لم تتاح الفرصة للسيّد العظيم ليعترض، فقد جَرَّته إمبر والدة إنسيا خلفها بينما كانت هي وثيرا تتجاذبان أطراف الحديث، وتستمتعان بنوع الحديث العابر الذي توقعته ثيرا أصلاً عند لقاء والدي صديقتها بينما كانت الفتاة تتلفت لا حول المدينة فحسب، بل البوابة ثم أنايليا أيضاً وهما يعبران فيها كلها، متأملة المناظر الجديدة مع روكي قبل أن يصلا أخيراً إلى وجهتهما. لم تجد صعوبة في دخول منزل عائلتها، ولم تواجه أي مشكلة في العثور على والدها الآن بعد أن عاد أخيراً من مساعدة العم فالك.
كانت تسمعه يتدرب في الخلف ووجدته برفقة كارلي وجلوب، وكبدا المستدعَيَان منهَكَين تماماً جراء ما أخضعهما له، ومعهم خالتها أيضاً، حيث كان كل من الروحين الضوئي والظلامي يؤديان دورهما في محاولة دفع الاثنين إلى أفضل لياقة ممكنة حتى بدا وكأنهما لاحظاهم جميعاً دفعة واحدة، فالتفت كل منهم نحو جهتهم وهرعوا نحوهم متجاهلين تلاميذهما.
قالت لوكس بصوت يقطر غضباً مخاطبة إنسسديس: "إذاً لقد فعلتها حقاً".
ودون حتى الحاجة لقول ذلك، كان جلياً في أعين كل الأسيادة العظام ما تكونه إنسيا، فقد استطعن استشعار ذلك في طاقة الفتاة السحرية بطريقة لم تصدر عن نصف الروحين البشريتين، ثيرا وسيرين، حقيقة أنها قائمة على الطاقة السحرية الخالصة جعلت الأمر أكثر وضوحاً بكثير. وكان واضحاً أن لديهن الكثير قلنه أيضاً، إذ شعرت كل واحدة منهن برغبة عارمة في القتل بطريقة جعلت روح النار العظيم ينكمش للوراء، ولكن في محاولة لضمان ألا تتكون لدى إنسيا فكرة سيئة عن عائلتها حديثة العهد بسبب رغبتهن الشديدة في معاملة والدها، تحدثت ثيرا محاولة أن تبدو إيجابية.
قالت: "جميعاً، يبدو أن العم إنسسديس لديه ابنة! أيمكنكم تصديق أننا لم نلتقِ بها بعد؟ هذه إنسيا. إنسيا، هذا عمك أبروس وخالتاك لوكس وفونا! دعونا نحاول جميعاً ترك انطباع جيد لدى بعضنا البعض، أليس كذلك؟".
أجبرت حقيقة أنها هي من بين كل الناس تقول ذلك الآخرين على الهدوء نظراً لمعرفة الجميع بمدى كراهيتها لعمها، لتكون لوكس مجدداً الأولى في الكلام.
قالت: "يا لهوي، أين أخلاقي؟ أهلاً أيتها العزيزة، يسعدني جداً لقاؤك. أظن أن هذا كله يبدو مفاجئاً للغاية".
ضحكت إنسيا وقالت: "مم، قليلاً".
قالت: "بالطبع هو كذلك. لما لا نتجه جميعاً إلى الداخل ونتبادل أطراف الحديث قليلاً؟ يمكنكِ مقابلة ابن عمكِ الآخر أيضاً. عائلتنا تزداد حجماً بالتأكيد".
سأل إنسسديس: "ابن عم آخر؟"، ليتلقى نظرة غضب بالكثير من الكتمان رداً عليه.
قالت: "لقد حدث الكثير بينما كنت تتجنب الجميع. يمكننا الحديث عن ذلك لاحقاً. كارلي وجلوب، تبدو أنتما الاثنان وقد حصلتما على بقية اليوم كإجازة".
لم يرد الاثنان اللذان كانا على الأرض لكن قلوبهما امتلت بالامتنان لأي شيء شغل الأرواح عنها.
هتفت بالينيا بعد أن سُحبت من اجتماع لتعريفها ببقية الحشد: "يا للهول، أليست ألطف مخلوقة في الوجود!"
وتولّت مع ريت مهمة مراقبة إنسيا وإلهاء ريثما تتعرّف إلى ابنة عمّها الأصغر سنّاً بكثير، بينما وقف كل من ثيرا وإمبر والأرواح العظيمة جانباً يتحدثون، محبِطين غيظهم بما يكفي لئلا يبدو جلياً مدى رغبتهم في تمزيقه أرباً.
تمتم أبروس بوعيد: "إذن فعلتها حقاً، أنجبت طفلاً حقاً."
سألت فونا بوضوح: "كنت تعلم؟"
"كنا نشك في ذلك، وما كان ذلك ليُعد سيئاً بحد ذاته، لو لم نكن نعرف السبب أيضاً."
