قال: "يا للهول!"
قضى ما بدا وكأنه أسبوعان كاملان داخل الأرشيف رغم أن الزمن لم يعدو دقائق معدودة في العالم الحقيقي، يراجع كل ما رآه في مجلداته الاثني عشر الأولى كرة بعد أخرى، محاولاً تفكيك اللغات الميتة بالاستعانة بما يملكه من قرائن سياقية حتى شعر بأنه قطع شوطاً طويلاً في مشروعه، أو هكذا ظن على الأقل قياساً بما بين يديه. بناءً على ذلك، قرر أن الوقت قد حان ليرى ما إن كان أي من الكتب الأخرى سيساعده في التقاط بضع كلمات هنا وهناك، أو سيؤكد له بعض تخميناته الأقل ثقاة، ليظفر بأكثر مما حلم به قط.
كانت الصفحة الأولى تشبه سواها. كائناً مجنحاً يبتكر تعويذة جديدة. في تلك الحالة بالذات، تعويذة تدمج البرق بتأثير سمّيّ، لكن الأمور باتت أشد فائدة بما لا يُقاس انطلاقاً من هناك. فعلى عكس البقية الذين بدا أنهم يطورون اكتشافاتهم في الميدان، صنع هذا الكائن صنيعه فيما يشبه مختبراً ومفكره في يده، يسجل الاكتشافات ويفكر فيما يخطونه أثناء فعلهم ذاك، مانحاً إياه الأصوات التي تمثلها كل حرف ومزيداً من السياق للأرقام أيضاً.
وما إن رأى ذلك حتى شرع يقارنه بكتابات الكتب الاثني عشر الأخرى، مختبراً الأصوات التي تصنعها الكلمات ليطابقها بما سمعه في كل ذكرى، ومفحصاً الكلمات المكتوبة التي لم تظهر مسبقاً في أي شيء سمعه، ناظراً في صلتها بالبقية حتى شعر وكأن عمله قد خطا خطوة هائلة للأمام. وحتى لو كانت المعلومات لا تزال ناقصة، فإن مخزون الأمثلة الأكبر أتاح له تنقيح أفكاره حول بنية اللغة ورفع أو خفض بعض تخميناته بشأن الترجمة، وكل ما احتج إليه هو الاستمرار.
طارت الساعات بينما كان يدرس، معيداً تفحص كل ما استوعبه بالفعل ليبحث عن أي تشابهات أو اختلافات بين اللغات المختلفة التي رآها، وشعر برأسه ينبض تحت وطأة الإجهاد. في تلك اللحظة لم تعد المسألة لغزاً مستعصياً، بل لغزاً يعتمد ليس فقط على ما يحويه كل كتاب، بل على سجلات حياته اليومية وهو يستعيد مئات المحادثات التي خاضها عبر عشرات الأيام، مفككاً الكلمات التي استخدمها هو وشركاؤه في الحديث ليحدد القواسم المشتركة ومعدلات استخدامها مقارنة بما يترقبه من لغته الإنجليزية الأم، محاولاً إيجاد قواعد مشتركة قد تتجاوز الأنواع الحية، حتى وإن بدت مرنة.
ساعده ذلك الفعل في جلاء المزيد من الغموض. فالكلمات الشائعة، هو، من، ذلك، إلى، ال، وما بعدها، تستحوذ على غالبية أي لغة طبيعية طالما لم تكن شبيهة بأي من جنون قوم سيّده، مما ضيق نطاق بحثه أكثر فأكثر، وأتاح له المزيد من التنقيح حتى لم يتبقَ سوى الكلمات الأكثر تخصصاً التي لا تتكرر كثيراً. تلك كانت الكلمات التي ما زال عليه إتقانها، لكن مع ما بات يشعر به من ثقة، غدت المشكلة أكثر يسراً بكثير.
حاول التفكير باللغة الأولى التي سُمح له بسماعها، ومارسها بالقدر الذي استوعبه ليجد الثغرات بتلك الطريقة، ثم نظر فيما ينقصه وقارنه بالخيارات المجهولة التي ما زالت بحوزته. لم يكن الأمر سريعاً، قط. حتى لو مرّ وقت قصير في العالم الحقيقي، وتحت تأثير سرعة التفكير غير الطبيعية وتأثيرات تشوه الزمن في الأرشيف، بدا وكأن أياما إضافية تنقضي في محرابه، لكنه أمر انغمس فيه حتى أعاد في النهاية فتح الكتاب الأول ليرى بنفسه مدى نجاحه.
