من بين الكتب العشرة تلك التي كانت هناك، وكأنها تتوسل من يدرسها، خمسة منها كانت ملاحظات لأناس مثله اجتازوا القسم الأول من الأرشيف ليبلغوا تلك النقطة، بينما مثلت الكتب الخمسة الأخرى ملاحظات غالوكس ونظرياتِه حول بنية التعويذة، عارضاً إياها المَلِك نفسه بوصفها تسجلات جديدة تنبثق مع تقليب الصفحات. لم يتردد بن في تفحصها جميعاً لينال آراء البشر والملوك على حد سواء، ناسياً كراهيته لغالوكس مؤقتاً وهو يستمع إلى أفكار المَلِك الميت قبل أن يغادر الأرشيف أخيرًا، حتى لو علم أنه عائد إليه لا محالة.
مع عقله الفذّ لم يكن بحاجة حقاً للعودة إلى الكتاب، فقد حفظ كل شيء بالفعل، لكنه أمر أراد رؤيته مجددًا بعينيه، مما يعني أن القطعة الأسطورية نجت من غضبه حين عاد إلى العالم الحقيقي، ليرى أن بالكاد أي وقت قد مضى بينما واصل طلابه تمرّينهم. تعرف، بعد التواجد هناك طوال شهر تقريباً، لا يبدو رؤيتهم سيئاً إلى هذا الحد.
قال سيلي، دون أن يمنحه سوى نظرة عابرة: "أيها الأحمق، أما زلت تحدق بنا أثناء عملنا؟ يبدو الأمر مقرفاً".
ربما كان بإمكانِي قضاء شهر آخر هناك فحسب. سرى إغراء الفكرة عميقاً لكنه أرغم نفسه على قمعها. كان هناك مكان آخر عليه قصده.
"طُارئ أمر لذا علي محادثة سيّدي لفترة. قد يستغرق الأمر وقتاً، فإن احتجتم لأي شيء فهزّوني وحسب".
لم ينتظر إجابة، كان في عجلة شديدة حين أغلق عينيه دافعاً عقله نحو نطاق ميرياد، حيث كان اثنان من الملوك الذين أراد رؤيتهما هناك بالفعل، وكلاهما منكبّ بعزم على أية مهام ستشغل وقتهما.
"أيها الرفاق، طارئ. أو عكس الطارئ، أياً يكن الأمر العاجل والجيد. على أي حال، توقفوا عما تفعلونه واهتموا لي. خذوا ناري أيضاً، لا يهم ما يفعله، سيرغب بالتواجد هنا من أجل هذا".
"بن، أخبرتك مسبقاً، ناري… انتظر، بحق كل ما هو جيّد، ماذا حلّ بعقلك؟"
"غيّر مَلِك شرير بنيته قسراً ليصبح هكذا الآن. لا بأس بالأمر غالباً".
"ماذا!"
صرخ الاثنان بتوافق، مستبدين بالهلع، إذ صدق كل منهما بلا أدنى شك أن حظ بن التعيس قد يتركه يصطدم بمَلِك شرير.
أكّد ميرياد، منهاراً على الأرض بينما قفزت هيلوري عنه وهرعت أمام بن، دافعة ذراعيها في صدره لتتفحص روحه: "بالطبع يصطدم مَلِك شرير بأتباعي ذوي الحظ التعيس، بالطبع يفعل".
"تملك أسوأ حظ في الواقع بأسره حقاً. هل انتهى المطاف بمَلِك فراغ ضال في العالم؟ وقعت بضع حالات غزو مماثلة في الماضي، لكن—"
"مهلاً مهلاً مهلاً، لا تفزعوا أيها الرفاق. كان الأمر مبالغة طفيفة، آسف، لم أظن أنكما ستأخذان الأمر بهذه الجدية. المَلِك ليس شريراً على الأرجح، بل وغد مستهتر فحسب، والأهم من ذلك أنه ميت بالفعل".
كاد يرى التوتر يذوب عنهما مع تلفظه بذلك، ليبدو سيّده أكثر هدوءاً بكثير في المرة التالية التي تحدث فيها، بينما واصلت هيلوري تفحص روحه.
"بن، خذنا عبر كل ما حدث بالضبط ليسبب التغير الذي أستشعره في بنيتك العقلية".
