كان الظلام دجى حين غادر الأرشيف لكنه لم يعبأ بذلك. سمح لنفسه بلحظة يتأمل فيها ثيرا نائمة بعد أسابيع بدت كدهور قضاها بعيداً قبل أن يسرع إلى غرفة المعيشة حيث لا يزعجها. أراد جزء صغير منه أن يوقظها ويجرها لتنضم إليه لكنه قمع تلك النزعة الأنانية. هو من قرر قضاء كل ذلك الوقت في الأرشيف هكذا ولا مبرر لجعلها تعاني بسبب ذلك. خصوصاً حين يعلم كم تستمتع براحتها. جلس على مقعد وأضاء مصباحاً وخفت نوره قليلًا نظراً للوقت قبل أن يستحضر سكيناً بسيطة بقدرته فقط ليمنح نفسه ما ينقش عليه إذ شرع فوراً في محاولاته التي ستقتصر الأولى منها على نظام الحلقات غير المعدل.
إذ لم يكن هناك ما يضمن توافقه مع نظامه في النقش فقد كان حتماً عليه التدرب أولاً على نظام يتيح النجاح حتى لو رغب في تخطي ذلك والاندفاع نحو العمق لكنه كبح تلك الرغبة. الأفضل تخصيص وقت إضافي وإنجاز العمل بالطريقة الصحيحة وبغاية راسخة في الذهن فبدأ بنقش يكمل السكين. انتهى به المطاف باختيار نقش موت بسيط يستنزف حيوية الهدف. كان نقشاً يتزين به الكثير من أسلحته بما في ذلك آلاف القطع التي أرسلها للمجهود الحربي مما جعله الخيار المثالي لمحاولته الحالية إذ راح يضع الحلقات محاولاً محاكاة التلاعب الدقيق بالمانا وشعر بالفشل.
لم يكن الأمر مفاجئاً فهناك سبب لكون النقاش الذي عثر عليه قد اكتشفه بالصدفة. لا يوجد أي مبرر منطقي لتحريك مانا المرء بهذه الطريقة أثناء النقش. بل إن ذلك سيثمر نتائج أسوأ في الغالب ما لم يتم تنفيذه بإتقان تام مما يجعله تقنية تتطلب إتقاناً صارماً لاستخدامها بالشكل السليم. لكن إن استطاع ذلك الرجل تعلمها في أقل من ساعة محاولات فأنا أستطيع أيضاً. حطم نقش الحلقات الذي فشل وحاول استبداله مجدداً وشعر بفشل آخر بينما كانت عقوله المتعددة تفحص نفسها وتراقب تدفق المانا أثناء استخدامه لها.
كانت السيطرة على المانا إحدى أقوى نقاط قوته في السحر وهي ميزة نوى استغلالها إلى أقصى حد ممكن بينما كان يراقبان النقوش تتشكل وتتحطم في تعاقب سريع حتى حقق نجاحه الأول. كان الأمر مثيراً. تطور لطريقة نقشه إن سار كل شيء على ما يرام لكنه لم يتوقف لدراسة آثار التعديل البسيط. يمكن تأجيل ذلك لاحقاً. هذه طريقة تتطلب التمرن لذا فبمجرد تحقيق نجاحه الأول شرع فوراً في السعي نحو نجاح آخر مغيراً النقش الأولي إلى انتماء مختلف ليحاول مجدداً مبدلاً الانتمايات مع كل نجاح ومروراً بالخيارات العشرة كلها قبل استخدامه مع التعاويذ عديمة الانتماء.
لم يثق تماماً بنجاحه إلا بعد ثلاثين اختباراً. استطاع إعادة إبداع ذلك التغيير الطفيف في نظام الحلقات تماماً وبقدر ما تملكه الآن من رغبة في الغوص لمعرفة إن كان هذا التطبيق سيمتد إلى وسائله الخاصة في النقش وما بعدها فقد حان الوقت ليتحقق فعلياً من آثاره. لتحقيق ذلك أعاد تشكيل السكين في يده محولاً القطعة بأكملها إلى صفيحة معدنية رقيقة تاركاً رقاقة بالغة الرقة تكاد تتفتت تحت لمسته بمجرد أن يتوقف عن إمساكها معاً وطبق نقش الأرض المتين لتقويتها مستخدماً نظام الحلقات المعدل لرعاية الآثار المترتبة.
