قال: "لا. كلا. قطعا لا".
ما إن عبر بن البوابة ووقع نظره على المدينة الممتدة أمامه حتى أدار عقبه ليعود من حيث أتى. فكر في كيفية اعتذاره لنار عن عجزه عن تلبية طلبه مفضلا حياته على أي وعد. ما منعه من الهرب سوى قبضه تيرا على ذراعه.
قالت: "هيا، الجو حار بعض الشيء لكنه ليس سيئا لهذه الدرجة".
قال: "حار بعض الشيء؟ انظري إلى ذلك يا تيرا! بنى أحمق ما مدينة بجانب بركان نشط! أرى دخانا ونيرانا، وأنا متأكد تماما من أن على الجميع الإخلاء!".
قالت: "لا أحد يخلو المكان لأنه آمن تماما. ما الذي يخيفك إلى هذا الحد؟".
قال: "رغبتي الملحة في ألا أموت؟".
قالت: "إذن كل شيء على ما يرام. سمعت عن هذا المكان، يعيش هنا الكثير من عناصر النار والأرض والجنيات وهم يبقون البركان تحت السيطرة ليصبح المناخ أفضل لبعض الأعراق. ألا تعرف هذا؟".
قال ملوحا بيده نحو السماء بلا أي رد: "لم أقرأ أي كتب جغرافيا، وبدو أن أيا من السيّدَين لم يجد الأمر مهما بما يكفي لذكره".
إذا تجاهل البركان فلا شيء عيب في المدينة. الجو حار كما قالت تيرا، لكن سترته المسحورة بقوة جعلت التعامل مع الأمر أسهل قليلا، وكل شيء بُني بطريقة تساعد على تدفق الهواء، مما يعني أن المباني نفسها لن تكون أفرانا. لكن هذا كان صلب المشكلة. لم يستطع إجبار نفسه على تجاهل وجود البركان العملاق المترامي فوق رأسه مع خيوط الدخان التي تبلغ السماء وتوهج الحمم الذي يضيء الشقوق والتجاويف.
تيقن أن المنظر سيبدو جميلا في الليل، لكنه بدا في تلك اللحظة وكأنه كارثة وشيكة. يا للهول، إن مت جراء ثوران فسأشعر بغضب عارم. سيكون ذلك سيئا للغاية. مع ذلك، بدت تيرا متحمسة للموقع لاختلافه التام عن أي مكان آخر زاراه، وكان الوقت متأخرا جدا للتراجع، حتى وإن شعره أنه سيق إلى هنا دون إحاطة كاملة بما يعنيه ذلك. فحاول كبح رغبته في الفرار بينما واصلا السير في الشوارع، متأملين مختلف المناظر الأخرى التي لا تنبئ بمستقبل ناري ومميت.
بدا أن قوم نار على الأقل مجموعة يعرفها، وهم الإغنيسيا، الذين يندرجون ضمن نوع البشرائيين المعتادين. تمثلت أبرز الفروق التي تميزهم عن بني جنسه في عيونهم السوداء الصافية وهيكلهم الخارجي العظمي على طول أيديهم وأسفل سواعدهم، حيث يمكن لتلك القشرة الخارجية الشاحبة أن تنكمش وتمتد عبر أيديهم اعتمادا على ما إذا كانوا بحاجة لحماية لحمهم الداخلي الأكثر رقة ضد أي مخاطر قد تواجههم، أو لأمور تتطلب حسا لمسيا أدق.
دفع هذا المشهد بن للتساؤل عما إذا كانت تلك سمة موجودة فيهم بالفعل قبل أن يرفعهم سيّدهم أو ما إذا كانت ميزة منحهم إياها أثناء عملية الرفع تلك، لكنه أرجأ الأمر ليسأله لاحقا بينما راحا يبحثان أولا عن سفارة السوكوباس لتأمين إقامتهما.
قالت تيرا، وقد بدأت تشعر بالحرارة رغم حماسها: "أظن أن عليك صنع أحد مكيفات الهواء الخاصة بك متى سنحت لك الفرصة. الأمر ليس سيئا الآن لكني إن مكثت بضعة أيام هكذا فسأذوب".
قال: "لن أجعلك تنتظرين، أظن أنني بحاجة إلى القليل من الإضافات أنا أيضا".
كانت السترة تساعد بفضل سحر التبريد فيها، لكن مشكلة أخرى رافقت ذلك. حالت مقاومة بن دون شعوره بالأمر بالقدر الذي يشعر به أي شخص آخر نظرا لضعف تأثير السحر عليه. وفي حين أن ذلك سيبرد الهواء داخل سترته مما يساعده على الانتعاش، إلا أن البركان القريب وما افترض أنه موقع قريب من خط الاستواء كانا يتفوقان قليلا على أي تأثير يشعر به، مما جعله بحاجة لبعض المساعدة إن أراد حقا أن يشعر بالراحة.
لتحقيق ذلك، اتصل بتيرا، مسرقا منها المانا التي يحتاج إليها ليصنع حزمات شبيهة بالخشب تضم قطعا صغيرة من الميثريل وبلورات المانا البيضاء، وجعلها تلتف حول ذراعي رقبتي كليهما قبل أن يبتكر سحرا جديدا وأقوى للتبريد فوقها. يا للهول، لقد استهلكت قدرا ضئيلا جدا من الميثريل وبلورات المانا لدرجة أنني لا أظنني احتجت حقيقة لسرقة أي مانا لصنعها. يا لي من بارع فيما أفعله حقا.
