كان العالم يحترق حوله، وكان يوتو يركض. فعلٌ مهينٌ إلى حدّ لا يمكنه معه الإفلات من خزيِه؛ فكلّما ضربت قدماه التراب تحته، تذكّر كم اقترب من غايته، ليفشل في النهاية ويحشر في هذه الهيئة المثيرة للشفقة. ملكٌ محبوسٌ في جسد فانٍ، يقضي آخر رمق من حياته مطارداً من إخوته، وكلّ ذلك جزاءً لرغبته في القليل الإضافي. غير أنه لم يملك دفع ذلك عن نفسه! قد يكون الملوك الآخرون ممن ولد معهم قد عدّوا الأمر خيانة، إلا أن طبيعة العالم من حوله لم تكن سوى إهانة لكلّ ما يمثّله.
ربما وجد في الكون الواسع الذي حدثهم عنه ملوك الفراغ العابرون أمثالٌ له، ملوك موت يحتملون عوالم تموج بالحياة، لكنه لم يستطع. في عينيه، كان النظام الطبيعي قائماً دوماً على إخفاق الحياة في النهاية، ليترك له الهيمنة على كل ما يمتلك القوة لحفظ روحه في الأرض بعد ذلك الواقع مع تزايد أعداده، وليبقى هو الملك المتوج لذلك العالم. بيد أن أفعال الآخرين، من ملوك نظرائه والبشر الذين أحبوهم، بدت كأنها صُمِّمت خصيصاً لتحريمه من ذلك الحقّ الموروث.
على الرغم من تساويه مع البقية من الديسنيتي، وعلى الرغم من تقاسمهم العبادة التي أسبغها عليهم شعوبهم، فإن البشر أدنى منهم لم يولوا الموت الاحترام الذي يستحقه. كهنة النور والنزعات الموتية جلبوا السكينة للنفوس القلقة، بينما بذل الشفاة قصارى جهدهم لإطالة أحيائهم وإنقاذهم، مما حرمه من حصته من الإيمان، تلك التي يعبدونها أكثر من غيرها كلما شعر الفاني بدنو أجره. ومع تقادم الآلاف من السنين، كيف له أن يفعل شيئاً سوى التمرد؟
وقد سارت الأمور ببراعة في البداية أيضاً! خدع البقية الثلاثة وحبس أصواتهم عن العالم لتبقى ساكنة، وترك لنفسه حرية التصرف بلا عوائق، فوجد بين السكان من يكرهون الحياة بقدر ما يكرهها، ويهمس في آذانهم بحلمه حول عالم خالٍ، وينتقي خيارهم ليكونوا وعاءً له، ثم يستغل الإيمان الذي كسبه بغير عوائق ليحقق ذلك، جلب الأوبئة واليأس إلى أي أرض خصبة، معفنًا الغابات ومقضيًا على العالم ببطء بينما أقدم من تجندهم على الذبح، متسببًا في موت عنيف يضمن حرمان الكثيرين من السكينة التي يبتغونها لتظل أرواحهم هائمة، متخذة جيوبًا دائمة من الإيمان يغرق فيها.
حتى مع كلّ قدرته، لم يكن سريعاً بمعايير البشر حين حلت ألف سنة من المعاناة على أهل عالمه، لكنه بدا سريعاً للغاية بمقاييس الملك. عاش وفق مقياسه الزمني الخاص واستمتح بمشاهدة الفوضى وهي تتكشف من تحته بينما تنمو قوته. لم تقتصر الغنائم على الأشباح وحدها؛ بل خافه الناس، مانحين نوعاً مختلفاً من الإيمان ليمده بالقوة. إيمانٌ بأن كل أمل قد ضاع، وبأنه سيكون موجوداً على الدوام ليذيقهم العذاب، وبأنه ما من منقذ لهم.