لم يكن الأمر جهلاً بما سيحدث. فقد صاغ نظرياته أثناء التجربة وشاهد اختبارات النقاش الذي استنباطها لأول مرة بل كان الأمر متعلقاً بالحاجة إلى رؤية ذلك بنفسه قبل الاستعداد للانتقال للمرحلة التالية من الأمور ومع استقرار حماسه بدأ دراسته. في تلك اللحظة كان يعي تماماً الأثر الذي كان سيحصل عليه لو استخدم النسخة العادية من نظام الحلقات. فنظراً لخفة الرقاقة التي صنعها ورغم أن النقش يسمح لها بالتماسك تحت وزنها الخاص لكان بمقدوره تحطيمها بيديه بسهولة بالغة.
لم يكن الأمر كذلك مع النسخة المعدلة عليها. ورغم أنها لم تتحول إلى حاجز منيع فقد تطلب تدميرها جهداً مع حاجة لقوة خفية خلف الفعل لم تكن لتتوفر لولا ذلك مما قاده إلى نفس النتيجة التي توصل إليها مكتشف التقنية. حين توضع نفس كمية المانا في النقش تتضاعف قوته أضعافاً مضاعفة. أو بطريقة أخرى يعني ذلك أنه بالإمكان جعل النقش أقل استهلاكاً للمانا بكثير مع تحقيق أثر مقارن. يا للروعة هذا أمر هائل.
هذا يفوق كونَه هائلاً. حتى بعد نجاحه بعد محاولات قليلة فلم يكن الأمر سهلاً بأي حال. تطلب الأمر المهارة التقنية لنقاش موقظ لكن هذا النوع من الأمور يجب أن يدركه كل واحد منهم على الأقل فور انتهائه من المزيد من الاختبارات. إن تعذر فعل ذلك بنظام النسج فسيتعين على كل نقاش في العالم التحول إلى نظام الحلقات بعد هذا عليّ فقط أن أرى... وهو يعمل مع النسج! أشكر السيّد لكان ذلك أمراً جنونياً.
أجرى نفس الاختبارات التي نفذها من قبل ملاحظاً فروقاً طفيفة في النتائج بسبب خصائص النظامين لكن مع بقاء نمو في القوة يجعله تعلماً حتمياً لكل من يستطيع. كل ما تبقى هو اختبار النظام الأهم بالنسبة إليه. نظامه الذي بناه بالمعارف التي اكتسبها في العالم وهو نظام يستحيل على أي شخص آخر استخدامه بأقصى طاقته ما لم يعمل على تنمية عقول إضافية قليلة تتيح لعمله التألق حقاً. نظام مكون من حلقات متداخلة تتألف كل واحدة منها من نسج لأخرى وتتكون الخيوط المشكلة لها من مانا ممزوجة.
نظام هائل الاكتمال يتفوق على سواه طالما امتلك المرء الموارد لاستخدامه وكان على وشك محاولة جعله أشد قوة. لأجل التجربة حاول أولاً إحداث التغيير على الحلقات الأكبر رغم توقعه الفشل. لمר يرد استبعاد الاحتمال بل إن البنية العامة هي ما جعلت الأمر مستبعداً في نظره وقد أكدت له الإخفاقات المتكررة صحة ظنّه. كلا ما احتاج لتجربته لم يكن إثارة التغيير على الحلقات الصغرى بل على الخيوط الأصغر التي تتألف منها كل حلقة ليثري مجمل النسيج المتمثل في سحره.
إن كان ذلك ممكناً أصلاً. إضافة ذلك إلى ذلك الجانب من نظامه ستشكل تغييراً هائلاً متطلباً منه تكرار حركة المانا الغريبة ذاتها عشرات المرات في آن واحد حتى لأبسط نقوشه نظراً لطريقة تنظيمه للأمور لكن بالمهارات التي يمتلكها حالياً كان الأمر ممكناً وأكثر. ستقدر عقوله على تحمل عبء البناء دون استهلاك حتى نصف العقول في رأسه وكان نقشه بمستوى عالٍ يكفي لضمان ألا يكون الصعود الشاق مستحيلاً.
