسائلة: "بالتأكيد إن كان سحراً جيداً بما يكفي، ولكن هذا لا شيء".
"الميثريل يضع العناصر بالفعل في نطاق الفئة غير الشائعة الأدنى، لذا بالنسبة لسوار ثيرا سيكون منطقياً إذا كان سوارها هناك أيضاً، لكن قضاء عشر ساعات متواصلة في صنع السحر كان كافياً لوضعه بشكل مباشر في نطاق الفئة غير الشائعة العليا".
ابتسم فالك أمام صدمة سونيا الواضحة. لقد ظن دائمًا أن اتخاذ متدرب سيكون أمرًا مملاً، لكن بدا وكأن هناك الكثير من الإثارة في ذلك أكثر مما كان ليخمّنه.
قال بن حين وصلا إلى المدينة: "يا للهول، هناك الكثير أكثر مما توقعت!".
كانت الرحلة طويلة واستغرقت نحو أسبوع للوصول، لكنها سارت بسلام وما إن صار داخل المدينة حتى شعر برغبة ملحة وشديدة في الاستكشاف.
ردت ثيرا بلامبالاة خفيفة: "إنها مدينة بوابة نموذجية، لا شيء يدعو للحماسة الزائدة".
فقال: "حسب، الأماكن الوحيدة التي زرتها هي كنيسة مشتركة وستونيتو، أرى هذا رائعاً بحق. ليس الأمر كأن هناك عجلة، دعنا نلق نظرة حولنا".
سحب ثيرا خلفه فوراً ليبدأ التجوال. كانت هناك مجموعة أكبر بكثير من الأجناس مقارنة بالبلدة التي اتخذها موطناً حالياً، مما يعني تنوعاً أكبر في العمارة وأطعمة أكثر لتجربتها، فضلا عن الحشد المستمر الذي يملأ الشوارع بينما يتنقل الناس مسافرين إلى أراض بعيدة أو قادمين منها. خطف وجبة خفيفة من بائع متجول قبل أن يدري وبدأ يطل برأسه في متاجر متنوعة هنا وهناك، وخصوصا أي متجر يلبي اهتماماته بينما كانت ثيرا تُسحب وفق نزواته.
قالت: "هذا هو الحداد الرابع الذي تسحبني إليه. أهذا ضروري حقا؟".
قال بصوت خفيف محاولاً تجنب إزعاج صاحب المتجر: "أنا فضولي فقط بشأن مدى جودة بضائع فالك. أعرف أنه الأفضل في ستونيتو، لكنني لم أظن أنه سيكون أفضل بكثير من أي شخص في مدينة كهذه أيضا".
سألت وهي تجول بنظرياتها حول المتجر الذي كانا فيه حاليا: "أعرف أن خالي بارع فيما يفعله لكن هل هناك حقا هذا القدر الكبير من الاختلاف؟".
بدا كل شيء متشابهاً بنظرها.
قال: "بالتأكيد. ألق نظرة متفحصة على بعض النصال، يمكنك تمييز عيوب طفيفة لم أعهدها قط في أي من أعماله. بصراحة طالما ظننت أن فالك يبخس ثمن بضائعه لكنني لم أكن متيقنا تماما حتى الآن. يا سيّدي، أحتاج للوصول إلى المستوى التاسع في الحرفة لكي أتمكن حقا من رؤية تصنيفات أغراضه".
قالت: "أنت تعلم أن معظم الناس لا يتجاوزون المستوى الخامس في مهارة معينة أليس كذلك؟ قد يستغرق الأمر بقية حياتك لتصل إلى هذا الحد".
لم يملك بن إلا أن هز كتفيه قائلاً: "تتحسن المهارات طالما أنك تدفع حدودك باستمرار أليس كذلك؟ عليّ فقط الاستمرار في ذلك وسأصل إلى هناك".
قالت: "ستحرق أعصابك بالتأكيد"، مع أنها عندما تذكرت تصميمه أحادي التفكير والتركيز الذي يملكه عندما يعمل على مشروع شغوف به، كان عليها أن تعترف لنفسها بأن الأمر ربما لم يكن مستحيلا لهذه الدرجة.
