الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 530 — منظور ثيرا

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 530 — منظور ثيرا باللغة العربية على مانجا تايم.

في صباح اليوم التالي، قصدت تيرا المكان عينه الذي اعتادت لقاء إنسيا فيه طوال مدّة بقائها، غير أنّ تغييراً واحداً حيد بهذا اليوم عن المعتاد. فبدل الجنية التي نوَت رؤيتها، وجدتها جنّيّات الأرض. كانت تعلم بوجود بعضهنّ هناك، تماماً كجنّيّات النار، لكن طوال المدّة التي أمضتها عند البركان، ظلّت تلك مرّتها الأولى في رؤيتهنّ. حين حدث ذلك، لم تقترب منها واحدة أو اثنتان. هجمَت الجمع غفيرةً في الحال.

لم تدرِ أواحدة رأتْها فأخبرت البقيّة، أم صدف وجود مجموعة كبيرة بالقرب، لكنّ الهواء غدا فجأة مكتظّاً بما لا يقلّ عن مئة منهنّ، يطفرن حولها ويتحدثن معاً. بدت تيرا في أعينهنّ جنّيّة عملاقة، ممّا طغى بفضولهنّ عليها.

قالت بمدّ ذراعها ليقفن عليها وبنبرة لطيفة: "أهلاً، أهلاً. سررت بلقائكنّ أيضاً. رغم مظهري، لست جنّيّة".

حتّى لو بدا احتمال سوء التفاهم هنا أقرب للعقل ممّا مع جنّيّات الحياة. كنّ جميعا ذوات أجساد مادية، شأن أيّ جنّيّة أخرى، وتشكّلت كلّ واحدة منهنّ من أنواع مختلفة من الحجر، باهيات الصّقل كلّما انعكست الشمس عليهنّ. وحين بدت هي نفسها كأنّها صُنعت من الرخام والذهب، تعذّر إنكار الشبه بينها وبين الحائمات حولها، حتّى لو كان مانا الخاصّ بها هو ما جذبهنّ وأثار فضولهنّ لا مظهرها الجسديّ.

بما أنهن كن هناك، خصّصت وقتاً للحديث والمؤانسة، معرّفة بنفسها وموضحة أنها ليست واحدة من بني جنسهنّ، قبل أن يسترعي انتباهها أمرٌ ما. فما زالت إنسيا متخلّفة عن الحضور. لم تتأخّر جنّيّة النار الفتيّة قطّ متى واعدتا اللقاء، بل كانت في الغالب تسبق موعدها، لكنّ الدقائق تصرمت ولم تفصح عن نفسها، ممّا دفع تيرا لالتفات بصرها حولها. وجدتُك. وشوش وميض أزرق هادئ من خلف صخرة، ليهديها مكان اختباء الفتاة وليعُلِمها بأنّ آن أوان ختم دردشتها الخفيفة مع البقيّة.

"عذراً، لا أستطيع الإطالة في الحديث الآن، فلي وجهة يجب أن أبلغها إن لم تمانعن".

كنّ مهذّبات بالقدر الكافي وطفن مبتعدات بناء على طلبها، رغم أنّ بضعاً منهنّ تعمّدن الترفرف خلال شعرها قبل رحيلهنّ، ممّا ترك لتيرا متّسعاً لشقّ طريقها نحو صديقتها.

"أتوجد سارة لاختبائك هنا؟"

"أوه، تيرا، مرحباً!"

هTفت الفتاة مذعورة، متصنّعة وكأنّها لُבِست بالجرم المشهود.

"لم أفطن لوجودك، أظنّني شردت".

هذا غير سليم بتاتاً. ظلت تفكر، محاولة كتم قلقها عن نفسها، حتّى حين تفطّنت الأخرى له.

"حقّاً، لا شأن يعكر الصفو. شردت قليلاً فحسب. آسفة لتأخري".

