بدأ: "صباح الخير جميعاً"، كما اعتاد كلما التقى طلابه ليبدأ يومه، مستشعراً كل ثانية تبقّت له من عمره.
إن وُجد شيء واحد أثبته أسبوع من التدريس، فهو أنه عمل جافّ محبط للروح. اعتذر في سرّه لكل معلم تجاهله قديماً ليركّز على رسمه، فيما كان يستعد ليوم جديد من الدروس بعد أن أُجبر على وسائل تعليمية متواضعة لتلبية رغبات طلابه، إلى أن فاجأه تغيير صغير مفرد. تلقى رداً حقاً.
قالت ناتي: "صباح الخير"، وهي الأولى التي تفعلها منذ بدأ، وبملامح أفضل من أي يوم مضى.
ليست سعيدة تماماً، بل تميل إلى الحياد الإيجابي، ولا تبدو وكأنها تنظر إلى قاذورات اقتحمت مكانها. إما أنها ممتنة حقاً لمساعدتي أو حدث لها ما يكفي لتكون أكثر تقبلاً اليوم. أو لعلها لا تزال تشعر بالرضا إزاء يقظة فالك. كانت احتفالات المدينة لا تزال قائمة، وظن بن أنها ستستمر أياما أُخر، ولكنه سيتقبل تحسّن مزاج تلك الطالبة أياً كان السبب. إن نوت التصرف بلطف أكبر ولو ليوم واحد، فهي مكسب لن يتجاهله في سجله، ولن يعلق عليه مخافة أن يقضي ذلك عليه.
مع تلك اللمسة من الإيجابية، ممزوجة بردود الفعل المعتادة من الاثنين الآخرين، شرع في العمل بسعادة، مستعرضاً بعض المواد التي غطاها مسبقاً في كل المواضيع المفترض به تدريسها، وراقب الاثنين وهما يبذلان قصارى جهدهما لتطبيق ما يتعلمانه. كان بن قد تقبل استحالة حصولهما على مستوى تواصل آخر. ففي أسبوع واحد عليهما موازنة وقتهما، وبما أنهما تستطيعان التدرب بمفردهما في المستقبل فلم يكن ذلك أولوية.
الأهم هو ضمان حصولهما على المعرفة المفيدة عند بلوغ تلك النقطة. أراد لهما إنهاء الأمور بفهم صحيح للسحر الطقسي، ونظامه الشخصي للتطعيم، وإن سمح لنفسه بالأمل حقاً، مُعدّل التطعيم الذي وجده في الأرشيف، ليكون الأخير أعظمها شأناً على الإطلاق. إن تمكنتا من نيل ذلك على الأقل، ستتمكنان من الشروع الفوري في تطبيقه في عملهما، مع كل ما يعنيه ذلك من خير. كان الاثنان يؤديان دورهما بوضوح لتسليح العالم، تماماً مثله ومثل فالك، وتلك كانت الغاية الأساسية التي يمكنه تعليمها لجعل عملهما أفضل حالاً فوراً.
لو أنهما تركتانني… لا، لا بأس بهذا. إنهما تعملان بجد وأعتقد أنهما تحرزان تقدماً، قد تدركانه قبل أن أرحل. لم يكن الأمر مؤكداً، لكنه ممكن طالما واصلتا محاولات الصواب، أمام ساعات من التمرين مع انقضاء النهار. ساعات لم ينوي بن إهداره بالجلوس جانباً وعدم فعل شيء.
"سأجلس على تلك الطاولة هناك، إن كان لديكم أي أسئلة أو احتجتم شيئاً فلا تترددوا في السؤال".
أومأت ناتي برأسها وهي منغمسة في محاولاتها، رداً يفوق ما كان يأمله حقاً، وتوجه إلى الفراغ ليؤدي بعضاً من عمله الخاص، مراقباً طلابه بطرف عينه كعادته. بعد إجراء بعض الاختبارات للتأكد، نجح بن في إثبات لنفسه أنه رغم قدرته على كسب خبرة مهنية من أي نوع من الحرف، فإن القدر الأكبر يأتي نتيجة صنعه لأشياء من عالمه الأصلي، أو أشياء تحاكيها على الأقل، إذ إن أي شيء يصنعه سيتغذى على المانا بدل الكهرباء، لكنه أمضى وقت التدريس في تجسيد كل ما يستطيع تفادياً لتفويت الخبرة بالكامل، وكان يبتغي تغييراً في ذلك اليوم.