"...من أفشى الأمر؟"
أجابته ثيرا: "أنا، سمعتكم تتحدثون عن الأمر عندما كنت أصغر سنّاً. أنت حقاً... إمبر، هل تعلمين لماذا أنجب طفلاً منك؟"
قالت الجنية بإشراق: "أوه، لم أعرف إلا بعد ولادتها بقليل. حين قلت إن رغبتي في قتله هي أشبه شيء بالطبيعة، كنت أعني ذلك حرفياً."
"يا عزيزتي..."
"اخرس أنت، الباقون منا يتحدثون."
سألت ثيرا: "إذن لماذا ما زلت معه؟ لقد فات الأوان الآن، لكنني أظن أنه كان سيكون خياراً أفضل لو تركته وحدك وربّيت إنسيا دونه."
مع ذلك، ظلّت عاجزة عن تخيُّل السماح له بالاقتراب من إنسيا إن استطاعت تجنب ذلك، وكل ما احتجته هو إيجاد طريقة سليمة لضمان عدم تمكنه من فعل ذلك مجدداً ودون كسر قلب الفتاة الصטيرة. كان قتلها له مباشرة أيسر بكثير لو ساعدتها الأرواح العظيمة الأخرى، غير أن ذلك الخيار لم يعد مطروحاً على الطاولة. لكن وأثناء تفكيرها في تلك المعضلة، باغتها جوابه بصدمة.
قال إنسيديس مطأطأ الرأس: "لقد كنت مخطئاً، حين وُلدت شرحت الأمر لإمبر بعد أن أدركت عجزي عن فعله بمفردي."
"...ماذا؟"
قالت إمبر ويبدو عليها سرور مزعج وهي تستذكر النتيجة: "بتعبير أدق، أصيب بانهيار عاطفي. لم أكن متحمسة تماماً، لكن فارق المانا منعني من قتله، وقد هدأ بشكل ملحوظ بعد ذلك فسمحت له بالبقاء تحت التجربة. وبما أنه لم يكن ليتراجع عن قراره، لم يكن هناك سبب للتخلص منه."
قال بخنوع وهو يجبر ثيرا على النظر حقاً إلى عمها: "يا عزيزتي، لقد بذلت قصارى جهدي للتعويض عن ذلك."
في صباه، بدا لها دائماً مبالغاً فيه وصاخباً، لكن ليس الآن. بدا الآن كأطلال لشخصه القديم، وقد تلاشت كبرياؤه وشغفه ليحل محلها سلوكه الجديد الأكثر هدوءاً.
سألت للتأكد: "إذن لن تجعلها تقاتل؟"
لتكون إمبر هي من يجيب ضاحكة لمجرد الفكرة: "إنه بالكاد يجرؤ على السماح لها بالتجول وحدها في محيط منزلنا. الروح العنيف الضخم تحول إلى شخص وديع للغاية فور ولادة ابنته. وبصدد الحديث عن الحجم، إلى متى تنوي البقاء على هذه الهيئة؟"
"آه، آسف."
أمام أعينهم، انكمش عمها ليعود إلى الحالة التي رأته عليها للمرة الأولى، تاركاً إياهم مع تساؤل عن الوجهة التالية. لم تكن تحبه بعد، لكن بدا أن إنسيا لم تكن في أي خطر حقيقي مادام بقواربه، مما خفّف من دوافعها القتالية. نظرياً كان كل شيء على ما يرام، غير أن الموقف بأكمله ظل يزعجها.
"حسناً، يسرني سماع أنكم لم تعودوا ترغبون في ققتلَي. يا جحيماً بلا نهاية يا أبروس، متى أصبحت ابنتك مرعبة إلى هذا الحد؟ إنها تشبهك أكثر من اللازم حين تغضب."
ضحك قائلاً: "أعطتك درساً قاسياً، أليس كذلك؟"
ولم يتوقع ما ردّ به إنسيديس.
"دريساً قاسياً؟ ظننت حقاً أنني هالك! كان الأمر مرعباً!"
أذهل الجواب الأرواح الثلاثة الأخرى. لقد علموا أن ثيرا باتت قوية للغاية بحلول تلك اللحظة، لكن ما كان ينبغي لها بلوغ هذا الحد المتطرف، فرمقوها بنظرات متسائلة شرحتها هي باستياء.
"للأسف، لم يكن ليهلك على الأرجح، فالفارق في المانا والمهارة العامة بيننا لا يزال شاسعاً. لكنه يمنحني غاية أعمل من أجلها على أي حال."
أدركت أنها منخفضة للغاية في مانا الخاصة بها، أو منخفضة للغاية بالنسبة لنفسها على الأقل وليس كساحر نموذجي، ورغم شعورها بوجود أمور أخرى كان بإمكانها تجربتها، فمن المرجح أنها لم تكن لتجدي نفعاً كافياً لتمنحها القتلة التي أرادتها. إضافة إلى ذلك، ما كانت الأمور لتسير بهذا اليسر لو حاول الرد بجدية منذ البداية، لكن هذا يعني فحسب أن عليَّ التحسن. سأحتاج إلى تنمية مانا الخاصة بي أكثر، ومن هناك أرفع سحري عديم التقارب قليلاً، وإلا...
