هه، دمج الرصَد بسحر المكان أمرٌ جليّ، لذا لا أدري إن كان ينتمي إلى هنا حقّاً، لكن لا يمكنني أن أنكر بارعة المهارة التي أُنجز بها. لا أرى أيّ طريقة يمكنني تطبيقها على سحري، لكن سأبقيه في بالي على الأقلّ. مع انتهاء ذلك الكتاب وتحول غلافه إلى الأحمر دلالة على استيعابه للذكريات التي يحويها، أعاده بن مكانه وتأمل ما حققه من تقدّم. بوجود خمسة عشر غلافاً أحمر الآن، اقترب من منتصف ما يقدمه الأرشيف، ووصل إلى حدّ جعله يفكر ما إذا كان الوقت قد حان ليأخذ استراحة ويترك البقية ليوم آخر.
قبل أن يدخل، أخبرته ثيرا ألا يقضي مئات الساعات الكثيرة هناك، لكن مزيج تركيزه اليقظ ومسألة مثيرة جعلا الأمر أسهل من اللازم. كان عقله المكتظ يُحفز بطريقة نادراً ما يبلغها لولا ذلك وهو ينقب في كل كتاب حتى يعرف أسرارها، غير أنه لا يستطيع إنكار أنه انجز الكثير بالفعل، ومع تأثيرات تمدد الوقت التي خضع لها، اشتاق إلى ثيرا وميرياد، إلى جانب أصدقائه الآخرين. كان شعوراً غريباً حين يعلم أن أياً منهم لم يلحظ غيابه حتى.
بالنسبة إليهم، كان مستلقياً في الفراش فحسب. بل إن ثيرا كانت إلى جواره، مع أنه لم يبرح مكانه ليدرك ذلك في تلك الحال. لكن إن مكثت طويلاً فقد أصبح ملحاحاً بحين أخرج. …واحداً آخر فحسب. ما الضرر في ذلك؟ حتى وإن أراد الانتهاء ليذهب ويكلم ميرياد في عالم سيده ليتخلص من بعض المشاعر التي تركها وجوده هناك، لم يستطع إنكار فضوله أيضاً. تعاظمت آماله بأن يحدث شيء ما بمجرد أن يفرغ من كل شيء ليرغب في إحراز كل تقدم ممكن، حتى وإن عجز عن تخمين ما قد يكون عليه.
كان غموض الأمر هو ما أسر مخيلته ودفعه للمضي قدماً ليرى الأسرار التي تطويها، والدفع ذاته قاده ليمدّ يده نحو الكتاب التالي، ليفتحه ويبصر الحياة التي يطويها. فجأة، وجد بن نفسه في مكان آخر، متفرجاً في جسد لا يملُك عليه سيطرة، تماماً كما كان الحال مع باقي الكتب. الاختلاف الوحيد عن البقية كان في المحيط الذي وجد نفسه فيه. في البقية، وجد نفسه في ميادين معارك، وساحات تدريب، ومختبرات وأماكن مشابهة أخرى.
كلها أماكن يتوقع المرء أن يصقل فيها السحرة حرفتهم. لكن هذه المرة كانت منطقة لا تشبه أياً من سابقتها، ومع ذلك بدت مألوفة له أكثر من أيّ منها. الشخص الذي شهد ذكرياته كان جالساً في ورشة، ما يشبه كوراً بجانبه ويمسك مقلاة معدنية بسيطة. فجأة، غمرت بن رغبة عارمة في استيعاب كل ما يراه متجاوزاً اهتمامه بأي سحر على وشك الإلقاء. كانت هذه مرته الأولى التي يرى فيها شيئاً يطابق اهتماماته بهذه الدقة، ولحضارة لم تعد موجودة فحسب، بل تركت بلا أثر في العالم.
لم يستطيع تخمين ما سيُصنع هناك لكنه أراد بشدة أن يعلم، آملاً برجاء ألا يخيب أن ينشغل الرجل المرتكز على المقلاة قليلاً ويتلفت حوله. لكن عوضاً عن ذلك، بقيت عيناه معلقتين بعمله، مظهرًا تركيزاً استطاع بن استحسانه على الأقل، حتى وإن حال بينه وبين الأسرار التي تحويها المنطقة إذ شرع الشخص في السحر، صانعاً وحاطماً للخواتم مراراً وتكراراً، محاولاً فعل شيء ما. أثار اهتمامه على الأقل.
ممّا قدره عبر حسّ مانا الساحر، لم يكونوا مهرة في حرفتهم بقدره، رغم قربهم المدهش، مما يعني أنه في عالم سبق النظام، لا بد أنهم بلغوا أعلى مستوى أستاذ متاح في ذلك العصر. بكل المعايير، كان يشاهد ساحراً عبقرياً في العمل، مما زاد الأمر أسفاً لعدم تمكنه من إبداء إعجابه. جودة المهارة كانت طيبة، والمشكلة كانت في الهيئة التي اتخذتها التعاويذ. لقد استخدمت نظام الخواتم ذاته الذي يمكن العثور عليه في محاكمة غالواكس.
كان مبتكراً وله نقاط قوته، ولن ينكر بن ذلك أبداً، لكنه جعله خاصاً به بالفعل. عبر دمجه مع نظامي النسج والخلط، رَفَعَه فوق ما وجد مسبقاً، مما جعل العرض الذي تلقاه مثيراً بالمعنى الأكاديمي البحت إذ شاهد شخصاً يمارس طريقة عدّها هو بالية. مع ذلك، يبدو حقاً أنه يفعل شيئاً غريباً بعض الشيء بماناه. ربما ثمة دقة فائقة تفوتني هنا؟ لم يضره التركيز عليها على الأقل طالما ظل عالقاً في الذاكرة، محاولاً فهم ما يجري.