فمع اكتسابه خبرة جيدة بالأشياء التي يستطيع استنساخها، لم يكن صعباً تخيل طريقة أخرى ينجز بها الأمر. صنع غرض أسطوري. وكل ما يتطلبه الأمر هو اختبار إن كانت الفكرة التي تدور برأسه ممكنة أصلاً. ما تصوره كان سيفاً. سيفاً لا يشبه أي سيف على هذا الكوكب، لن يتطلب مهاراته كلها كحرفي فحسب، بل وكل طاقته السحرية لصنعه أيضاً. شيئاً بتطعيمات جليدية تجمد أي شيء يلامسه إلى حد تعجز عنه التطعيمات العادية، ولجعل الفكرة حقيقة كان عليه البدء بفعل أمر غير مألوف.
كان عليه خلق المادة لتكون نواة له. وبينما تمتلك بعض السيوف مادة أساسية مختلفة بناءً على طريقة طرق المعدن، لم يكن ليصنعه بطريقة عادية، ولا من المعدن أيضاً. كان سيخلق شيئاً لن يستطيع التعامل معه إلا بسحره دافعاً بمهارة سرعة تفكيره إلى أقصى طاقاتها ومجسداً ما يحتاجه: مسحوق الميثريل المعلق بالتساوي في غاز صلب، وبدرجة حرارة منخفضة جداً حتى تجمد تماماً. انزعج جزء من بن لكونه لا يزال عاجزاً عن استخدام سحره لتغيير درجة حرارة المادة.
وحسب ما يراه، لم تكن الحرارة سوى حركة الذرات. وبما أن سحره يسمح له بتحريك المادة، فقد بدا ممكناً له حقاً، ومع غياب ذلك فقد وجد بديلاً. لقد علم منذ يقظته الكارثية أنه يستطيع خلق الجليد، وما فعله سوى دفع الأمر خطوة للأمام، فاختار غازاً بلا نظير أرضي لكنه يملك أدنى درجة تجمد في الجدول الدوري لعالمه الجديد وأحضره بالشيئة التي يحتاجها، ولم يلمسه تفادياً للأذى الفوري بل جعله يتشكل على الطاولة أمامه بينما وظّف المانا فوراً لتطعيمه، جاعلاً إياه أبرد عبر إجبار المادة على التخلي عن طاقتها، فضلاً عن إثبات شكله لمنعه من الذوبان وإعطائه متانة تكفيه كي لا ينكسر عند الاستخدام، على الأقل ليس بعد إتمام الجزء التالي.
قبل بلوغ تلك المرحلة التالية من صنعه، أخذ ثانية ليتفحصه، تاركاً عقله يتحرك بسرعة الفاني العادي للبحث عن أي علامات ذوبان، فلم يجد أي خلل. حسن جداً، ممتاز، مسحوق الميثريل المنتشر يغذي التطعيم كما أردت. والآن للجزء الصعب نسبياً. ما امتلكه هناك كان نواة، بكل بساطة، لكنه أراد أن تحيط بها قشرة معدنية ليؤدي النصل كل ما يتطلبه المرء من سلاح كهذا، إضافة إلى المقبض للتعامل مع الحرارة.
سيحاول الجليد دائماً امتصاص الدفء المتاح، واهتاج إلى مكان ملائم لتوجيه ذلك فتوقف للتأكد من صحة تطعيماته لما سيأتي، تاركاً مخزون المانا يستعيد خسائره مع مرور بضع دقائق. وما إن شعس بالاستعداد حتى عاد للعمل، متصوراً حالة المعدن الذي سيصنعه. وبما أنه لم يكن يطرقه بالطريقة الصحيحة فقد احتاج لمعرفة حالته الدقيقة التي يريدها حين يجلبه إلى الواقع، ملفوفاً حول النواة المتجمدة وكأنه كان هناك دائماً وجاهزاً للتطعيم ليبقيه بالحالة التي يطلبها، إلى أن جذب بصره صوت غير متوقع.
بخلاف ما يحصل غالباً حين يعمل، عجز بن عن منح اهتمامه الكامل لما يصنعه. كان لديه طلاب ليعلمهم، وحين ملأ الغرفة صوت عال، مدعوماً أكثر بمهارة سرعة تفكيره، التفت بصره إليهم، ليرى أن زاليث قد أسقط وعاءً عن الطاولة أثناء عمله، وتسبّب ذلك الخطأ العابر بسلسلة تفاعلات صغيرة لما كان بن يفعله. بجزء من الثانية متأخراً، كان الأوان قد فات لوضع تطعيماته. التوى المعدن فوراً أمام درجات الحرارة المنخفضة بشكل غير طبيعي للنواة، بلا سحر يحفظ تماسكه، ومع تجمده الفوري فعل ما تفعله غالبية المواد في تلك الظروف، صار هشاً وانكمش.
