في عالمهم، اجتمع الملوك لعقد لقاء. كان هذا الأمر يتكرر كثيراً منذ تحديد مواقع الغزو، نتيجة حتمية لتزايد أعباء عملهم حين كانوا يبذلون قصارى جهدهم لمنع العالم وحياة رعاياهم من النهاية، لكنهم صاروا يلاحظون باستمرار أن النقاش يعود في كل مرة إلى سيّد بعينه ظل يترك أثره بوضوح.
قال فيكث وهو يطوف ببصرياته في القاعة، حيث تعلت الوجوه تعبيرات معقدة شتى: "أفترض ألا أحد هنا لديه في عقيدته من يهدف إلى إنهاء حياة الرسول بن".
لم يكن ذلك لأن لديهم أتباعاً يسعون خلف الغاية الشنيعة ذاتها التي يبتغيها أولئك الذين وهبوا إيمانهم لملوك مثل أولينسيا أو إنيث، بل لأمر مختلف. كانوا ملوكاً، يقفون فوق الرعايا بوصفهم مرشدين وحكاماً، لكنهم وجدوا أنفسهم مراراً وتكراراً مضطرين للانصياع لرغبات بن، أو هكذا كان الحال كلما طرأ حدث يستدعي ذلك.
تمتم أحد الملوك بالقول: "وقد يزداد الأمر سوءاً نظراً لأنه يبدو مدركاً لمدى القيمة التي بات يمثلها"، ممّا دفع ملوكاً آخرين للضحك في القاعة حين بادر نار بالحديث.
فقال: "لا يزال بن يبخس نفسه حقها بشدة، ولا داعي للقلق حيال ذلك. من الصدم حقاً جعله يرى النطاق الكامل لقدره، وإن كان مجرد بدئه في ملاحظة أعماق إنجازاته يُعدّ تطوراً بحد ذاته".
سأل فيكث، وهو يستحضر في ذهنه مستقبلاً سيضطر فيه مجدداً للعب دور الوسيط بين بن والملوك في القريب العاجل: "وما الذي يجهله تحديداً إذن؟".
ضحك نار مجدداً، ماراً ببصره على أولئك الذين أهملوا مراقبة الفتى فبدوا طامعين بالمزيد، في حين اكتفى المتابعون له بتحريك رؤوسهم أو ما يشابهها من أعضاء: "بغض النظر عن بعض مشاريعه واكتشافاته الأخرى؟ إمكاناته. فمع كل مهاراته المستيقظة، أدرك أخيرًا أنه بارع، لكنه لا يزال يعجز عن تقدير مدى براعته بالشكل اللائق. منذ آخر مرة أثير فيها الأمر، اكتسب عشرة أعمال جديدة، ونصفها تقريبًا ينتمي لفرع الأسياد أو ما يتجاوز ذلك، هذا دون احتساب النعم التي ظفر بها أو مستويات مهاراته. تدور راهناً رهانات بين ملوك الصناعة الذين يراقبونه، وترجح الكفة حصوله على إما مهارة الصناعة أو السحر في المستوى المستيقظ التاسع خلال السنوات الخمس المقبلة إن نحن فزنا".
طرح ملك الحجارة السؤال الذي أراد كثيرون معرفة إجابته بعد سماع ذلك، فتوافق الحرفيون في آرائهم بينما واضبع نار حديثه.
"تلك مجرد بداية. فنحن نضع احتمالية بلوغه الطبقة الثالثة من أي من المهاراتين في غضون عمره بنحو ستين بالمئة".
"ستون..."
شعر عدد ممن حضروا بصداع يداهم رؤوسهم عند تفكر الأمر. كانت تلك نسبة مرتفعة. مرتفعة للغاية. حتى بدعم من ساحر أرواح، فإن القلة المنافسة في أنحاء العالم لن تكاد تحصد سوى تقدير لا يتجاوز الأربعين في أفضل الأحوال. أن يُقيم بهذا التفاؤل من قِبل هذا العدد من الملوك، فتلك سابقة لم تحدث قط.
قال نار معبراً عن مشاعر اختلف معها الكثيرون: "بطبيعة الحال، أضع أنا شخصيًا كلا التقديرين في مرتبة أعلى. إنه لفتى مثير للاهتمام، وأجد نفسي متمنياً أن ينتهي به المطاف ضمن صفوفنا. من يدري، ربما لن يكون ذلك بصفته ملك صناعة تحديداً".