حقا، إذا استطاع الحفاظ على وتيرته فقد يبلغ المرتبة الثالثة بحلول نهاية حياته تماما. فضلا عن ذلك، ومع فوائد مباركة السيّد، كان على الأرجح أكثر ترجيحا لبلوغ غايته من الشخص العادي. بينما أخذت ثانية لتفكر في كيفية تكريسه لنفسه لعمله لدرجة العمى عن كل ما سواه، أمسكت بيديها وسحبها خارج المتجر، إلى المتجر التالي ليجذب انتباهه.
قال: "أنظري، متجر سحرة، يجب أن أرى هذا".
دخلا المتجر بينما كان بن يجر ثيرا وبدأ فوراً في تفحص الأغراض والأدوات المتنوعة من حوله، محاولاً معرفة ما يمكنها فعله وإذا كان سيحتاج لشراء أي منها للعب بها. لم تكن هناك حاجة ماسة لاقتناء أي شيء الآن بالطبع، إذ يُفترض أن تضم أنايليا نصيبها العادل من المتاجر لاستكشافها أثناء وجوده هناك، لكنه لم يكن ليود تفويت أي شيء ممتع، عندما اقتراب صاحب المتجر.
سأل كائن ذو قدمين بأسود قشركي، لا يمكنه تصنيفه ضمن نوع شبيه بالبشر مثله أو مثل ثيرا، لكنه لم يمتلك مرجعا ملائما لمقارنتهم به: "هل تبحثان عن شيء معين؟".
قال: "أتمنى فقط أن ترشدنا إلى شيء ممتع".
نظر صاحب المتجر إلى وجهه المبتسم وثيرا المرتدية للعباءة قبل أن يقدم اقتراحه: "حسنا، لدي بعض خواتم سحر مكافحة الحياة في الخلف أثق أن كلاكما يمكنه...".
قالت ثيرا مقاطعة صاحب المتجر وجارته نحو الباب: "كلا. لا، شكرا لك، نحن بخير. هيا يا بن".
قالت: "هي، ما الأمر يا ثيرا؟ كنت فضوليا بشأن ما يملكه".
أخذت ثيرا نفسا عميقا وذّكرت نفسها بأن بن لا يزال جديدا نسبيا على العالم لذا فلن يكون على دراية بكل غرض يعتبره معظم الناس عاديا.
قالت: "بن، أنا مستعدة لمساعدتك في تدريب مهارتك أحيانا وبينما لا أمانع كثيرا إن سحبتني إلى مكان ما، فعليك أن تضع في اعتبارك كيف يبدو ذلك للآخرين أحيانا".
سأل: "هاه؟ ماذا تعني؟ وما علاقة ذلك بـ...".
قالت قاطعة إياه لإنهاء هذه المحادثة المحرجة في أسرع وقت ممكن: "كان يعرض علينا موانع حمل".
وأضافت: "إنها مسحورة بلعنة سحر الحياة لمنع... حسنا، أنت تفكّر بالفكرة".
كانت سعيدة للغاية بارتداء القلنسوة في تلك اللحظة لإخفاء تعبير وجهها. لم تكن هذه محادثة تتوقع خوضها اليوم، لكن بن بدا على الأقل محرجا بالقدر نفسه، إذ تصاعد احمرار إلى وجنتيه.
قال لها: "آه، خطئي، آسف"، وأفلت يدها.
قالت: "لا بأس، ما كان ينبغي أن يكون ذلك أول ما يخطر ببال صاحب المتجر أيضا، لكن بعض الأجناس أقل اهتماما بقليل بهذه الأمور. على أي حال، أتظن أن بإمكاننا المضي قدماً نحو البوابة الآن؟".
قال: "بالتأكيد، لنذهب".
انتصب قوس معدني عملاق يبلغ عرضه نحو عشرين متراً في الأرض بينما تدفقت جماعات الناس ببطء تدخله وتخرج منه بلوغاً لوجهاتهم. لم يسع بن سوى التحديق بدهشة. كيف شُيِّد؟ كم استغرق تطويع وحش كهذا بالتعاويذ المناسبة؟ ودّ لو تتاح له فرصة تفحص تصاميمه وسيكون عليه سؤال فالك إن كانت مخططاته متاحة للعامة أم أنها سر محروس بعناية، وإن أمكن فسوف يحصل عليها بين يديه.
قالت ثيرا وهي تجره متجاوزة القوس إلى ما يكمن خلفه: "حسناً، كفى تشدقاً، لنعبر بالفعل".