أو هكذا حاول. كانت النواة المجمدة صلبة وقوية بفعل التطعيمات التي تحفظ برودتها، مما أدى إلى تراكم ضغط لم يكن مفترضاً وجوده، وفي لحظة لم تتكسر القشرة المعدنية فحسب، بل انفجرت. وبالنسبة لمن في الغرفة ممن يفتقرون لطريقة تسريع أفكارهم، حدث الأمر تقريباً بالتزامن مع خطأ زاليث، لكن بن شعس بالفجوة الزمنية إذ أظهر حظه الفطري استمراره في الميل نحو السلب. لم تتناثر شظايا المعدن في كل مكان، لكن أعظمها انتهى به المطاف مستقراً فيه، غارزاً في لحمه ومصيباً منطقة أُلفها تماماً بعد رؤية إعادة بناء جسده في برج الحياة.
وبينما شق الجلد وعضلات الفخذ، لم يساور بن أدنى شك في أنه قطع الشريان الفخذي. اللعنة، لماذا مهارات دفاعي سيئة إلى هذا الحد. لم يكن تقييماً منصفاً لمهاراته. مع القوة التي انكسر بها للتو، تيقن تماماً أنه كان ليخترق ساقه بدل أن يحشر فيها لولا تلك المهارات، لكنه واجه في تلك اللحظة مشاكل أكبر والتفت إلى إحدى طالباته لحل الأمر.
"آه، عذراً، زيلي، أحتاج بعض المساعدة".
رفعت عينيها عن زاليث، ناظرة إليه وحده نظراً لأن حادثه أصدر الضجيج الأكبر، لتجد بن ينزف بغرابة من منظورها، وبضع جروح صغيرة متناثرة على وجهه مقارنة بالشق العميق في بنطاله.
"كيف أوقعت نفسك في هذا؟"
"مخاطر السماح لنفسك بالتشتت على ما أظن، ولكن هل تمنحينني بعض الشفاء لو سمحتِ؟"
"…إن كنت ستفعل شيئاً غبياً لتؤذي نفسك فاذهب وابحث عن معالج".
"انتظري ماذا؟ أنت ساحرة مباركة وهذا مكانك حرفياً! ودون إطالة أنا متأكد تقريباً أنني سأموت خلال ثلاث دقائق لذا لا وقت لدي للبحث عن غيرك. إذن أرجوكِ ثم أرجوكِ؟"
"زيلي، أعتقد أنه عليك مساعدته"، قالت ناتي، مما بعث الأمل في نفس بن بأنه لن يُترك لينزف بينما من تستطيع المساعدة تقف هناك حرفياً، لتأتي خيبة أمله برفض معالجته بحزم.
"لا أري. لن ألمس بشرياً، خصوصاً حين يبحث عن الاهتمام لا أكثر".
"أبحث عن الاهتمام؟ أنا أنزف في كل مكان على الأرض!"
"أرجوك، من مات يوماً بسبب جرح في الساق؟"
سألته الفتاة، محركة عينيها بملل ومقدمة له الكثير عن صلابة بيولوجيا قومها مما تفتقر إليه جنسه.
"البشر يفعلون! التطور سيء بهذا الشكل نوعاً ما!"
وجّه بصره إلى زاليث، آملاً أن يقول الكاهن شيئاً لكنه اكتفى بتجاهل الموقف وتركيزه على عمله، بينما بدت ناتي عاجزة عما تفعله، وبغض النظر عن الوقت الذي ستستغرقه لتقرير فرض الأمر على المستدعاة الأخرى، فغالباً سيكون متأخراً للغاية بالنسبة لبن نظراً لرفض جسده سحر الضوء والحياة، مما ترك له خياراً واحداً. ميرايد! صرخ في عقله بكل عقل متاح لديه. حالة طوارئ قصوى يا رجل، حرفياً!
أنا أنزف ومحتمل أن أموت! <ما الذي- انتظر، ماذا؟ ماذا حصل؟ لا، لا تقم بذلك، اجعل زيلي تعالجك… حسناً، أرى في عقولهم أنها لن تفعل. لماذا بحق الجحيم لا… لماذا قد تظن أن هذا سبب وجودك هنا! بن، ابذل وسعك لتبقى حياً لخمس دقائق أخرى، سأجلب لك المساعدة!> أنت الأفضل. قد تكون خمس دقائق طلباً كبيراً رغم ذلك. تيقن تماماً أن البشر يعيشون دقيقة أو سنتين عند تلف الشريان، لكن مع مهارة جسده الشيطاني وحيويته العالية وُجد احتمال لصموده لفترة أطول، وكل ما تطلبه الأمر تمديد ذلك بفتات المعرفة المفيدة التي يملكها.
