الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 544

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 544 باللغة العربية على مانجا تايم.

قال بن وهو يتسلّل من خلف المستدعَى الآخر ليجعله ينتفض: "أهلاً يا فيربوم".

تنهّد: "تبّاً، لمَ أنت هنا هذه المرة؟ لا، لقد فهمت، أنت هنا لمعرفة لقبك الأحدث، أليس كذلك؟"

"أصبت يا صاحبي، أتمانع؟"

"لست صاحبك! لسنا حتى صديقين!"

"يا فيربوم، يؤلمني سماع هذا كثيراً. ألسنا غريبين زميلين؟ ألم نتوطّد في مغامرتنا الصغيرة معاً؟ هيا، أنا رجل لطيف، استسلم لصداقتي."

"لا تظهر إلّا حين تريد شيئاً ثم تغادر. كيف يكون هذا صديقاً بحق الجحيم؟"

أوقف هذا بن عن المشاكسة. كان محقّقاً تماماً. لم يكن بن يأتي إلى المكتبة إلّا حين يحتاج إلى شيء، لم يكن الأمر بغرض الودّ والتواصل، وبات يدرك لِمَ قد يبدو ذلك مزعجاً، حتى وإن أراد إقامة علاقة جيدة مع الآخر، مع أن فيربوم سرعان ما استغلّ تلك اللحظة من الصمت ليحاول صرفه.

قال: "هاك، سأمرّ بالأمر سريعاً فاغرب عن وجهي إذن".

أخبرته المعلومات المارّة بأنه كان محقّقاً على الجبهتين بشأن اللقب، إذ منحْه وقتاً أيسر حين يتعلّق الأمر بمساعدة الناس على التدرب فضلاً عن إيقاظهم، لكنه لم يستطع منع نفسه من النظر أعمق قليلاً من ذلك. ومع قيام الاتصال، استطاع بن أن يشعر بقليل من الوحدة تنبعث من الواقف أمامه، والتي زادتها سوءاً مخاوفه المستمرة. كان شعوراً يدركه بن جيداً، لذا قرر فعل شيء صغير في سبيل اللطف، حتى وإن قوبلت وسيلة تحقيق ذلك بالاستهجان من أيّ كان.

وبقدر ما استطاع من كتمان، مدّ بن يده إلى عقل فيربوم، منقباً في ذكرياته الماضية ليرى ويختبر ما يستطيع من عالم الآخر القديم بينما كانت مفاجأة صغيرة تتبلور.

"حسناً، سأغادر قريباً ولكن أولاً، أستتواجَد هنا غدّاً أم أنك مشغول بأمر مع كيلي؟"

"عليك أن تسألها. لمَ، ما الذي ستحاول جعلي أفعله؟"

"لا شيء، في طيات عقلي مفاجأة صغيرة لك، صدقني، ستعجبك حتماً."

شعر بن فوراً بدفعة شديدة من عدم الثقة تتأتى من المستدعَى الآخر لكنه تجاهلها، مانحاً إياه ابتسامة ساطعة عوضاً عن ذلك.

"فقط راقب يا صديقي، سأُريك أنني صديق ممتاز حقّاً".

جرى مبتعداً بذلك، معيداً إلى فيربوم هدوءه بينما مضى ليؤكد أنه وكيلي سيظلان كليهما في المكتبة في اليوم التالي قبل أن يهرع عبر بوابات شتى نحو المتاجر والأسواق، لجمع كل ما ستحتاجه يداه.

بدا بن متعبا في اليوم التالي وكان ذلك واضحا لكل من رآه لكنه لم يملك دفع ذلك فقد قضى الليل بأكمله في العمل واختبار ما صنعه لأجل فربوم ثم اضطر إلى أداء عمله المعتاد في المتجر. كان أشد حرمان النوم من المعتاد واشتد الصداع الذي يصاحبه نتيجة لذلك غير أن الأمر كان مقبوضا لقد أنجز ما عزم عليه وسار طربا ليعرض نتائجه فبلغ الطابق الأخير من المكتبة حيث علم أن الثريا يفضلون التوارو نظرا لقلة من يُسمح لهم بالصعود إلى هناك فوقعه بصره مباشرة على فربوم في مقعده المعتاد الذي التقت عيناه بعيني بن فور رؤيته.

قال: "تبا لقد عتَّ مجددا."

قال: "طبعا فأنا رجل كلمة والآن خذ فاصل كتب وانزل معنا."

قال: "لا أثق بك بما يكفي لأذهب معك إلى أي مكان."

قال: "لا تقلق لن نغادر المكتبة بل سنذهب إلى مكتب كيلي والآن هيا سيكون الأمر رائعا."

