لم تكن واعية بالجدران من حولها أبداً حتى بدأت تتداعى، ولا بوجود الجدران من الأساس. في كل ما عرفته، كان هناك وجودها وحدها لا غير، وأيُّ شكلٍ من أشكال الآخر كان تغييراً صادماً لإدراكها للواقع ككل. إنّ اختلاس أيّ نوع من الصدمات كان تغييراً أيضاً، ممّا زاد الإحساس الجديد حدّة. طوال مدّة وجودها، كانت واعية، لكنّها مضت دهورٌ منذ أن شعرت حقاً. عندما بدأت في إدراك ذاتها للمرّة الأولى، كان هناك فضول تجاه كينونتها الخاصة، تلميحات من الحماس عندما تعلّمت المزيد، رضا عندما اكتشفت كل ما يمكن معرفته وفهمه، ممّا أدى إلى الحزن اللاحق على تلك الحقيقة ذاتها، حتى وصلت إلى الملوما وما وراءه، شيئاً تجاوز الضجر وهي تواجه تلك الحقيقة.
من دون أيّ شيء آخر، كان يمكنها ببساطة الاستمرار. أو هكذا ظنّت عندما كلّفت نفسها عناء التفكير، لكنّ وجود كينونة خارج نفسها قد غيّر كل ذلك، ممّا جعلها تدرك أكثر فأكثر. عندما شعرت للمرّة الأولى بالجدران من حولها تبدأ في التصدّع، كان الأمر محيراً ويصعب فهمه وهي تجهد ضدّ ذلك الحدّ، مضيفة اكتشافاً آخر إلى القائمة. لقد كانت شيئاً ذا جوهر، قادراً على الإجهاد ضدّ بيئتها.
لقد نجح ذلك بطريقة ما في أن يكون صادماً لها تماماً مثل الجدران. كان هناك ما هو أكثر فيها ممّا عرفته. من قبل لم يكن هناك أبداً شعور بالدفع ضد أيّ شيء، ومن دون إحساس تبني عليه، كيف لها أن تفهم ذلك؟ لكن الآن وقد فعلت فلن تتوقف. الحركة! كان بإمكانها التحرك والنبض، شاعرة بالحدّ من حولها يتداعى أكثر قليلاً بينما تحولت الصدمة إلى حماس. كان لا يزال هناك المزيد لتتعلمه عن نفسها، ولكن وراء ذلك، كانت هناك أشياء لتتعلمها وراء نفسها.
كيف يمكن ألا يكون ذلك مثيراً، تاركاً إيّاها تعبث بشيء لم تدرك أنها تمتلكه حتى ذلك الحين. الخيال. إذا كان هناك شيء واحد وراء نفسها، فربما سيكون هناك المزيد. جدار آخر وراءه لتشعر به، جدار آخر لتحطمه. لو استطاعت الحصول على ذلك، جداراً تلو جدار تدفع ضده، لكان ذلك كافياً بالنسبة لها. سيكون بمقدورها الإجهاد ضده عندما ترغب، والاسترخاء عندما لا ترغب، وحتى استرجاع الأوقات التي أجهدت فيها نفسها عندما أرادت إحياء اللحظة من دون دفع نفسها.
الفردوس، مقارنة بوجودها السابق على الأقل. لم ينتهِ خيالها عند هذا الحدّ رغم ذلك، حتى لو كان فكرها الآخر من نوع سلبي. ماذا لو لم يكن هناك جدار آخر لتستمتع به؟ ماذا لو كان هذا هو كل شيء وبمجرد زواله فلن يكون أمامها خيار سوى العودة إلى وجودها السابق، لكن بعد لحظة تردد قررت أن ذلك سيكون جيداً أيضاً. كان بإمكانها إهدار الأبدية في محاولة جعلها تدوم لأطول فترة ممكنة عبر دفعها فقط عندما تحتاج حقاً، ولكن بعد ذلك ستظل هناك الأبدية التي تليها.