إيمان آمن به هو أيضاً حتى بدأ كل شيء يتداعى. رغم كلّ طاقته، لابد دائماً من وجود من يقاومون، أولئك الذين يصارعون حتى الرمق الأخير، لكنهم لم يكونوا قط موضعاً للقلق. لماذا يأسى المرء على ضياع تابع بينما تنضم روحه ببساطة إلى فيلقه؟ لماذا يقلق بشأن طيف يعبر بينما تمسك بالحياة كثرة من الكائنات بعدها، وتلك المعاناة التي صبّها عليهم تخلق بغضاً أو يأساً عظيماً يعجز الأرواح معه عن الراحة، لتستمر تلك الأرواح ذاتها في إمداده بالقوة؟
لماذا الاكتراث بالمصارعة الأخيرة لقوم قضى عليهم الهلاك؟ حين التفت ورائه، أدرك أن تلك كانت النقطة التي خسر عندها. لقد استطاب النصر حتى اطمأن، تاركاً متغيراً ينمو خارج نطاق السيطرة. هو. امرأة أو رجل انتزع الجوانب المطهرة لسحر النور وجوانب الموت التي تريح الأرواح فدمجهما في شيء جديد وخطر، شخص لم يُسجَّل له حتى أثر يذكر إلى أن نما وبلغ مستوى قوة يضاهي قلة من أنصاف الملوك في الماضي ثم واصل النمو متجاوزاً ذلك، ليغدو قوة قادرة على محو فيلق الموتى الأحياء بتلويحة من يده.
شخص نما ليصير ما لم يحلم يوتو قط بوجوده، شيئاً لم يره عالمه من قبل. فانٍ ارتقى إلى مرتبة الملوك، بكل ما تعنيه تلك المنزلة من طاقة. كان نزالهما الحقيقي الأول تعادلاً، وأصيب اثناهما بجراح، حتى وإن خرج الفاني أخفّ الأثنين إصابة. ربما فقد ذراعاً في تلك المعركة، لكن مع التغير الذي طرأ على مانا النور داخله، فقد نمت إلى مستوى لم يبلغه سواه من قبل، وسيستعيدها في ومضة. أما يوتو فقد حدث له أمر مختلف، شيء لم يستطع التنبؤ به ولم يملك إلغاءه.
لقد رُبط بالمضيف الذي نزل عليه. حقيقة إقدامه على ذلك أصلاً هي أمر سيظل يلعنه دوماً، حتى وإن أدرك أنه ما من عالم لم يكن ليفعل فيه المثل. حين يحتاج الملوك للتفاعل مع العالم، يستمتعون باستخدام مضيف فاني. يتيح لهم ذلك ممارسة قوتهم بطرق تختلف عما إذا نظروا إليه من عليائهم وحسب، ويمكّنهم من التمتع بملذات العالم أيضاً. لا بأس في الحكم ضمن العوالم، لكن السير بين الناس أجدى، ليدعهم يشعرون بقوته الساحقة ويستمتعوا بالخوف المرافق لها، قبيل أن يمحو أي مستوطنة سيئة الحظ بفضل حضور بين ظهرانيها.
لم تكن لديه طريقة لتوقع أن الجسد الذي اختاره سيغدو سجناً، لا يترك له منفذاً للفرار. منذ تلك اللحظة، ازدادت الأمور سوءاً فحسب. أعمل ملك العالم الجديد قدرته، مطهراً الأراضي من الموتى بل ونجح في تحرير الديسنيتي الآخرين، فاختار أفراد عائلته المسجونون أبطالاً يخصونهم ليسيروا بينهم، وكلهم يسعون إلى إبطال كل ما عمل لأجله بينما طار يوتو يتعقب ببطء حتى حوصر أخيراً. ولم يحاصره من تحدى مصير العالم وجلب الخاتمة لدماره، بل شقيقه فيليكس، الذي بدا حزيناً لا غاضباً.
سأل فيليكس، عاجزاً عن كبح رغبته في نيل الأجوبة: "لمَ؟ لمَ كان على الأمور أن تؤول إلى هذا الحدّ يا أخي؟ ما الذي جعلك هكذا..."
بصق يوتو قائلًا: "لا تكن أبهاً".
إن كانت الأمور إلى نهايتها فلا جدوى من الحديث، والأحرى أن يتم أمره.
"ما الذي جعلني هكذا؟ لقد كنت هكذا دوماً! أتستجوب وحش أناهوك لأنه يقتلع الأشجار أم نومونغو لحفره خنادقه؟ هذه طبيعتي، التي قُمِعَت طويلاً بينما أصررتم جميعاً على اللهو ببشريكم الصغار! لمَ الدهشة إذن إن استرددت أخيراً ما أستحقه!"