أول ما فعله هو تجسيد حلقة معدنية جديدة حول فخذه، مشحذاً إياها بأقصى ما يمكن ليصنع عاصبة تبطئ تدفق الدم، مخلّفاً لديه القليل من المانا التي استغلها لصنع دبابيس معدنية رفيعة من أشرطة الميثريل على ذراعه وطعّمها مستخدماً سحر الحياة والموت والزمن قبل غرزها في نقاط مختلفة من ساقه، متجاهلاً الألم الإضافي لتأخذ آثارها مجراها. صُممت تلك التطعيمات السريعة لغرضين. إبطاء تدفق الدم وإبطاء تأثير الزمن على ساقه، مانحة إياه وقتاً أطول للعمل، حتى وإن جلب ذلك مشاكل أخرى لاحقاً بتراكم الدم محاولاً الحركة وعاجزاً، لكن ذلك شيء سيُحل طالما بقي حياً.
ومع إنجاز كل شيء على تلك الجبهة أترك لنفسه الجلوس واستخدم كل ما يعرفه عن التأمل لخفض نبض قلبه قدر المستطاع واكتفى بالانتظار.
"أترين، الأمر ليس مشكلة واضحة طالما أنه لا يغادر حتى"، قالت زيلي قبل العودة لعملها، بينما ظلت ناتي قلقة.
…طالما عشت بضع دقائق أُخر، يمكنني استخدام المانا المستعادة لصنع رصاصة أطلقها عليها كفعل أخير. ستكون هديتي الصغيرة لنفسي لتعاملي مع هؤلاء الحمقى طوال هذه المدة. وإن عشت، ملحوظة لنفسي، إياك وصنع أي شيء خطر قرب أناس يكرهونني مجدداً.
"زيلي، لا يبدو بحال جيدة نوعاً ما. أعتقد حقاً أن الأمر قد يكون جاداً".
"إنه يريد الانتباه فحسب. تمثيل دور البطل البارحة لم ينجح لذا يلعب دور الضحية المصابة الآن-"
انقطعت كلماتها حين تداعت واجهة القصر الذي تواجدوا فيه، ليرى بن المساعدة التي جلبها له ميرايد. ظن أن مكعبه المفضل سيذهب إلى نار لِيأمر زيلي بفعل شيء ما، لكنه بدا وكأنّه اختار ملكاً آخر، دافعاً أنايليا للتواصل مع أفضل معالج عرفه بن بينما طارت ثيرا عبر المدخل العملاق الذي صنعته على عمود حجري، حاطّةً بجانبه بينما صارع طلابه الثلاثة لاستعادة وعيهم بعد ذلك المدخل. لم تنطق بكلمة وهي تنظر إليه لكن بن أدرك أنها كانت تغلي غضباً حين انحنت وبدأت علاجها، متدفقة بالمانا بينما جُذب المعدن من ساقه والتلت جروحه في دقائق، معيدَة إياه إلى هيئة قريبة من الطبيعي، رغم نقصان قليل من الدم.
طوال ذلك الوقت بقيت صامتة، مركزة على تنفسها محاولة استنباط نقطة البداية حين كان زاليث أول المتحدثين.
"ألديك أدنى فكرة عما فعلته للتو؟ هذا القصر تحفة فنية، تحطيمه بدل استخدام ال-"
انقطعت كلماته حين التفتت ثيرا نحوه والآخرين، والقتل في عينيها وهي تستخدم سحرها لحبسهم، صاعدة بالأرضيات الحجرية حولهم وضاغطة بقوة على كل واحد منهم.
"أمامكم جميعاً دقيقة واحدة تماماً لتقديم سبب وجيه لترككم بن ينزف على الأرض قبل أن أجسّمكم."
لم تحاول حتى إخفاء غضبها وبدا واضحاً أنها جادة، مع انقباض الحجارة حولهم وترك كل منهم عاجزاً عن التنفس تقريباً. كانت ناتي الوحيدة التي تملك سحر الأرض وفي المستوى الأول من شكلها المُقظ، لذا حاولت استخدامه لتحرير نفسها، لكن بغض النظر عن المانا التي ضختها لم تحصد شيئاً. لم تكن تعلم بمخزون ثيرا شبه اللانهائي من قبل، لكن محاولة المقاومة وضحت الأمر تماماً. أما ثيرا فلم تتخيل أي تفسير يمكنهم تقديمه يمنعها من قتلهم، متجاهلة هويتهم تماماً.
حتى مع كون أحدّهم كاهناً، وحتى مع احتمال كون أحدهم شخصاً قد تعرفه يوزو وحتى مع دخول إشعار إلى رأسها يخبرها باكتسابها لمهارة التدنيس، لم تهتم أقل اهتمام. كان بن ملقى هناك مصاباً. وإن رضوا بتركهم إياه هكذا فلم ترَ شيئاً يستحق الرحمة حتى تحدث ملك لم تعرفه لكن بن عرفه في عقول الجميع بالغرفة. <أدرك أنك مستاءة، ومع ذلك، أرجو أن تدعيني أنفذ عقابهم>، قال نار، مسمعاً بن الملك الذي طالما أراد الوصول إليه للمرة الأولى منذ وصوله.