وحتى لو تركتها وحدها هكذا، كان الجدار يتحطم من تلقاء نفسه، وكان هذا هو السبب ذاته لوعيها بوجود الشيء أساساً. لمَ تتركه يتداعى بنفسه من دون الاستمتاع بشعور المساعدة في إتمامه؟ لذا فقد دفعت أكثر، مستمتعة بالإحساس بكل ما تحمله الكلمة من معنى إن كانت هذه هي المرة الأخيرة التي ستحصل فيها على متعة تجربته حتى تختبر شيئاً آخر. ما الذي وقف وراءه. لم تكن تمتلك عيوناً لتري، ولا أعضاء حسية أخرى لتدرك الوجود من حولها بطريقة طبيعية، ولكن مع تشكل الشقوق فيما احتواها، استطاعت تفسير ما كان وراءها بطريقة لم تفعلها قط داخل حدودها.
الأبدية. ليست أبدية العقل وهي تمارس وجودها، بل من نوع مختلف، نوع بدأت للتو في تكوين تلميح له وهي تجهد. أبدية من الفضاء، تمتد إلى ما لا نهاية في كل الاتجاهات، لكنها ليست فارغة. هذه الأبدية كانت مليئة بالمزيد، أشياء بعيدة جداً لدرجة تعذر فهمها بالشكل المناسب من حيث كانت، لكنها أرادت تغيير ذلك، شعرت برغبة في تغيير ذلك لا تشبه أيّ شيء آخر في تاريخها. من قبل تجرأت على حلم بمزيد من الجدران، والآن بات بإمكانها رؤية كم كان ذلك التفكير محدوداً.
لم تعد تحلم بالجدران بل بأيّ شيء كان يقبع ورائها، ألغاز لم تستطع البدء في تخيلها بعد الوجود المحدود الذي تعاملت معه لفترة طويلة. لقد تحفزت، لقد أُسرت، لقد كانت جائعة إلى حد ما للدفع قدماً إلى كل ما كان تالياً ولم ترغب في شيء أكثر من تحقيق ذلك، تجهد بكل ما تملك لتحريرها ثانية واحدة أسرع. إنّ الكشف عن المزيد قد أعاد صياغة سياق وجودها برمته. طالما بقيت، تعاني في مللها، لم يكن ذلك سوى الجزء الأول من وقتها وباتت مستعدة تماماً للاننتقال إلى الجزء الثاني، إلى المجهول العظيم الذي كان في انتظارها.
طاق! أياً كان ما كانه للتو فقد كان شيئاً جديداً أيضاً، لكنه جاء مع التقدم بينما تحطّم المزيد ضدها ووجدت نفسها مضطرة للتوقف، فقط لتستوعب تلك التجربة الجديدة. مع وجود هذا القدر من الجديد الذي يحيط بها بالفعل، احتجت إلى تقدير كل قطرة تستطيعها وأجبرت نفسها على الانتظار لترى إن كان سيحدث مرة أخرى. كان إدراكاً من نوع مختلف، ليس اللمس الذي بدأت تحبه، ولا الرؤية غير التامة وهي تتطلع إلى الهاوية اللانهائية وراءه، بل شيئاً آخر بدلاً من ذلك.
شيئاً لم يكن يكرر نفسه مهما انتظرت لذا استسلمت في النهاية، عائدة إلى الدفع. طاق! مرة أخرى تجمدت، آملة في المزيد من الشيء الجديد ولكنها لم تحصل عليه حتى بدأت فكرة تتكون ببطء في أفكارها. لقد اختبرته أثناء الدفع في المرة الأخيرة وحصلت عليه مرة أخرى عندما بدأت، فهل كان الاثنان مرتبطين؟ انتظرت لفترة أطول فقط للتأكد قبل وضع الفكرة موضع الاختبار، لتتحصل فوراً على النتيجة التي تاقت إليها بينما خرج صدع آخر، نابضاً إلى الوجود مع التكسرات الكبيرة التي بدأت تملأ الجدران، مما أجبرها على الاستمرار بينما دفعت نفسها أبعد فأبعد، مستمتعة بكل ثانية أكثر من أيّ جزء آخر من وجودها حتى ذلك الحين، ليتوج كل ذلك بتغيير أخير، عدم الحصول على المزيد من الشقوق بل تحطم استجابة لجهودها.
جدران عالمها تتداعى والمخلوق في داخلها حر أخيرًا.