قالتها ضاحكة، وإن بدت كذبة سافرة، لكن تيرا غضّت الطرف. لقد التمس منها روكي إرجاء الخوض في الأمر، وما كان الأمر ليخلو من تفهّم تامّ منها. لم تكن الوحدة أو النبذ لتكونا محزنتين فحسب. بل ربّما بلغتا مبلغ الإحراج، دافعتين المرء للتساؤل عمّا يقترفه من خطأ أو لمَ يعجز عن الانسجام مع الآخرين، لا سيما لأمور خارجة عن إرادتهم. كان أمراً تعيه تماماً ولا تبتغي الضغط فيه، فعدّلت دفّة الحديث عوضاً عن ذلك.

ليحسن بن ترويض أولئك الثلثة وإلا بدا وكأنني سأعرّفهنّ إليها حقّاً.

"لا تشمي همّاً. في الواقع، بما أنّ غدًا سيكون يومي الأخير هنا، تساءلت عن شعورك تجاه النزول إلى المدينة لأجله؟"

سألت.

"لدى بن طلّاب ليودّعهم هو الآخر، وحتى لو عما قريب سأعود فستكون فرصة طيبة لتلتقين بهم جميعاً".

حاولت صبّ جلّ تركيزها على تأكيد عودتها للزيارة تفادياً لتكدير مزاج الفتاة أكثر ممّا قد يكون عليه، لكنّها بدت طافحة بالحماس لدى طرح الفكرة.

"أحقّاً؟ يبدو الأمر ممتعاً للغاية، بالتأكيد! أوه، لكنّي بحاجة لمحادثة والداي بشأنه، لكنّها في الحقيقة فرصة رائعة على أيّة حال! إن كنت ستضمنين زيارتنا فعليك معرفة مكان دالّ عليّ. تعالي، سأريك منزلي!"

كانت تلك إحدى جوانب الحياة عند البركان ممّا لم ترَه بعد وغلبتها حيرتها تجاهه. عاينت شتّى أصناف الجنّيّات بحلول ذلك الحين لكنّها لم تشهد ق قط كيف يعشن وتبعتهنّ بغبطة لاكتشاف ذلك، متّجهة نحو بقعة مغايرة لم تطأها من قبل، خارج المسارات المعلّمة مجدداً.

"سأضيف تذكرة صغيرة هنا لتحذيري من أيّ حفر محتملة في الأرض أرجوكِ"، التمست منهما معاً.

تكرر لجوء روكي لاعتبارها جنّيّة حتى لم يأخذ جسدها البشريّ بعين الاعتبار إلى جانب اعتياد إنسيا عدم التعامل مع البشر العاديين إطلاقاً، ممّا جعل التذكير أمراً لا ضرر منه، حتّى لو بدا وكأنّه لم يشكل قلقاً حقيقيّاً في تلك اللحظة.

"أوه، لا داعي للقلق، نحن نسكن في منطقة آمنة بالنسبة لكم. يمرّ أناس من المدينة بين حين وآخر، نحن فقط لا ندعها مُعلّمة لكي لا يشقّ أحدهم طريقه نحوها عبثاً. وحين تكونوا بهذا الحجم، يكفي حادث واحد لتحطيم منزلنا".

"سأبذل قصارى جهدي لأكون حذرة".

مع ذلك لم ترَ شيئاً يشبه منزلاً، ولا جنّيّات أخريات في المحيط. إن وُجد شيء فهو هدوء مريب، لكن روكي تدخّل للإجابة عن هواجسها دون تكبّد سؤالها.

"الجنّيّات الأخرين يعشن في منطقة مختلفة"، شرح بهدوء.

"هكذا تسير الأمور فحسب".

أفيأتي الزوّار قصداً لرؤية عائلتها؟ تساءلت تيرا. لست متأكدة حقاً إن كان لديهم هيكل تراتبي، أتراقب والداها ذوي شأن في مجتمعهم؟ كان تساؤلاً لم يتأتَّ لها طرحه. فبينما حلّقت إنسيا في المقدمة، هرعت نحو ما بدا بكل المقاييس حصيرة من الأعشاب المنسوجة فرفعتها جانباً.

"هذا منزلي! لا يسعني دعوتك للداخل تماماً، لكن — أوه، أبي! جيد، أنك هنا، اخرُج والتقِ بصديقتي!"

"أوه، أهي تلك التي تحدثتِ عنها آنفاً؟"

نطق صوت متوتّر لكنّه مألوف بطريقة غريبة من الداخل.

