وقعت الثلاثة تحت وطأة قوة ساحقة لم يعتادوا الشعور بها في حضرة نار. كلما صعد أحدهم إلى هناك في الماضي، كان هناك دائماً شيء ما، كان من الصعب الإفلات من سطوة مَلِك جبار، لكن ليس إلى هذا الحد من قبل، إذ لم يكلف نار عناء محاولة كبح جماحه حتى وهو يطيل النظر إليهم بصمت، متأملاً من أين يبدأ. مرت بضع دقائق أخرى فقط حتى بدأ شعور السيادة ينحسر، وإن لم يكن ذلك ناتجاً عن تحسن في مزاج المَلِك، ولم يجرؤ أي منهم على التكلم بينما كان غضبه لا يزال جلياً، فتركوا ينتظرون ما سيفصح عنه.
قال: "زاليث، أنت رئيس كهلتي، أليس كذلك؟"
بدت الكلمات باردة رغم هيئته الشبيهة بالحمم، مما جعل زاليث ينكمش على نفسه.
قال: "أنا كذلك، يا سي إدي."
قال: "إذن لماذا لم يُعامَل شخص دعوته شخصياً بأقصى درجات اللطف؟"
قال الكاهن دفاعاً عن نفسه بضعف، متعثراً في كلماته مع كل خطوة: "أنا، لقد سمحت لتقديري أن يغيم. لكن بالطريقة التي رأيته يعامل بها إينث-"
قال: "أَتعبُد إينث أم تعبدني؟"
لم يكن سؤالاً، فقد عرف كلاهما الإجابة، لكنها ضربت زاليث كصفعة مع ذلك.
قال: "أنت! أنت بالطبع!"
قال: "إذن لا يهم إطلاقاً كيف يعامل الملوك الآخرين مادام يحظى بموافقتي. ورغم أنكم لا تتعلمون منه، فستوفرون له سبل الراحة طوال ما تبقّى من وقته هنا، أأنا واضح؟"
كل ما استطاع الكاهن فعله هو الإيماء، فقد استقر في داخله رعب عميق وحارق لإثارة هذا النوع من رد الفعل من المعشوق الذي يعبده، وهو رعب استشعره المَلِك قبل أن يوجه خطابه إلى التالي منهم.
قال: "زيلي... بصراحة لا أعرف من أين أبدأ معك."
سألت دفاعاً عن نفسها: "ومن يموت بسبب جرح في الساق؟ لقد كان الأمر لا يصدق بتاتاً."
قال: "هناك عدد لا يحصى من بنيات الأجساد في هذا العالم. أنتِ معالجة وساحرة أيضاً، فإذا قال أحدهم إنه سيوت، فستعملين على علاجه، بلا أسئلة. حتى لو لم يكن ليوت، لم تكن تلك إصابة بسيطة. كان عليك مساعدته بغض النظر عن ذلك."
صمتت عند ذلك، فاتحة المجال لتنهيدة أخرى تفلت من نار.
قال: "بصراحة، هناك الكثير مما أود قولة حول كيف كنتم تعاملونه طوال فترة وجوده هنا، لكن لسوء الحظ، فقد حيرني الأمر بقدر ما حير أي شيء آخر. حتى لو كان متعدداً للزوجات، فَلِمَ قد يكون ذلك فظيعاً إلى هذا الحد؟"
قالت: "أعتقد أنه مجرد إرث من عالمي الأصلي."
قال: "وهذا ما يسبب لي أكبر قدر من المشاكل في الفهم. أرى أن لديك أفكارك حول زواج صديقتك، لكنها ليست حتى الوحيدة من جنسك التي تدخل في مثل هذه العلاقة. هناك مغامر واحد على الأقل يعمل في فرقة تتكون بالكامل من محبكاته، وربما أكثر أيضاً، لكنني لم أبحث بعمق بما يكفي لأتأكد."
قالت: "هذا مستحيل!"
قال: "أؤكد لك أنه ليس كذلك. يبدو أن بعض الآخرين كانوا أكثر استعداعاً لصنع الحياة التي يريدونها بدلاً من البقاء مقيدين بتقاليد أراضيهم القديمة."
صمتت عند ذلك، مفكرة في الشخص الذي يقصده نار تحديداً ومتعاملة مع مشاعرها إزاء هذا الكشف، مما ترك المَلِك يركز على الأخيرة منهم.
قال: "ناتي، بصراحة لا أعرف ما أقوله لك الآن. لا أستطيع أن أكون أكثر خيبة أمل."
قالت: "جدي، أنا-"
سألها وبصوته ألم: "أترينني صغيراً إلى هذا الحد؟ أترينني حقاً ممن قد يحاولون توفيق رأسين، لمجرد رؤية ما سيحدث؟ أهذا هو نوع الشخص الذي أظهرته لك على مدار السنين؟"
لم تستطع الإجابة، جاهلة بما تقول، فانصرف تركيزه عنها ليوجَّه إلى الثلاثة مجتمعين.