سيحتاج إلى سرقة القليل لاحقا إن أراد صنع مكيف هواء حقيقي، لكن لا بأس في ذلك. كان اثنارهم يشعران بالفعل بتأثير الحزم التي صنعها، مما منح كل منهما الراحة التي يحتاجها للاستمتاع بقية جولتهما.
بعد أن وجد السفارة وهيّأ مسبقاً مكيف هواء ملائماً لتكون الغرفة باردة ومنتعشة حين عودتهما، حان وقت الذهاب للقاء تلاميذه المؤقتين بينما كانوا يتجولون ببطء في الشوارع، شقين طريقهما إلى هناك وهما يتمليان الأجواء. إن أراد الحكم، لوصف بن شعور المنطقة بالجيد. ليس عظيماً، لكنه أفضل من بقية الأماكن التي رأاها تغصّ بالخوف المرافق للحرب، خصوصاً حين تكون المدينة على مرأى من نقطة غزو.
لم يكونوا ملاصقين لها كتلك الأماكن الأخرى، لكن حقيقة بروزها بوضوح في الأفق تعني غالباً وقوع بضع مشاهدات للشياطين في الأسابيع الماضية، وربما حتى هجمات أثناء شق الناجون من الموجة الأولى طريقهم خروجاً. لكن إن كانت الجنيات والعناصر تتخذ من هنا موطناً لها فبإمكانها غالباً التعامل مع قسم كبير من ذلك، وربما يساعد ذلك في إضفاء شعور عام لطيف بالأمان. لقد كان أمراً يلمحه في أنايليا أيضاً، ثقة في نفوس الناس بأنهم، على الأقل في الوقت الحاضر، سيكونون بأمان بفضل القوة العاتية التي اتخذت من موطنه مقراً لها.
حتى وإن لم يدم ذلك طويلاً، فقد منح من حظوا به وميضاً ضئيلاً من السلام. ليت كان هناك المزيد من هذا ليُوزّع. حسناً، لا. لا سلبيّة، عليّ إظهار أفضل ما عندي، الانطباعات الأولى وما شابه. لم يكن العثور على منزل حفيدة ناري صسعباً، فقد كان ضخماً بالقدر الذي يتوقعه المرء لأي شخص يجري دم الملوك في عروقه، وقد حرص الحرفيون والمعماريون الذين بنوه على استعراض كامل طاقاتهم تفادياً لجلب العار لمن يعبدونه.
ممتلئاً بالأعمدة والاقواس المحدبة، التماثيل والزخارف بشتى أنواعها، لم يسعه إلا أن يكون مذهلاً بصرياً، شاهداً على الإرادة المشتركة لمن تعاونوا على بنائه. أترى ساعد فالك في أي جزء منه، إنه يعبد ناري لذا بدا الأمر منطقياً. …انتظار، هل يعبد ناري؟ أعلم أن ناري هو من أمره ميرايد بإرسالي نحوه، لكن ربما كان ذلك شيئاً علمه لا فحسب، إذ يبدو أن ملوك الحرف يتحدثون. ربما سؤال يُطرح لاحقاً.
لم يكن لديه وقت محدد للوصول في ذلك اليوم لكنه لم يرغب في التأخر كثيراً، لذا أرجأ إبداء الإعجاب بالبناء لوقت آخر، وتوجه اثناهما عوضاً عن ذلك نحو البوابة الأمامية، معرّفاً عن نفسه كرَسول ميرايد ومبرهناً على ذلك بإبراز بطاقته قبل أن يُقادا إلى الداخل، عابرين الحدائق الأمامية وماضين عبر القاعات الكبرى لينتهيا إلى ما يمكن وصفه بأفضل حال بورشة عمل، أو ربما غرفة هوايات بكل ما تحوي.
كانت أنظف من المتجر، هذا مؤكد، بمناطق مختلفة تبدو كأنها مقسمة لتتيح لمن بُنيت لأجلهم التركيز على شتى جوانب مهاراتهم الحرفية، مع أدوات شتى تصطف على الجدران ومساحات تخزين لمواد مختلفة. جلب رؤيتها كلمة واحدة إلى ذهن بن، ممتعة، لكنه حدّث نفسه بأنه سيعجب بها أكثر لاحقاً، موجهاً بدلاً من ذلك إلى الثلاثة الذين كانو يعملون في الغرفة قبل ظهوره أكثر ابتساماته جاذبية، قبل أن ينحني بخفة ويتحدث.
"أهلاً بكم، أنا بن، رَسول الملك ميرايد، وهذه ثيرا. سنكون هنا لبضعة أسابيع لذا أرجو أن نتآلف."
لم يعتقد أنه ارتكب خطأ ما في مقدمته على الأقل، لكن تحيته وُجهت بنظرات اشمئزاز من الفرد المُستدعى من سلالة يوزو وامرأة الإغنيسيا التي لا بد أن تكون حفيدة ناري، بينما أطلق الشخص الأخير الذي تعذر عليه تخمين هويته تمتمة خفيطة.
"إنه حقاً الرَسول المعتوه."
حسناً، يبدو أن هذا قد يكون أقل متعة بقليل ممّا توقعتُ.