قال: "لا أريد التعامل مع أي هراء تخطط لإيقاعي فيه."

قال: "أنا لا أوقعك في شيء وخيارك إما أن تنزل طائعا أو أن أنزل وأطلب من كيلي إحضارك وأظننا نعلم معا أنها لن تسعد بذلك بينما ستكون النتيجة نفسها فما قولك؟"

لم يرد بشيء بل استسلم وحسب. كان بن محقا فلو اضطر معلمه لجلبه لغضبت غضبا يعود ليتحمله لاحقا فكان الاستسلام للمطلب أيسر ولو ترك في روعه الريبة. ماذا عسى بن أن يريد منه؟ لقد طُلب منه أصلا توظيف مهارته في كل ما يظهر على حالة ذلك المجنون وحقيقة إبقائه في الظلام تجاه ما سيفقده صوابه زد الطين بلة فأججت أعتى أوهامه وارتيابه. ولم تكن تلك المرة الأولى التي تمنى فيها فربوم لو أنه أحكم قبضته على كيفية انتزاع ما يبتغيه من معلومات بواسطة مهارته.

كان النظام مبثوثا في أرجاء العالم وضم تبعا لذلك كل معلومة يمكن معرفتها عن أي موضوع طالما وُجدت في عقول الخلق المرتبطين به ليتم تعلمها. لو أمكنه فقط طرح أسئلة ما يريد بدقة كافية لقدر على تعلم أي شيء غير أن أميال النصوص المرافقة دائما جعلت محاولة تفكيكها كابوسا لا نمطا يمنحه بعض الأجوبة وهو يخطو هبوطا عبر بضعة سلالم. شعر بأعصابه تصرخ به حين صارا أمام مكتب كيلي لكن الأوان كان قد فات.

طرق بن الباب ودعاه كيلي للدخول لتنتهي بذلك حيرة ما يدور في خلده.

قال: "آه يا بن فما سر هذه الزيارة أأفترض أنك تنوي استعارة فربوم؟"

قالت: "لست كتابا يُعار!"

قالت: "نعم لكن مزيدا من الاختلاط سينفع نموك العاطفي وبن يحبك ولا ضرر البتة في مرافقته."

قال بن بمرح مفاجئا فربوم الذي راح يتساءل عن السبب الحقيقي قبل أن يتابع: "يا كيلي أعلم أن الأكل مسموح عموما في المقهى فهل يجوز في مكتبك؟"

قالت: "ممم طلما كنت حذرا فلا مانع لماذا؟"

قالت: "صنعت لكما طعاما ورجوت أن تستمتعا به."

وهنالك أخرج بن بضع علب طعام قضى ليلته في طبخها وظلت دافئة بفضل تعاويذ حقيبته المكانية التي أبطأت سريان الزمن في جوفها. بدا الأمر لكيلي وجبة مفاجئة ومحببة غير أن فربوم رأى شيئا آخر. كان كل صنف وصفة من عالمه الأصلي ممن أحبهم متقنا في مظَهر عرضه وناضحا بالرائحة عينها. شعر بمشاعر تجيش في صدره فمد يده ليأخذ لقمة من الطبق الأول فوجد المذذاق مطابقا لذكرياته تماما رغم ظنه أنه لن يذوقه أبدا فدمعت عيناه.

قال: "كيف فعلت هذا؟"

قال: "آه التقطت بعض الخواطر العابرة في ذهنك فعزمت على بذل وسعي لأنسخها لك لا أكثر فالطبخ يندرج تحت الصنعة وأنت محظوظ بما يكفي لمعرفة أنبغ صناع الكوكب وظننتها طريقة لطيفة لأبدي امتناني لمساعدتك لي فما رأيك؟"

لم ينطق الثريا بحرف آخر بل انكب يستمتع بالطعام والدموع تنهمر على وجهه مستذكرا وطنا فقده بينما كان معلمه يمسح على ظهره. رمقت كيلي بن بنظرة امتنان وبعد برهة استطاع فربوم انتزاع كلمة واحدة.

قال: "شكرا."

قال: "لا شأن بذكر الأمر فأنا أدري كم يكون جميعا تذوق طعم الديار وقد دونت لك كل الوصفات أيضا ليتسنى لأي طاهٍ لديكم إعدادها بسهولة ولو تطلب الأمر عبور بضع بوابات لجلب بعض المكونات الفريدة لكني سأناوله إياك حين نفرغ أما الآن فلنأكل بينما هو طازج."

ناول صحنا إلى كيلي لتتذوق كل شيء بدوره قبل أن يأخذ بن صحنه فاستمتعا بوجبة هاديئة نسيا معها سائر مشكلات العالم ولو هنيهة.