"لأختصر القصة الطويلة، أنهيت الكتاب الأخير في الأرشيف والتقيت تسجيلاً آخر لغالوكس حاول مكافأتي بتعزيز عقلي. نظريتي العاملة حول التغيرات هي أنه حاول تحديداً تغيير عقل غالوكسي وهو ما لا أمتلكه يقيناً وتحملت عواقب ذلك. وتحديداً أنه آذاني حقاً".
أخبرته هيلوري، محدقة فيه بعينين ضيقتين: "أنت محظوظ لأنه آذاك فحسب. مما أراه أتوقع أنك محقق ولا يسعنا سوى اعتبار أنفسنا محظوظين لحدوثه معك أنت بالذات من بين الجميع. هذه التعديلات حين تحدث لروح مفكرة أفضل بكثير من حدوثها لدماغ لحمي. لا أعني أن دماغك لم يتلق أي ضرر لكنه ليس شيئاً يفترض أن يقتلك، فقط اطلب من حبيبتك تفحصك سريعاً عندما تراها لاحقاً لمعالجة الضرر الطفيف. السماوات الفارغة، مستوى الاستهطار لترك شيء كهذا في العالم…"
وافق ميرياد، بدو غير سعيد البتة لتعرض أتباعه للأذى جراء استهطار مَلِك ميت: "إنه قطعاً نوع الأشياء التي كان عليه تعديلها ملائماً قبل أن يمضي ويموت".
"لذا فقط ليكون الأمر واضحاً، سأكون بخير؟ لن أصاب بالجنون أو لست مجنوناً حالياً وأنا جاهل بالأمر؟"
سخر ميرياد: "أنت مجنون منذ أن عرفتك. لم أستطيع رؤية الأمر في البداية لأنك كنت مشغولاً للغاية بالتعامل مع صدمتك حينها لإظهاره حقاً".
"سأختار اعتبار ذلك، أجل، ستكون بخير يا بن، وأنا أحب كم أنك تتبع رائع ومهتم على الرغم من حقيقة أنني خدعتك لدخول الدور".
أوضحت هيلوري: "ستكون بخير. لا يبدو أنه غير طريقة تفكيرك، بقدر ما أضاف لها بعداً جديداً ربما؟ أؤمن أنه لو اخترت، قد تتمكن من مقاربة المشكلات بالطريقة التي يتبعها الغالوكسيون، لكن ذلك سيتراجع دائماً إلى المرتبة الثانية خلف طريقتك العادية، أمم، طريقة التفكير العادية بالنسبة لك".
"لا أظن أنني احتجت ذلك التوضيح في النهاية لكن حسناً. أي شيء آخر؟"
"يعتمد ذلك، ما كانت قيمة ذكائك قبل حدوث هذا؟"
"أكثر بقليل من خمسة آلاف ومئة، لم؟"
أخبرته هيلوري، وصوتها يحمل الاستحسان وهي تنظر إلى الاختلاف في عقله: "لقد نمت بأكثر من ألفين للتو. القوة العقلية المتاحة لك مثيرة للإعجاب صراحة لأي بشري يحملها".
"أجل، هذا منطقي. حاول غالوكس تحديداً تنمية ذكائي وبالنظر إلى أنه رفع مانا وحيويتي بنسبة ثلاثين بالمئة في برجه فيبدو أنه تمكن من مواكبة هذا المستوى من النمو، إضافة إلى أن عقل غير الطبيعي ارتقى في المستوى أيضاً وأحصل دائماً على بضع مئات من النقاط الإضافية عند حدوث ذلك".
سأل ميرياد، معيداً إياهما إلى المسألة التي جعلت بن يهرع إلى هناك: "حسناً، مع زوال ذلك، ما هذا الطارئ الجيد بالضبط؟"
"اقرأ أفكاري واكتشف ذلك".
وجّه كل عقل في رأسه لإعادة خلق ما رآه في الأرشيف بتمامها، مع ترتيب كل جزء من التعويذة الهائلة بالطريقة ذاتها التي حفظها بها، تاركاً الملوكين يلهثان.