ظن الكثيرون هناك أن حديثه يشير إلى كفر بن، لكن فيكث كان يعرف نار منذ أمد طويل يمنعه من الاعتقاد بأن هذا الملك الشبيه بالحمم قد يلمح إلى أمر بمثل هذه البساطة، فوجه نظره بدلاً من ذلك نحو من وهب الفتى إيمانه، ليبدو ميريد متبوعًا بالإرهاق إثر عودة الحديث ليحوم حول رسوله.
"لا يمكنني التعليق شخصياً على فرصه كملك صناعة، لكن إن نظرنا في احتمالات صعوده كملك عقل، فأنا أقدرها بثمانين بالمئة كحد أدنى".
"ثمانون..."
تصاعد دوي هائل عند سماع الكلمات. كيف لا يحدث ذلك؟ كان مفترضاً بالرعايا أن يعانوا في سبيل بلوغ الملوك، فأن يظن الحرفيون أن فرصه جيدة إلى هذا الحد كان أمراً فظيعاً بما يكفي، فما بالك بأن ترتفع احتمالات تحوله إلى ملك عقل إلى هذا المستوى؟ وجد في القاعة من لم يصدق ذلك، لكن أصواتهم كانت قليلة. وسواء أأحبوا الأمر أم لا، فقد بدأ كثيرون يقتنعون بالإمكانات التي يمتلكها بن بعد الإنجازات التي عاينوها.
حدث فيكث نفسه قائلًا: ومع عقل كهذا... مستعيداً في مخيلته شكل العقل الذي عُرض عليه هو والآخرون قبل قليل. لقد كان الأمر أسوأ حقاً بحقيقة أن بن لم يبلغ الطبقة الثالثة بعد إذا ما أخذ المرء في الحسبان الهيكلية التي اتخذها عقله بالفعل. فما الذي سيؤول إليه الحال لو نما أكثر؟ كان ذلك ينبئ بمستقبل ينجب ملك عقل لا مثيل له، إلى أن تحدثت هيلوري.
"أنا أختلف معكم".
فسأل مبعثراً لشيء من الطمأنينة في نفوس الكثيرين: "أترين أنه لن يبلغ ذلك؟".
كان معروفاً أنها تمنح الرسول الكثير من وقتها هي الأخرى، وباعتبارها ملكة للمعرفة، فإن اعترضت على الأمر فسيمنح ذلك سكينة لبعض الملوك الحاضرين على الأقل. لكن لسوء الحظ، بدا أن ما فعلته لم يكن ذلك البتة.
"لا، بل أقول إن الاحتمالات تحوم حول خمسة وتسعين بالمئة في حدها الأدنى. على الأقل، بات مؤكداً أنه سيغدو منافساً حقيقياً في مهاراته العقلية المتنوعة".
"متنوعة... أتعنين أنه سيبلغ ذلك الشأو في أكثر من مهارة واحدة؟"
"الأمر مؤكد عملياً، وهي حقيقة أثق أن أيّاً من ملوك المعرفة ممن رأوه يقرأ سيوافقني عليها. لو أنه كرس بضعة أسابيع فحسب لقراءة كل ما يمكنه الوصول إليه، لبلغ المستوى التاسع في المعرفة سلفاً، والسبب الوحيد لعدم قيامه بذلك هو انعدام الجدوى. فضلاً عن ذلك، لديه مهارات عقلية أخرى تبدو نامية من تلقاء نفسها، حيث تمنحه كل وظيفة عقلية مستويات لتتفاعل في حلقة تغذية مرتدة ترفع كل منها الأخرى. فكلما فكر بشكل أسرع زادت قدرته على تعظيم عدد عقوله، وكلما زادت عقوله لتمارين مهارة سرعة تفكيره تسارع ارتقاؤه بها. سيكون من الصادم حقاً ألا يتحول إلى ملك عقل".
إن حقيقة تبدو معها كل الملوك المقربين منه واثقين إلى هذا الحد لم تكن سوى مصدر ضغط إضافي. لو اقتصر الأمر على ميريد وحده، لتم عزوه إلى مبالغة ذلك الملك في إيمانه بمؤمن واعد؛ فهذا يحدث. أما أن يكون الآخرون واثقين بالقدر ذاته أو أكثر، فهذا يعني وجوب استعدادهم بجدية لدخول بن إلى صفوفهم.