بدا الأمر وكأن الشخص يحرك ماناه، ولأي غرض لم يستطع قوله، ومما زاد الطين بلة حقيقة أنه كان يفكر بلغة جديدة. إن أراد بن المعرفة، فسيتعين عليه فك شفرتها أولاً. وهو ما سأفعله لاحقاً على أي حال ولن يكون سيئاً للغاية على الأرجح بالنظر إلى الممارسة التي حصلت عليها بالفعل، لكن— انتظر، بحق الجحيم ما هذا؟ شعر برضا الساحر وهو يرتخي، بعد أن نجح في غايته. لم يكن الأمر واضحاً تماماً، فحسه المانا أسوأ من حس بن نفسه، لكنه استطاع تمييز التغيير الذي طرأ مع أيّ حدث وقع لتوّه.
حلقة أَنحف من المانا، مربوطة برفق بكل من تعاويذ الخواتم العادية، لتغير هيئتها الأساسية. كان شيئاً لم يره سوى مرّة من قبل لكنه ألفه بعمق. كانت هيئة السحر الأساسية التي تتكون منها محاكمة الملك الميت.
"يا للجحيم. اللعنة بحق الجحيم! كيف فعل ذلك؟"
حينها، ظن بن أن ذلك أمر لا يبلغُه سوى الملك. وظن أن خيوط مانا أنعم قد فُرِشت على كل خاتم فردي، وهو أمر لم يستطع نسخه حتى مع مهارته العالية، لكنه كان مخطئاً. الساحر الذي اكتشف لتوّه محاكاة عمل ملكه لم يكن أفضل منه، مما يعني أنه سيكون قادراً على فعل ذلك أيضاً. احتج فقط لرؤية الكيفية. فجأة نُسي أيّ تفكير في بقية الورشة، وتكرس تركيزه بأسره لمعرفة كيف أُنجز وانتقل إلى الذاكرة التالية، ثم التي تليها وهكذا، فوجد عدداً أقل قليلاً من الكتب الكثيرة لكنه ليس قليلاً ليعجز عن تعلم شيء، حتى وإن لم يكفِ.
الآن بعد أن رآه لم يستطع المغادرة بعد. كونه بلغة جديدة يعني فقط أنه بحاجة لتوسيع عينة اختياره، تماماً كما فعل مع البقية، ومع وضوح تلك الغاية في أفكاره التفت إلى بقية الكتب، بنظرة نهمه في عينيه بينما استهدف التهام قدر ما يحتاج ليحصل على مراده. من هناك، سقطت كل الاحتمالات إذ تماشى آلاف الأفكار تماماً مع تلك الغاية، عاثرة على الأمثلة الأخرى المماثلة للغة الساحر ومتهامتها، غير آبهة بما اكتشفته خارج السياق الذي منحته لما كان يحاول تعلمه بينما استبصر تقديراً جديداً لما كان عليه الأرشيف حقاً.
كمستودع للمعرفة، كان مثيراً بما يكفي، لكن كونه علّمه شيئاً جديداً وممثيراً، ارتفعت قيمته لقمم هائلة تتجاوز مجرد كونه غرضاً أسطورياً. مع تلاحم قواعد اللغة في رأسه وانطباق الترجمات المحتملة في كلّ متكامل، كان يتحرك أسرع بكثير من سابقاتها، حتى مع أخذ خبرته الجديدة في الحسبان، ولم يتوقف إلا حين تأكد من امتلاكه لما يحتاجه، وابتسامة فضولية ومتفاجئة تبسط على وجهه ليترك غير متأكد مما إذا كانت الترجمة التي يملكها صحيحة حقاً.
"يجب أن أتحقق. ياله من ملك، أرجو أن يكون هذا صحيحاً."
فتح الصفحة الأولى من جديد، مستمعاً بحذر لكل كلمة قبل أن يتابع البقية، ليرى الكتاب يتحول إلى الأحمر بين يديه بينما انفجر ضاحكاً بعمق، مستشعراً مستوى من البهجة لم يتوقع بلوغه. ظن أن الساحر كان يحاكي ما رأى غالاكس ينتجه، لكنه كان مخطئاً. بدا أن الشخص الذي خُزِّنت ذكرياته كان في منتصف يوم تمرين عادي حين لامس اضطراب ما في تحكمه بالمانا عمله بطريقة أثارته، مما قاده للاكتشاف المذهل حين ترك غرائزه تتولى الأمور لترى أين ستفضي، وكل ذلك يعني أمراً واحداً بالغ الأهمية.
ما رآه في المحاكمة لم يكن قطّ صنيع الملك. ليس حقاً. بالطبع، كان غالواكس على الأرجح من فرَش ذلك السحر، لكنه كان اكتشافاً ثمرة عمل أحد بشره، وجيداً لدرجة لا يمكن حتى للإلهي إنكارها. أراد الاندفاع فوراً ليرى إن كان بوسعه نسخ النتائج الآن بعد أن امتلك الأفكار خلف الفعل، لكنه تمهل طويلاً بما يكفي لإعادة الكتاب مكانه على النحو الصحيح وتقديم صلاة للساحر الميت منذ زمن طويل.
حتى وإن لم يبلغوا معاييره الفنية، فقد كانوا أسياد حرفتهم ممن حققوا اكتشافاً مذهلاً وبقدر ما يخصه استحقوا كامل الاحترام لأجله.