تماماً مثل المرة الأولى التي فتحه فيها، وُجد في جسد كائن مجنح مذعور كان بصدد مواجهة قطيع مما بدت أسماكاً طائرة، لكنه بات يفهم الآن الأفكار الكامنة خلف الأفعال. كانت هناك كلمات متفرقة هنا وهناك لم تكن واكدة لديه، لكن التعويذة التي أسقطت تلك الوحوش أرضاً لم تعد لغزاً على الأقل. بدا أن الكائن الذي يعيش ذكرياته قد قاد حياة حافلة بالإثارة، إذ خاض التجربة ذاتها التي أُجبر بن عليها وأعاد ابتكار تعويذة بطريقة مبتكرة.
بينما حمل بن ذكريات سلبية للمعاناة تحت تأثير جاذبية بلا تقارب، بدا أن الشخص الذي يعيش من خلاله قد سعى لإعادة إنتاجها بالسحر الذي بحوزته، لينتهي بالنتيجة ذاتها من مزيج الفضاء والأرض. رائع. لا عجب أن هذا الرفيق استطاع ترك سجل هنا، لا بد أن هذا تطلب جهداً ضخماً لإنجازه. بالطبع، نظراً للوضع الذي كان فيه حين بدأ لم يبدو أنه يملك خياراً سوى ذلك لكني أنا من بين الجميع لا أستطيع معارضة فكرة أن اليأس يولد الابتكار.
سأضطر لاستخدام هذا في شيء من عملي الخاص. بغض النظر عن أي مشاعر سيئة يضمرها تجاه جالوكس، فلن يدع ذلك يمتد إلى عرقه، ولا إلى أي اكتشافات ربما توصلوا إليها. لقد كان جلياً أنهم قوم متمرسون في السحر ومتقدمون فيه كذلك، فأغلق الكتاب بصوت مكتوم مرضي، متخيلًا مسبقاً ما قد يمكنه تعلمه منهم، قبل أن يواجه تغييراً فريداً. الكتاب الذي كان يحمل في الأصل غلافاً أزرق مثل كل كتاب آخر رآه، تحول إلى اللون الأحمر عندما أغلقه.
قال: "ماذا؟ حسنًا، هذا جديد. لم يفعل هذا من قبل مطلقًا، هل أخطأت في شيء ما؟ لا، هذا سخيف، أنا أطبق نظرية الألوان البشرية على عرق غريب. لقد فهمت بالتأكيد ما كان يجري هناك إذن هذا هو السبب؟ لقد تغير لونه لأن شيئًا ما في كل هذا اكتشف أنني فهمت بنجاح ما يحتويه؟"
لم يكن يعلم ما يعنيه ذلك، لكنه لغز لم يملك إلا أن يتركه غامراً إياه بالحماس. إن كان مصيباً فسيرى الأمر مجددًا حين ينهي الكتاب التالي. ثم الذي يليه، والذي يليه، ولكن أهذا كل شيء أم أن هناك ما هو أبعد؟ افترض أن تعليم كتاب ما للإشارة إلى أنه استنفد كل ما يمكنه جنيّه منه ربما كان مجرد طريقة لتتبع ما قرأه، لكنه لم يعتقد أن الأمر يقتصر على ذلك. كان ذلك أصغر من أن يخص أثراً أسطورياً تركه ملك ميت، مما لم يُبقِ سوى سؤال واحد يتردد في رأسه.
تُرى، ما الذي سيحدث إن فهمتهم جميعاً بالشكل الصحيح؟ حتى وإن بدا وكأنه قضى أسبوعين في الأرشيف بحلول تلك اللحظة، لم يعد ذلك يهم. سيكون الوقت لا يزال في جوف الليل في العالم الحقيقي وقد فك أخيرًا شفرة لغات الكتاب، ولم يسعه إلا أن يأمل أن يرقى ما سيحدث في النهاية إلى مستوى توقعاته المتصاعدة.