ضربت بنَ فجأةً موجة غريبة من الألفة قبل أن يتمكن من إدراك السبب. بغض النظر عن الحشود المارة وحلقة ضمت ما لا يقل عن مئات البوابات المفضية جميعها إلى مواقع مختلفة، وجدوا أنفسهم في فراغ أزرق رمادي مقفر بلا فاصل بين نهاية الأرض وبداية السماء. بدا تماماً كالمملكة السماوية لسيده.
سأل بصوت مسموع عجباً دون أن ينتظر إجابة حقاً لكنه تلقاها مع ذلك: "ما هذا المكان؟"
"مقلق، أليس كذلك؟ أخبروني أن الملوك صنعوا هذه المنطقة لترتبط بها كل البوابات عوضاً عن جعل نقطة مركزية واحدة على الكوكب تمنع أي جماعة من السيطرة على مركز البوابات. حاول ألا تفكر كثيراً في الأمر، فسيفزعك لا أكثر".
شعر بأن ذكر قضائه ليالي قليلة في أسبوع بمكان مماثل لهذا رفقة سيده سيثير المزيد من الأسئلة لا غير، لذا ترك ثيرا تقودهما نحو وجهتهما بدل ذلك.
تمتمت وهي تجره معها: "دعنا نرى، أظنها على اليمين".
أخذ بن وقتاً أثناء مسيره لتأمل البوابات التي مروا بها، فرأى قمة كل بوابة موسومة باسم البلد أو المدينة التي تقبع خلفها، فضلاً عن قدرته على خلسة النظر إلى ما يقع على الجانب الآخر. لمح لمحات من هندسة معمارية غريبة، وأجناس لا أسماء لديه لها، ومناظر طبيعية لم يتخيلها قط قياساً على شكل موطنه الحالي. أراد مواصلة الخطو نحو مناطق شتى وتأمل ما حولهما، لكنهما كانا في طريقهما إلى مدينة جديدة بالفعل، وسيتعين عليه إيجاد وقت آخر للاستكشاف.
بالطبع لم يمنعه ذلك من إغداق الأسئلة على ثيرا أثناء مسيرهما.
"مهلاً، لمَ توجد حراس خارج بعض البوابات؟"
"لأسباب مختلفة قليلاً، فبعض الدول لا تريد مجيء أي كان ودخوله وخروجه، أو توجد أماكن كساحات الحرب والأراضي المتوحشة حيث لا ترغب في دخول أحدهم خطأً. لمَ، أية واحدة مررنا بها... آه"، التفتت برأسها للوراء لتتأمل آخر بوابة محروسة وأدركت كنهها تماماً.
"واد الحياة، أليس كذلك؟ وُجد هناك لضمان عدم إفلات أي شيء".
"ما العيب في واد الحياة؟"
"إنه مكان تتخذه الكائنات ذات التقارب العالي مع الحياة موطناً لها، بما في ذلك بعضها بآثار جانبية كامنة للتقارب مع الحياة".
"أليس هذا أمراً جيداً؟ لوددت لو أستطيع مجرد دخول أرض وبدأ الشفاء من الإصابات".
"نعم يبدو هذا رائعاً نظرياً، حتى تفكر في أن التركيز العالي لمانا التقارب مع الحياة يجعل كل شيء ينمو خارج السيطرة. كيف لك أن تقضي يوماً هناك وتزهر أبواغ العفن فوراً عبر لحمك، أو تبدأ أي بكتيريا حاضرة فيك بالتكاثر السريع واستهلاك جسدك للموارد بينما يتعافى جسدك بوتيرة متسارعة تعويضاً عن ذلك، فيتوجب عليك إما تعزيز مدخولك من الطعام أو الهزال. ناهيك عن أن أي شيء ينجو بينما يغمره سمة الحياة باستمرار يميل للتكيف مع التغيرات بسرعة وبطرق غريبة. لولا جبال الموت المحيطة به لحدثت على الأرجح مشكلة جسيمة إن هرب أي من وحوش تلك الأرض".
شعر بن بقشعريرة طفيفة تسري فيه.
"حسناً، كانت تلك بعض الصور الذهنية المرعبة، شكراً لك على ذلك".
"أريدك فقط أن تدرك مدى خطورة بعض هذه البوابات. تبدو مستعداً بالفعل للقفز عبر القليل منها".
منحها ابتسامة مشاكسة فاستأنفا مسيرهما مارين بالبوابات حتى وجدا أنفسهما أخيراً أمام تلك التي يبحثان عنها. خطيا خطوة وكانا في موطن ثيرا، أنايليا.