تمتمت بينما بدا على عائلتها الذهول: "اسمعوا، لقد اعتذرت، فهلّا تتوقفون عن التفكير في كيفية قتلي مستبقاً؟"
"يبدو أن أول ما يجب فعله هو معرفة كيفية عدم التحدث بالمانا عن غير قصد."
سأل والدها بحماس: "انتظري، كنت تفعلين ذلك، أليس كذلك؟ دون تحريك شفتيك إطلاقاً! إنه لأمر رائع يا عزيزتي!"
"ليس رائعاً حقاً لكنني سأعمل على ذلك لاحقاً. حسناً إذن إنسيديس، لقد نجحت في أن تصبح أقل حقارة على مر السنين لذا أظن أن هذا جيد، لكن لدي سؤال واحد على الأقل لك. هل أنت السبب في عدم وفاق الجنيات الأخريات مع ابنتك؟"
بناءً على إجابته، كانت مستعدة لاستهلاك ما تبقى من مانا الخاصة بها لتقتات من خاصته، فقط لمواصول إخافته مجدداً، لكن إمبر هي من تولت الشرح وقد بدا الحزن على محياها.
"آه، يمكنك القول إنه خطؤنا معاً. بما أنك تفاجأت بشأنه، أظن أن إنسيا لم تذكر اسم عرقها؟"
"لا. أليس مجرد هجين بين جنية وروح أو ما شابه؟"
"كنت لتظنين ذلك، لكن لا. إنها جنية نار عظيمة، وتملك هي الأخرى سحر جنية نار عظيمة. ومع امتلاكها لكمية مانا تفوق بقية منا بكثير، فقد خلق ذلك وضعاً معقداً حيث لا يدركون كيف يتعاملون معها."
"ماذا، ولماذا يُعد ذلك مشكلة؟ أي جنيات التقيت بهن وتطابقن مع تقاربّاتي يبدون وكأنهن يعشقنني بسبب القوة التي أمتلكها؟"
"يمكنك اعتبار ذلك اختلافاً في المنظور. تبدين كجنية في بعض النواحي لكنك لست جنية. أما إنسيا فهي جنية لكنها لا تبدو كواحدة. حين يتساوى بقية عرقنا في القوة، فإن حقيقة امتلاكها لهذا الكم الهائل من المانا ومستوى مهاري فطري يضعها فوق كل ما يمكن لأي منا فعله، يجعلها تبدو مرعبة للآخرين."
جزّت ثيرا على أسنانها لسماع ذلك، إذ لم يعجبها الجواب، ولا حقيقة غياب حل واضح لوحدة الفتاة. ظلت مسألة تعجز عن المساعدة فيها، حتى مع تبني خالتها منظوراً أكثر تفاؤلاً.
أمرت لوكس ببساطة: "حسناً، إن لم تكن تنسجم مع الجنيات فسيتعين عليك جلبها إلى هنا. يبدو أن لديها الكثير من العائلة، ويمكنها الاستمتاع بصحبتنا إن لم يكن هناك من استعد لمنحها شيئاً من وقته."
استسلم إنسيديس: "سأحعل... سأحرص على المجيء معها كل أسبوعين. معك حق، سيكون ذلك مفيداً لها."
"إذن لا تكن مزعجاً هكذا. لسنا بعيدين جداً، تعال مرة كل يومين على الأقل. سيكون أمراً جيداً لسرين أيضاً إن سنحت له فرصة بناء علاقة طيبة مع ابنة عمّه."
"لا يمكنني الحضور بهذا الكم يا لوكس، فلدي عمل أؤديه أيضاً كما تعلمين."
تنهدت فونا: "إذن دعها تزورنا وحدها. حقاً، ما هذه الضجة الكبرى؟"
"الضجة الكبرى؟ ماذا لو ضلت طريقها؟ ناهيك عن أنها تملك جسداً حقيقياً. لست بحاجة لإخباركم بما يعنيه ذلك!"
إنها مكون محتمل لأي شخص عديم الضمير. لولا أنها وبن صادفا للتو شخصاً يحاول استخدام شخص لصنع جرعات، لظنّت أن عمها مبالغ في قلقه، لكنها لم تستطيع قول ذلك الآن. وحتى لو كانت الفتاة تمتلك مستوى طاغياً من سحر النار، لظلت ثيرا قلقة بشأن عبورها شبكة البوابات وحدها، لكن الأفكار ذاتها منحتها إجابة تعمل بها.
"حسناً، علينا فقط التأكد من عدم اضطرارها لقطع كل تلك المسافة. أمر سهل. يا أبي، تعال معي، سنعود فوراً."
دون انتظار للرد، سحبت والدها خلفها وعادت نحو البوابة لجلب الشخص الذي عرفت أنه سيكون قادراً على صياغة حل بسيط لمشاكلها.