بعدما تكشّف أمر تعرضها للخداع في هذا العالم ومغادرة معلمها المؤقت دون أي بوادر رغبة في البقاء دقيقة واحدة زائدة عمّا يحتاج، وجدت ناتي نفسها وحيدة مع رفيقيها اللذين كان لكل منهما رأيه الخاص في المسألة. لم تتردد زيلي في إظهار رأيها في البشر، أو في قومه عموماً طوال مدة بقائه، وبدت زاليث ساخطة بلا شك فكرة أن يجرؤ أي فاني على وصف نفسه بصديق لجدها، مما ترك الاثنتين في حالة من السلبية العميقة إثر ذلك اللقاء، وأجبرها هي على محاولة إنعاش الأجواء، حتى مع بدء أفكارها الخاصة تنخسها.
"ما رأيكم في أن نخرج لتناول العشاء الآن؟ أحتاج إلى تغيير الأجواء حقاً."
ورغم أنها طرحت الأمر بصيغة سؤال، إلا أنها كانت تتحرك بالفعل، دون أن تمنح أيّاً منهما وقتاً للإجابة بينما كانت تستغرق في تفكير عما جرى للتو، إلى جانب أحداث أخرى مرتبطة به. وفي حين أن معرفة أن شخصاً ما قد نجح في النصب عليها لم يكن بالأمر المبهج أبداً، إلا أنه لم يكن نهاية العالم أيضاً. فعلى الرغم من أنها لم تكن كاهنة، أو عرافة، أو رسولة، إلا أنها كانت بلا شك شخصية مهمة في عقيدة جدها، وعلى هذا الأساس تلقت تمويلاً يعني أن المال لن يشكل مشكلة أبداً، مع تدفق المزيد بفضل المهارات الموقظة التي تمتلكها وما ستصنعه وتبيعه.
وأي شيء خسرته لم يكن ضربة قاصمة، بل انتهى ليصبح مجرد موقف محرج بعض الشيء. وحقيقة أن شخصاً ما اضطر للتدخل وإنقاذ الموقف لم تزد الأمور إلا سوءاً، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي هوية الشخص الذي فعل ذلك. لم تكن تنكر أنها لم تظهر لبن اللطف الواجب شخصاً أرسله سيّد ليعلمها. فقد كانت لكل من زيلي وزاليث آراء حاسمة فيه حتى قبل وصوله، وباعتبارها صديقتيها الموثوقتين وإن بدا اللتان تشובهما بعض المشاكسات، فقد تقبلت آراءهما وسمحت لنفسها بأن تتأثر بهما، ولم يزدد الأمر إلا سوءاً حين تغلغلت في فكرها فكرة أنه وجدها ربما كانا يأملان أن تصبح عشيقته.
لكن إلى أي مدى كان ذلك صحيحاً حقاً؟ خلال فترة وجوده، كان بن يعاملها بما يمكنها وصفه بأدب مهني، وودود في الغالب مع لحظات قليلة سحبت فيها أي إزعاج، لكن إن كانت صادقة مع نفسها فسيكون من الظلم مؤاخذته على ذلك. كانت هناك بالتأكيد أوقات اتخذن فيها الموقف الأسوأ تفسير كلامه أو أفعاله، ورغم أنها لم تكن متأكدة إلى أي مدى كان ينبغي تفسير ما فعله من خلال عدسة ذكرياتها، إلا أنها لم تستطع إنكار أن الجزء الأكبر من ردود أفعالها قد نتج عن رغبة في إبقائه على مسافة، مخافة أن تتأكد صحة مخاوفها.
وربما نجح ذلك. وربما كان السبب في عدم شعورها بأي محاولة من جانبه يعود بالكامل إلى أن تصرفاتها جعلت الأمور واضحة جلية، مما وأد تلك المشكلة قبل أن تنبت. أو ربما أساءت قراءة الموقف، فتشربت انحيازات رفيقيها وسمحت لها بمنع نفسها من تكوين رأي خاص، مما تركهم يسيئون معاملة شخص كان يحاول فقط أداء مهمة التعليم التي أُرسل من أجلها. لم تستطع منع نفسها من التنهد وهي تفكر في الأمر، في حين أن الآراء الوحيدة التي يمكنها الحصول عليها بخصوصه كانت ستأتي ممن حسموا أمرهم مسبقاً.