بعد أن منح نفسه ثانية ليهدئ رجفته لتحدي التحدي سخر كل ما يمتلكه نحوه منشئاً نقش المتانة مرة واحدة بينما صبّ جُهده في المهمة لينتهي الأمر بمفاجأة. كان ثقل النقش أهول من أن يتحمل وتهاوت الرقاقة إلى رماد تحت لمسته.
"هه، لقد مضى وقت طويل منذ أن ارتكبت خطأ كذاك. كان حريّ بي تخمين الأمر مع ذلك. مئات الحلقات المؤلفة من عشرات النسجات أضيفت إلى كل منها كمية من المانا على هيئة تلك الخطوط عديمة الانتماء وتجمعت الحصيلة بأكملها. لا بأس مع ذلك فأخذ هذا في الحسبان يمكنني فعله عليّ فقط تقليص النطاق قليلاً. إن تراجعت عن نحو خمسة بالمئة من الحلقات أعتقد أن هذا سيعمل جيداً وعندها يفترض أن أرى انخفاضاً طفيفاً في تكلفة المانا بالإضافة إلى أثر تقوية. لنعد للأمر من البداية".
باستخدام تلاعبه بالمواد جمع مسحوق المعدن وأعاد تشكيله إلى رقاقة مجدداً قبل إعادة المحاولة مع بقائه واقظاً لأخطائه السابقة حين سمح لنفسه بتقليص حجم ما يضعه قليلاً فحسب قبل أن يرى بعينيه نجاحه. لقد تغير نظامه مرة أخرى وازداد قوة بسبب ذلك.
<ارتفاع مستوى النقش السماوي>
لعنة، أنا أفضل نقاش على هذا الكوكب اللعين. ضحك، وسرت نشوة النجاح في عروقه. لقد نجح، ومع مستوى إضافي فوق ذلك، وهذا يعني أنه سيكون قادراً على العمل بشكل أفضل فوراً مقارنة بما كان عليه من قبل عندما يعيد صنعه، لكن هذا سيؤجل. أراد أولاً أن يرى كيف يقارن ما فعله للتو باختباراته السابقة، فحاول مرة أخرى تمزيق الرقاقة. كانت تتفتت بين يديه وهي بلا نقش، وتماسك نفسها لكنها تتمزق كالورق مع النقوش الحلقية أو النسجية الأساسية، وتتطلب القليل من القوة لتحقيق النتيجة ذاتها بمجرد تعديلها بالتغيير، لكن الأمر هذه المرة كان في عالم آخر من الجهد.
تضافرت قوة نظامه النقشي معها وتركت الرقاقة في حالة تطلبت منه بذل قصارى جهده لتمزيقها. لا تزال قابلة للتدمير، ولكن بمدلولات ثقيلة. لم يكن بن ضعيفاً بأي حال. عندما بلغ الحد الأعلى لمتوسط القوة لأنواع البشر في العالم قيمة مئة وخمسين، طالما أنهم لا يتدربون بنشاط، كان هو أعلى من ذلك بأكثر من ستة أضعاف. شيء تطلب منه جهداً لتدميره قد يكون مستحيلاً على الآخرين الذين لم يبلغوا المرتفعات نفسها.
وهذا يعني أن هذا سيكون هائلاً لعملي. حسناً، أولاً وقبل كل شيء، علي إجراء المزيد من الاختبارات. مثل حمولة حمار كاملة من الاختبارات وبعد ذلك علي إعداد تقرير لأقدمه إلى... فرع نقابة الحرفيين الرئيسي لم يعد موجوداً ولا أعرف ما إذا تم استبداله بفرع آخر. حسناً، سأقدمه إلى كيلي نظراً لأنه سحر وأرجو أن تساعدني في معرفة كيفية توزيعه على بقية العالم. لم يتبق سوى البدء. استطاع رؤية مليون جانب مختلف لاختبارها لكنه امتلك وقتاً محدوداً للقيام بذلك وسط أعماله الأخرى.
سيكون مشغولاً جداً بالأمر لكنه استطاع أن يدرك بالفعل مدى جدارة ذلك، حتى لو كان يعني أنه لن يحصل على أي نوم في تلك الليلة.