"أم، ربما في وقّت آخر، شُعلتي الصغيرة، أنا لستُ في —"

ابتلع ما همّ بقوله إثر سحب الجنّيّ إلى الخارج قسراً بواسطة ابنته، ليتجلّى للعيان. لم تكن تيرا متأكدة ممّا كانت ترتقبه، لكنّه بدا بكل المعايير جنّيّاً عاديّاً، لم يشارك إنسيا زرقتها بل طغى عليه احمرار معتاد، رغم أنّه بدا شاحباً بعض الشيء حين وقع بصره على تيرا. لم تكن تدري مكمن العلة، لكنّها ظلت راغبة في بذل وسعها لترك انطباع حسَن، فأومأت برفق وألقت تحية ودود.

"أهلاً بك، أنا صديقة ابنتك. سررت بلقائك".

"أم، ماذا؟ آه —"

"من الرائع وجودك هنا الآن يا أبي"، أخبرته إنسيا ريثما انشغل الجنّي الآخر بالارتباك.

"غداً هو يوم تيرا الأخير في المدينة وهي تتساءل إن كان بإمكاني النزول معها لليوم لنودع بعضنا وأنا أعلم أنك لا تحبذ ذهابي بمفردي لكني سأصحب روكي أفأذهب أرجوك أرجوك؟"

"أم، يا للهول، شعلتي الصغيرة، أظنّني بحاجة لمحادثة صديقتك قليلاً أولاً، حسناً؟ أتظنين بإمكانك الذهاب للبحث عن أمك لبضع دقائق ريثما نتجاذب أطراف الحديث؟"

"أبي، سيكون الأمر على ما يرام".

"متأكد من ذلك، لكن أرجوكِ؟"

"لا بأس، إنسيا"، خاطبتها تيرا.

"إن لم تكن الفكرة تروقه بعد الحديث معي فنحن عائدون إلى هنا وحسب، اتفقنا؟"

"حسناً، أظن ذلك. لكن يا أبي، إياك وقسوة المعاملة مع تيرا! تعالي يا روكي".

تسابق الاثنان في الأفق، باغين العثور على والدتها، سواء لتعود سريعة أو لتجد من تجادل والدها معه في حال بقائه معارضاً لنزولها المدينة، ممّا خلّفهما بمفردهما على عجل لتبذل تيرا جهدها في ترك انطباع جيّد، حتى حين بدا الجنّي مضطرباً على غير العادة. يبدو قلقاً أكثر من اللازم حقاً. أمن مانا الخاص بي؟

"أوه، لا، أنا بخير"، أجاب، ممّا أمعن في حيرة تيرا وتأزيمها مع استرساله.

"أهـ، لكن مضى وقت طويل فعلاً، أليس كذلك؟ أم، لقد كبرتِ حقّاً، أليس كذلك يا تيرا؟"

"آسفة، أالتقينا من قبل؟"

شعرت بأنّها كانت ستتذكر ذلك لو حدث، لمجرّد أنها لم تعتقد قطّ أنها صادفت جنّيّة نار قبل بلوغها ذلك البركان. لكنّ صوته مألوف بعض الشيء. ظلّ هناك احتمال قدومه إلى أنايليا مستقبلاً حين كانت أصغر من أن تتذكر. وإلى جانب والدتها، حظي والدها بالكثير من الزوار بنفسه وبصفته عضواً نظيراً في فصيلة قائمة على المانا فلم يكن مستبعداً لقائهما، لاسيما إن صابت ظنونها حيال كونه أو والدة إنسيا شخصيتين بارزتين بين الجنّيّات، لكنّ تلك التساؤلات تهاوت جميعها حين لاح بارق إدراك في محيّاه.

"حقّاً، بالطبع، لم تريني على هذا النحو"، خاطبها، قبيْل أن يتبدل شكله، متحولاً ونامياً، محتفظاً بلون لهيبه لكن مسقطاً إياه على جسد بدا كشيطان إغواء جبار، لتمتلئ عينا تيرا بالصدمة والغضب لدى معاينة الهيئة الجديدة.

"أهلاً بك مجدداً يا تيرا"، نطق عمها، روح النار العظيم إنسيديس.

"أكنتِ بخير؟"