تمتم أحدهم، وهو ملك صادف أنه أول من حقق إنجازاً مماثلاً، مستغلاً كل وقته الحر كمواطن في التركيز على الارتقاء بنفسه حين لم يكن يحاول رفع شأن الآخرين: "امتلاك إمكانية حيازة مهارات متعددة من الطبقة الثالثة، ألا يضعه ذلك في المركز الثالث تاريخياً؟".
وأشار آخر: "وهذه لا تزال مشكلة. فكفره لن يزول ببساطة، حتى وإن صعد من دون إيقاظه مجدداً".
كانت تلك مسألة تشغل أذهان الكثيرين. ثمة فروق طفيفة بين أولئك الذين يولدون ملوكاً وبين من يبلغونها سعياً، ولعل أبرزها طبيعة إلهياتهم. فالملوك الطبيعيون يجدون أنفسهم محملين باثنين أو ثلاثة، مثلما كان نار ملكاً للتحدي والصناعة أو هيلوري ملكة للسحر والمعرفة، بيد أن الرعايا الصاعدين يختلفون. عندما يرتقي الرعية إلى مرتبة الملوك، فإنهم يحوزون إلهيتهم الرئيسية، وهي مهارة الطبقة الثالثة التي تكون بقوة أي ملوك آخرين، لكن عوضاً عن حيازة ثانية، فإنهم يظفرون بمجموعة متنوعة من الإلهيات الصغرى التي تتطابق مع المهارات التي مارسوها في حياتهم، وكلها تتفاوت في مستويات قوتها.
لطالما اتسم كلا نوعي الملوك بنقاط قوة وضعف خاصة بهما، حيث يمتلك الأول عادة طاقة إجمالية أكبر قليلاً طالما عملوا ضمن النطاق الذي يمثلونه، لكن حين يتعلق الأمر بالملوك المنحدرين من أصل بشري، فهم غالبًا أقدر على التصرف خارج نطاق إلهيتهم الرئيسية دون اضطرارهم لاستهلاك قدر كبير من الإيمان. إجمالاً، كانت هناك فروق لكنها لم تكن كافية لخلق مشكلات أو إيجاد أي هيكل طبقي داخل صفوفهم، غير أن ذلك ظل يعني وجود معضلة ينبغي عليهم مواجهتها.
لو أصبح بن ملكاً لأي شيء حقاً، أكان للصناعة أم للمعرفة أم لغيرها من المهارات العقلية، فستبقى بحوزته سماوية انبثقت من ملك الكفر، مهما بلغ ضعفها بسبب عدم الاستيقاظ. إن لم يستيقظ. لم يملك فيكث إلا أن يلاحظ خلو حديث أي ملك مقرب من الفتى من التعليق على احتمالات تحقيقه لتلك المهارة بعينها، لا أنه نوى التدخل. وفي حين أنه لم يستمتع شخصياً بهذا المنظور، فإنه لم يكن ليغرق في السلبية والخوف منه مثلما فعل آخرون، وقرر إنهاء اللقاء قبل أن يتطرق إليه أحد.
فخاطبهم جميعاً: "يبدو أن كل التوقعات لا ترجح بلوغه الطبقة الثالثة قريباً بما يكفي لندخل في دوامة القلق حيال هذه الفرضيات. إن نجا العالم فسنتدبر كيفية الترحيب بالرسول بن بين صفوفنا حينها لضمان سلاسة الأمور مستقبلاً، وإن لم ينجُ فلن يعد الأمر مقلقاً. أرى أننا انتهينا الآن من كل ما استدعى اجتماعنا، وحان الوقت لختام هذا اللقاء. أراكم جميعاً بعد يومين".
شرع كل منهم في المغادرة ببطء عندئذ، مخلين العالم حتى استبد به الفراغ في نهاية المطاف. أما أنا فينبغي لي الاستعداد لمستقبل أجد نفسي فيه مجبراً على الوساطة دون توقف. فكر تنهيدة ممتلئة بالتعب، متطلعاً بشوق إلى اليوم الذي ينال فيه قسطاً من الراحة.