قال: "لست متأكداً إن كنتم قد لاحظتم ما تحدثنا عنه سابقاً، لكن يمكنكم اعتبار أنفسكم محظوظين وغير محظوظين في آن واحد لأن بن يملك ما يكفي من الاهتمام ببقاء العالم ليواصل تعليمكم طوال الوقت المتبقي الذي اتفقنا عليه. ستتعلمون جميعاً بأي وسيلة يراها مناسبة. لا تنتظروا تجربة ممتعة، لكني أضمن لكم عملياً أنكم ستخرجون من أي شيء سيخضعكم له متعلمين في الأسبوع القادم أكثر مما قد تتعلمونه في الشهر القادم لولا ذلك. إن قال افعلوا شيئاً فستفعلونه، الأمر بهذه البساطة."
نجحت زيلي في السؤال، لكونها الوحيدة التي تملك المتسع العاطفي لذلك: "نار، لماذا تثق به إلى هذا الحد؟ لقد كان هنا بقدر ما كنت، كيف يمكن أن يكون مذهلاً كما تصوره؟"
لم تستطع كل من ناتي وزاليث السؤال، إذ أثقلتهما مشاعر نار كثيراً، لكنه كان سؤالاً يثير فضولهما أيضاً. لم ينكرا أن بن يعرف أشياء لا يعرفانها، لكنهما لم يريا سبباً لجعله الشخص المسؤول عن التدريب بدلاً ممن علمه هو، ولا لماذا يبدو نار وكأن يضع كل هذا الإيمان في الصبي.
سأل نفسه: "لربما سارت الأمور بسلاسة أكبر لو شرحت تاريخ الصبي عندما أعلنت لأول مرة عن وصوله، ولكن من ناحية أخرى، لماذا قد أظن أنني بحاجة لذلك؟"
ثم تابع: "لكن حسناً، إن كان هذا سيساعد في تهدئة الأمور فليكن. زيلي، رغم أنني لا أفضّل شخصياً تصنيف الناس، إلا أنني لا أعتقد أنه سر بين المستدعين المختلفين أن بعضهم يُعد أقوى من البعض الآخر. من الواضح أنه من بين المئتين الذين حصلنا عليهم، يوجد خمسة بلا شك في القمة باعتبارهم حملة مهارات من الفئة الثالثة، ولكن أين ترين نفسك مقارنة ببقيتهم؟"
قالت: "أمم، في المنتصف نوعاً ما أخمّن؟"
قال: "أنت متواضعة جداً في هذه الحالة. مع خمس مهارات مباركة ومستيقظة، وجميعها مجموعة واسعة من السحر الذي قد يكون له تطبيقات مختلفة للحرب، فإن أي مَلِك سيحكم عليك سيضعك بالقرب من القمة عند وصولك. أما معلمك الحالي من ناحية أخرى، فقد جاء إلى هذا العالم في المركز الأخير بين المستدعين. لا داعي للمقارنة، لقد كانت حقيقة لا غبار عليها."
قال نار مقاطعاً إياها: "إذن لماذا-"
ثم تابع: "الفرق يكمن في مسألة مهارة تتجاوز ذلك. لن أتحدث عن مهارات الصبي، ولا عن إنجازاته منذ مجيئه إلى العالم. إن أردت معرفة ذلك فاسأله بنفسك، رغم أنني أشعر -نظراً لكل تصرفاتكم- أن هناك احتمالاً ضئيلاً بأن يخبركم، لكني أقول إنه بجهوده الخاصة، قد رفع نفسه بطريقة من شأنها أن تغير نظرة أي مَلِك إليه مقارنة بالآخرين. وبينما لا أستطيع التحدث نيابة عن بقية أبناء جنسي، فإنني شخصياً أضعه ضمن الخمسة الأوائل عند مقارنته بأي من المستدعين الآخرين. الحصول عليه كان نعمة للعالم، هكذا أقدره عالياً. أَتفهمون جميعاً؟"
الخمسة الأوائل. كان من الصعب عدم إدراك ما يعنيه نار بذلك بالنظر إلى كل ما قله. ففي تقديرات المَلِك، وضع ذلك بن فوق واحد على الأقل من حاملي مهارات الفئة الثالثة، وربما أكثر. كان من الصعب تخيل ما يمكن أن يكون قد فعله ليكتسب هذا النوع من التقييم، لكن ذلك جعل أمراً واحداً أكثر وضوحاً. لقد كان المَلِك يرفع شأن بن عالياً، وبشكل مثير للسخرية، ولم يكن أي منهم يعكس ذلك الموقف ذاته.
قال: "هناك المزيد مما أود قوله، لكن يبدو أنه ينتظر البدء بتعليمكم بجدية لذا سننهي حديثنا هنا للآن. لا تساورنكم أي شكوك، فهذه ليست آخر مرة سنتحدث فيها عن تصرفاتكم، فالعقوبات مجرد مؤجلة لحين انتهاء دروسكم. والآن اذهبوا وابذلوا قصارى جهدكم وحاولوا ألا تجلبوا المزيد من العار إلى اسمي."
دون كلمة أخرى، طُرد الثلاثة من عالمه، عائدين إلى العالم ليواجهوا وجه بن المبتسم.