قالت خلال العشاء وهي تحاول معرفة إن كان أي منهما يعيد التفكير بالطريقة نفسها التي تعاني منها: "إذن، لقد مضى أسبوع على وجوده هنا، ما رأيكما؟"، لتبدو الآراء على حالها دون تغيير يذكر.
سألت زيلي: "أي رأي تقصدين؟ إنه واضح تماماً، فهو يكره ألا نفعل ما يريد مهما حاول إخفاء الأمر، وهو متطاول ومتبجح في استعراضه المستمر لتجسيد كل شيء، هذا فضلاً عن مجيئه للعب دور البطل، وهذا أمر مقرف. وعلى حد علمنا، ربما كان يكذب بشأن ما حدث من أساسه، أو ربما دبره منذ البداية".
قالت: "...أعتقد أن هذا الجزء الأخير مبالغ فيه قليلاً".
لم يجبرها أحد على مواجهة صانع الأكواب، بل فعلت ذلك بمحض إرادتها بدافع التسلية، وحتى لو صحت أي مشكلة أخرى لديهم معه، فلن تستطيع تبرير تحميله وزر ذلك أيضاً.
قالت زيلي: "لا يهم، فهو في النهاية بشر، وهم مقرفون ولا أطيقهم".
سألت زاليث: "حسناً، وما رأيك أنت إذن؟ حتى وإن كنت لا تتعلم منه، فأنت ترافقه، فما رأيك؟".
أجاب زاليث: "موقف سلبي قاطع أيضاً، كيف يكون غير ذلك؟ بغض النظر عن استخفافه المتهور بمعتقده المفترض أن يمثله، فنحن نعلم أنه شارك في أعمال شغب ضد إحدى الكنائس الجماعية قبل مجيئه هنا، فقد اعترف بذلك بنفسه، ولا أحد يتحول من مؤمن صالح إلى مثل هذا الحال بين عشية وضحاها. يشير هذا إلى تاريخ من السلوك يوضحه جراءته في معاملة إنيث، ناهيك عما حدث للتو. إن حاول شخص ما سرقتك حقاً، ففكرة الصفح عنه تنافي العقل تماماً، بل هي أسوأ من ذلك، فهي مثيرة للاشمئزاز. ومن المستحيل تصديق قبول أي سيد لرجل كهذا".
لم يتحدث عن جرأة بن في وصف نفسه بصديق ناري، لكن وضوح الأمر كان يصبغ أفكاره لقرابته الشديدة، فالمؤمنون غيورون على أسيادهم، وأشدهم غيرة هم أتباع الثلاثة الكبار. وحقيقة أن زاليث لم يجد الوقت الكافي لرد فعل أسوأ كانت أفضل ما يمكنهم تمنيه نظراً لمغادرة بن السريعة بعد ذلك، لكن من الواضح أن هذا لم يزد انطباعهم السيئ إلا سوءاً، ولم يقدم أحدهما لها أي فائدة تذكر. كانت تثق بآرائهما إلى حد معقول من جهة، لكن انحياز كليهما بدا جلياً من جهة أخرى، فزيلي تنظر نظرة دونية لبني جنسه، بينما يحكم عليه زاليث لمخالفته السلوك المفترض للعبد الصالح.
لم يستطع أي منهما منحها نظرة منصفة خالية مما قرراه مسبقاً بشأن الرجل. ربما كان عليها تكليف من يجمع لها معلومات عنه وعن قومه عموماً، ولو أرادت فعل ذلك لكان حريّاً بها فعله منذ علمها بقدومه من الأساس.
غمزت زيلي وقالت: "إذن لماذا تسألين؟ لا تقولي إنه نجح في استمالتك بمثل هذا التدخل السريع. أه يا ناتي، لا قيمة لقلب يسهل انتزاعه بهذه البساطة".
ردت بحزم: "قطعاً لا، أنا فقط لا أرى ضرراً في إبقاء الأمور هادئة. لم يتبقَ له سوى القليل، وإن كانت لديه غايات يريد تحقيقها معنا ولم يتخلى عنها فلن يتغير ذلك في غضون أيام معدودة".
قالت زيلي بسخرية: "هاه، ربما بالنسبة لك، أما أنا فسأبقى بغيضة بالقدر الذي أراه مناسباً".
لم تكلف نفسها عناء الرد على تعليق زيلي الأخير، وأرخت بصرها على طعامها محتفظة بأفكارها لنفسها. لم يتبقَ سوى أيام قليلة، ولن يضرها أن تكون أكثر تعقلاً طوال مدة بقائه هنا.