"استرددت ما تستحقه؟ هناك أراضي هنا ربما لن تحمل حياة مرة أخرى أبداً! ملك موت أم لا، لقد جئنا جميعاً من حياة هذا العالم! أتظن حقاً أن الطبيعة التي نشأت عليها تغير ذلك؟"
"ما الذي ترغبه من هذا؟ أتظن أنني سأتراجع عن أفعالي في هذه النهاية بالذات؟"
ضحك.
"سأكررها، وحين تسترجع هذا اليوم، تذكر ذلك".
عجز فيليكس عن إخفاء انكسار قلبه لرفض أخيه إبداء أي ندم حتى في النهاية، فتحرك ليحسم الأمور نهائياً، لكنه توقف. على الرغم من كل العذاب، رغم كل الأهوال التي تسبب بها، ظل يوتو أخاه. لقد نشآ معاً في عالم سبق أن تصبح الحياة فيه بهذا التعقيد، قبل أن تتبلور طبائعهما وقبل أن يصبحا ملوْكاً بحق. إنه موجود في أقدم ذكرياته، وتلك الضعفة أفضت إلى اختيار بينما تحركت طاقة الملك أخيراً.
توجع الملك قائلاً والعالم يبدأ بالاهتزاز تحت قدمي يوتو: "أنا أحمق. يستحق شعبنا عدالته لكن حتى بعد كل هذا، ما زلت عاجزاً عن قتلك يا أخي، بيد أنني لا أستطيع إطلاق سراحك أيضاً".
ضحك يوتو، عاجزاً عن كبح رتعشات من الحماس تسللت إلى صوته: "إذن ماذا؟ أستحبسني كما فعلت بكم؟ أيها الأحمق رقيق القلب، لن يدعك البقية يفعلون، وحتى لو فعلوا، فإن نجوت يوماً فسأعيد الكرة برمتها".
ربما كان عليه أن يتوسل الرحمة التي بدا أن أخاه يودّ منحها إياه، لكن يوتو لم يكن ليفعل ذلك. فحتى مع كل ما ارتكبه، احتفظ بشيء من هيبته كملك. حريٌ به أن يلقى نهايته ويقبل طبيعته حقاً على أن يتوسل حياته. بخلاف التوقعات، هزّ فيليكس رأسه بينما بدأ العالم المهتز يتشقق، جارفاً يوتو للداخل، لا إلى التراب، بل إلى مستوى أدنى من الواقع.
"لا أملك القدرة على قتلك، لكنك أكثر خطورة من أن يُسمح لك بالبقاء، حتى لو قمنا بسجنك. كلا، هذا الخيار هو الأفضل حقاً".
تحولت ضحكة يوتو السابقة إلى قهقهة مجنونة حين استوعب ما يجري، وامتلأ الملك الشرير بهجة حين أدرك كنه ما يحدث.
"آه يا أخي، ستندم على هذا حقاً طوال حياتك!"
"ربما، لكنني أستبعد ذلك. عانِ من كل هذا يا يوتو، فلديك الأبدية لتفعل".
وظل الملك يقهقه وهو يهبط أكثر فأكثر، شاعراً بالخطط تتشكل في الثواني الأخيرة المتاحة له. كان أخوه أسوأ من أحمق رحيم، بل كان أبهاً بكل ما للكلمة من معنى. لقد ارتقى فانٍ إلى مرتبة الملوك لمجرد إيقافه، وإن كان هو من عثر على يوتو فمن الواضح كيف كانت الأمور لتنتهي. وبعكس ذلك، اختار أحد ملوك العالم أن يواريه وحسب، ولم يقتصر الأمر على إعفائه من العقاب، بل ربما منحه مصدراً جديداً للطاقة للحظة التي يفر فيها.
وبينما هبط ملك الموت إلى الجحيم الأبدية، ذلك البعد المتصدع الذي تُبعث إليه أرواح البشر عبر الكون لتتذوق العذاب، أدرك أن كل ما يتطلبه الأمر هو الانتظار ليُطلق سراحه ثم يعود إلى هناك ليطالب بعالمه وانتقامه، ولم تتوقف البهجة التي غمرته جراء المستقبل الماثل أمامه إلا حين حُبس كلياً وتحطم كل ما يمثله.