حين تهاوت جدران واقعها إلى رماد، واجه الكلوق المحبوس داخلها فجأة ما ينوء به وجوده السابق ولا يستعد له. كانت الصدمة حاضرة. بعد قضاء عمره كله ممتلئاً بكل فضاء متاح، بدا عدم تمدده الفوري نحو الحجم اللامتناهي الجديد مفاجئاً، حتى مع انعدام أي سبب يرجح حدوثه. اعتاد ذلك فحسب، وبدت فكرة عجزه عن اختبار كل ما حوله دفعة واحدة أمراً غير طبيعي تقريباً. غير أن شعور الصدمة حمل في طياته شيئاً آخر، شيئاً لم يعهده من قبل وعجز عن إدراكه تماماً، وإن بدأ يتيقن من كرهه له.
كان يشعر بالألم. رغم كل القيود، كان كائناً من كائنات الكون، وُلد لواقع ذي قواعد خاصة عاش في ظلها طوال حياته، لكن ذلك انقضى. صار في قلب الفوضى الأولى، وتناهش جسده قواعد متغيرة بلا حدود ودون واقٍ يحميه، فتووى شكله وتعرج مع كل تبدل بطرق جهلها ولم يفهمها، ولم ينقذْه سوى نزر يسير من معرفته المحدودة. بفضل الواقع الذي وُلد فيه، عجز بالكاد عن فهم ذاته على نحو يعنيه الآخرون، مما حرره من الرعب الذي كان سيصيبه جراء هذا التغير لولا ذلك، ومع تاقلمه البطء، خف الألم.
لم يكتفِ بالتأقلم مع الفوضى، بل راح يفرض قواعده على الفضاء المحيط به دون أن يدري، إذ منحت طبيعة واقعه المفقود قدراً من البناء افتقره الفراغ اللامتناهي، مما درأ عنه أعظم أخطار بيئته الجديدة، ومع هذا القدر من السكينة، وُجه إليه سؤال لم يتسنَّ له طرحه من قبل قط. ما العمل؟ أمام امتداد لا نهائي، توفرت له للمرة الأولى خيارات تتجاوز مجرد الاستمرار، خيارات رغب في ارتيادها بينما يعاني تحت وطأة تلك الحرية المستجدة.
إن استطاع فعل أي شيء فأين يبدأ؟ مضى الوقت وهو يكابد حرية الاختيار تلك، لكنه اختار عشوائياً في النهاية. لاح شيء في الأفق قرر استكشافه أولاً، فعزم على المضي نحوه. ...كل ما تطلبه الأمر أولاً هو معرفة كيف يتحرك.
بعد أن أدرك أن الجهد الذي بذله للمساعدة في تحطيم واقعه قد يدفعه أبعد، انفتح أمامه الفضاء وهو يمتد صوب هدفته، ومرت دهور وهو يشق طريقه إلى هناك. كانت المسافة فكرة جديدة أخرى، لكنه لم يلبث أن أدرك تماماً أن الهدف الذي اختاره بعيد. بعيد بشكل محال. لولا الإثارة التي صاحبت البيئة الجديدة، لشعر أن وقته يشبه تماماً فترته الأولى، حيث كان محبوساً بين جدران بلا عمل. لكن شيئاً ما كان يحدث حوله باستمرار وسط الفوضى.
رغم عدم ثباتها كالأمر الذي كان يتقدم نحوه، كانت الأشياء تظهر وتختفِ بلا توقف من الوجود، وليدة قواعد متغيرة تعمل بلا واقع، فصدق اسم الفوضى إذ أثبتت أنها مكان يمكن لأي شيء أن يوجد فيه، ولو لفترة قصيرة. صار مراقبة الأشياء وهي تومض دخولاً وخروجاً هواية في رحلته الطويلة، وبدا كل جزء منها مثيراً ومشيوقاً بالقدر الكافي لجعل الرحلة ملساء حتى بلغ جداراً جديداً في النهاية.
على عكس جدار موطنه الأصلي، كان هذا هائلاً، بلا نهاية. حين صار قريباً بما يكفي لمسه، بدا ممتداً في كل الاتجاهات، رغم أنه بدا كقطرة حين بدأت الرحلة إليه، لكنه وصل أخيره ودفع أمامه ليحطمه. للحظة واحدة فقط، لمح لمحة. لا واقعاً كذاك الذي وُلد فيه، ولا فوضى سافر عبرها لبلوغه، بل وجد عالماً يغمره الفضول. بحواسه، استشعر الأشياء داخل تلك الجدران تتحرك وتتغير، تتفاعل فيما بينها وتتبدل في كل مرة في رقصة جميلة بلا نهاية، فأسرت الوحش المولود في العزلة بما يمكن وجوده خارج إطاره المرجعي، وانكشف له لفترة وجيزة الجمال اللامتناهي الذي يطويه الكون المتعدد حتى انتزعه إحساس من ذهوله.
أتاه الألم، مخالفاً لكل ما ذاقه عند دخوله الفوضى لأول مرة، يهاجمه وهو يحاول مواصلة شق طريقه نحو ما يوجد على الجانب الآخر من الجدار بينما واجه جسده تحدياً جديداً. نجح في التكيف مع قواعد الفوضى المتغيرة باستمرار إلى حد ما، لكن القواعد الثابتة وراء ذلك الجدار كانت أمراً مختلفاً. كانت غريبة للغاية، وشاذة مقارنة بالواقع الذي وُلد فيه أو المكان الجديد الذي يحتاج لاتخاذه وطناً.
كان مكاناً يرفضه من الجذور، ولم يمنحه سوى لمحة عابرة عما يكمن خلفه قبل أن يضطر للرحيل بينما تولى جسده إصلاح نفسه ببطء. لم يكن ألم العيش في الفوضى شيئاً يذكر بالمقارنة، بل مجرد مثير جديد يتأمل فيه، لكن الأمر اختلف هنا، معاناة لا نظير لها دفعته للتراجع مبتعداً عن الجدار رعباً مما يحويه رغم الجمال الذي أسره. لم يعلم إلى أين يمضي ولم يبهه الأمر، بل كل ما عناه هو الابتعاد، نحو مكان آمن ينجيه من الأذى الذي نزل به للتو، لكنه هدأ شيئاً فشيئاً.
مهما بدا فظيعاً، فقد حدث مرة واحدة، وبات بإمكانه رؤية وجهات أخرى في الأفق، ومع تلاشي الألم من الذاكرة ببطء رحل نحو التالية، مستعداً لترقب ما إذا كانت ستختلف.