"أحقاً تلك هي—"
تمتمت هيلوري، مبذولة القليل من قوتها لخلق نموذج لما كانا يريان في نطاق ميرياد بدلاً من ترك بن يواصل إبقاءه: "مثال آخر من صانعي تعويذة الاستدعاء، أو ربما من مجموعة أخرى رأت ذلك واستطاعت التعلم منه لخلق هذا، لكني أشك في ذلك. إنه جميل، أوجدت هذا في الأرشيف؟"
"يبدو أن الجزء الأول منه كان بمثابة اختبار لمعرفة ما إن كان الشخص الحامل له يملك الدافع لتعلم كل ما يمكنه ومن ثم سيفتحون قسماً مختلفاً بعد احتواء بنية التعويذة، إلى جانب أفكار غالوكس حول الأمر وأي شخص آخر بلغ تلك النقطة، وبقدر ما أكره ذلك الوغد، أعتقد أن بعض نظرياته قد دفعت بحثي الخاص للأمام بضع سنوات فحسب. ربما أكثر لو استطعت إيجاد أي شيء مفيد في هذا أيضاً. انظر إليه، إنه ليس بالكثير، لكنه يملك بعض معدلات المانا التي لا تحويها تعويذة الاستدعاء".
تمتمت الملكة، بالكاد تلحظه وهي تنظر إليه: "إن كنت تحاول تعديل التعويذة فامتلاك المزيد من الأدوات لن يساعد إلا. إذن ماذا تفعل هذه؟"
"لا أعرف، ولا غالوكس كذلك. أظن أنه اشترى المعلومة من مَلِك فراغ، بالطريقة ذاتها التي فعلها الآخرون لتعويذة الاستدعاء، لكنه لم يختبرها قط. مما قاله التسجيل، يبدو أنه عُثر عليها في رماد نجمة ميتة ولم يرغب في محاولة مدّها بالطاقة، فقط ليكتشف أن التعويذة هي ما قتلها في المقام الأول".
وافقت هيلوري، حتى وإن بدت متألمة جسدياً لعدم قدرتها على استيعاب غايتها: "ممم، خيار جيد على الأرجح. لكن لو كان عرقه قد خسر بالفعل لكان بإمكانه على الأقل محاولة استخدام هذا قبل أن يقتل نفسه بينما امتلك القوة لأجل ذلك بعد".
تنهد ميرياد: "ربما فعل. كيف لنا أن نعرف؟ أمضى وقتاً قليلاً جداً هنا حين أسقط برجه، وكان عليه على الأقل إخبارنا بشأن هذه التعويذة أيضاً".
قال بن ببهجة: "حسناً، لا فائدة من التفكير المطول في ذلك الوغد الميت. أسرعوا والتقطوا ناري عوضاً عن ذلك ليرى هذا. لا توجد طريقة يكون أي شيء يفعله أكثر أهمية، أليس كذلك؟"
قال سيّده بصيغة لا تقبل التأويل: "لا، بل إنه كذلك. ستسمع بش الأمر قريباً لكنه سيبقيه مشغولاً تماماً ليومين مقبلين على الأقل. مع ذلك سيصاب بخيبة أمل كبيرة لمعرفته أنه فوت كشف هذا شخصياً".
ضحكت هيلوري: "الكثيرون سيفعلون ذلك. يمكنني فقط تخيل كل مَلِك معرفة وسحر آخر وهو يصر على أسنانه. كانت تعويذة الاستدعاء تحفة فنية افترضنا دائماً أنها حدث فريدة، لم نسمع قط بأي شيء آخر يشبهها من أي مَلِك فراغ آخر. حقيقة وجود مثال آخر تحت أنوفنا طوال هذا الوقت ستصيب الكثيرين بالجنون".
أخبرهما بن، وبابتسامته التي تقول إنهما لن يستطيعا تجنب الأمر: "سعيد برؤيتكما متحمسين لأن بقية اليوم ستذهب لتفحص وفهرسة هذا. سيتعين علي العودة هبوطاً بضع مرات لنرى كيف يفعل الطلاب لكن بخلاف ذلك يمكنكما توقع استغراق هذا لبقية الليل".
"بن، بقدر ما هذا مثير، لدينا عمل آخر لنقوم به كما تعلم".
جادلت هيلوري، وما زالت عيناها مسمرتين على التعويذة لتظهر أن المكعب لم يملك حليفاً هناك حين تعلق الأمر بالبقاء فوق عمله الحقيقي: "كلما أسرعنا في إلقاء نظرة على هذا، كلما أسرعنا في العودة إلى ذلك، هيا إذن بالفعل".
مواجهةً لحماس أتباعه وزميليه، لم يُترك لميرياد خيار سوى الاستسلام وفحص اكتشاف بن، مناقشين ووضع النظريات بينما انكبّوا على كل ما رآه مع مرور الساعات.