لم يمرّ أكثر من خمس عشرة عُقَيْدة على عودته إلى العمل حتّى سمع طَرْقاً على الباب فمضى ليستجلي الأمر ليجد ثيرا وراءه تبدو أشدّ إرهاقاً ممّا كانت عليه حين افترقا بينما بدا أُصو مزيجاً قويّاً من الفضول والحماس.
"أفتقدتني سريعاً؟"
"أحتاج أن تبرح أحدهم ضرباً من أجلي"، تنفّدت بصوت ذابل وبدت محطّمة ذهنيّاً وهي تسأل.
"أظنّك أقدر على ذلك منّي."
"نعم لكنّ هذا المزعج يصرّ عليك وأظنّ حقّاً أنّ رؤية ذلك ستكون مريحة للغاية فلا مانع لديك أليس كذلك؟"
"حسناً، بالطبع. أشرح لي في الطريق."
أصدق الباب من وراءه وهو يتبعها سامعاً التفاصيل وهما يغادران.
"إذن أتذكره ذلك الرجل الذي أخبر الجميع في البلدة أني قديسة وأميرة؟"
"لم ألتقِ به لكن نعم. أظنّه عاد؟"
"نعم، كان في النقابة وحين رآني أخذ يقول إنّه سيظلّ عائداً ليثبت نفسه أو ما شابه ما لم تقاتله في نزال."
"ماذا؟ النزالات غير قانونية هنا. تلك إحدى أفضل مزايا هذه البلدة. لنشتكِ للحراس."
مع أنّها كانت عادة في أراضٍ تعبد في الغالب ملوك المحاربين، كانت ستونوال مجتمعاً مختلطاً. كانت القوانين أكثر راحة للجميع مقارنة بأي شيء يميل كثيراً نحو عقيدة أو فلسفة واحدة، وبقدر ما استطاع سماعُه بدا وكأنّ لديهما حلاً سهلاً لتجنّب الأمر وإبعاده عنهما، لكن وجه ثيرا كان ينبئ بأنّ الأمر لن يكون بهذه البساطة.
"سيسلي خرجت حين كان يقول ذلك وقالت أساساً إنها ستوافق على ذلك كنزال ودّي لا كمعركة حقيقيّة لذا ستشرف هي عليه."
"هذا يذكرني، يجب حقّاً أن أستقيل من النقابة. لا أزال أستطيع الذهاب معك أحياناً وأنت تؤدّين مهامك، لا أكون بحاجة لأكون مغامراً لأفعل ذلك. فضلاً عن أني حصلت على كل كتب النقابة المتاحة ونلت وظيفة المعلم. ليس ثمّة ما يقدمه لي ذلك المكان قط."
"حسناً، يمكنك التحدث إليها بشأن ذلك حين نراها."
واصلا طريقهما، لا إلى النقابة نفسها بل إلى ساحة التدريب العامة خارج البلدة حيث تجمّع حشد كبير بشكل مدهش وبدا العشرات كأنهم ينتظرون معاً حين تقدّم أحدهم.
"حسناً بن، لا يمكنني القول إني لا أتشوق لرؤية ما يمكنك فعله"، قال رئيس النقابة بابتهاج.
"أشعر أن السماح بنزال تحت ستار التدريب هو سوء استغلال للسلطة. أين أجد العمدة؟ أريد تقديم شكوى."
"وه، لا تكن هكذا. سيكون هذا أفضل لك على المدى الطويل. إن ضربته قليلاً فقد يتراجع."
"حسناً، لكني لست مقاتلاً! لمَ تظن أني سأفوز؟"
"ألن تفعل؟"
"لا، على الأرجح سأكون بخير."
إن كان الرجل يملك مهارة قتال توقظت فقد يقع في ورطة، لكن صفات بن كانت عالية وبجمع إمكانات مهارات عقله وسحره شكّ في أنه سيواجه أي ورطة تذكر. مع ذلك، لم يعنِ هذا أنه يريد القتال حين يمكن تجنبه بكل بساطة. لكن سيسلي بدت غير راغبة في إفلاته.
"رائع، سيخفف هذا الأمور مع بقية المغامرين أيضاً لذا فلنبدأ-"
"انتظر"، تحدث بن بحزم، جادّاً بها للوراء وهي تحاول العودة إلى الحشد.
"عمَّ تتحدثين؟"
"أحم، يبدو القليل منهم غير راضٍ قليلاً لأنك في المرتبة الأولى"، اعترفت بعد أن أدارت وجهها.
"أظنهم يعتقدون أنك لا تستحق ذلك بما أن مهاراتك المستيقظة ليست موجّهة للقتال ويقول البعض إنك تُجرّ فحسب بفضل قوة ثيرا."
"حسناً، هم ليسوا مخطئين. هذا يذكرني. أريد الاستقالة."
"لا مجال لذلك. والآن تعال، فلنبدأ هذا."
وحين تكلما لم يكن الحشد قد زاد إلّا نموّاً مع إقبال المزيد من الناس بعد سماع خبر ما يجري. ونظراً لأن بن كان أحد رجلين في البلدة بالمرتبة الأولى فلم يسعه إلا جذب الأنظار الفضولة إضافة إلى عدد ممن ظنّوا أنه قد يكون مضحكاً رؤيته يخسر. ولم تكن لديه أي نية لإنكار أي استياء بشأن مرتبته. في مكانهم، كان واثقاً أنه سيشعر بالشعور نفسه. <الآن يا بن، أرجوك بأدب شديد ألا تقتل هذا الرجل>، طلب ملكه بأدب، دون أمل كبير في أن تُجدِي مناشدته.
ماذا؟ يا ميرايد، أي وحش تراني في نظرك؟ لن أقتل بشراً هكذا وحسب. <قل ذلك لأثر> يمكنني ذلك تماماً لأن ذلك الوغد لا يزال حيّاً. استطاع أن يرى أن ثيرا لم تكن وحدها في الحشد بل صوفيا أيضاً، مما يعني أنه مهما يحدث فسينصرف اثنتان منهن وسلك طريقه أخيراً نحو المنتصف حيث بدا رجلٌ كمن يستعرض عضلاته. ماسِكاً بسيف في يده، كان يلوّح به ليراه الجميع مستخدماً حركات ووقفات لم يتلقَّ بن تدريباً لمعرفتها بينما كان يبعث عموماً بأجواء متعجرفة.
واقفا أطول قليلًا من بن مع علامات زُرق على جسده ربما لم تكن وشوماً إلى جانب عينين فضيّتين ثاقبتين، بدا بالتأكيد مقاتلاً، لكن بن لم يُبهر. كان الرجل قد رُفض تماماً لكنه لم يكتفِ بعدم تقبّل الأمر بل كان يجرّ أشخاصاً آخرين إليه. كان ذلك مزعجاً. حسناً، ربما أريد أن أضربه قليلاً. لكنني لن أقتله.
"آه، إذن أنت الصانع!"
نادى متفحصاً بن وهو يفعل ومغذّياً ثقته بما كان يراه.
"أتمنى ألا تأخذ ما سيحدث بشكل شخصي ولكن إن كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لتربيح القديسة الر جميلة أن هناك خيارات أفضل متاحة فليكن."
…والآن أريد أن أضربه كثيراً. <بن…> ما زلت لن أقتله، لا تقلق.
"اسمع يا هذا، لا أودّ البتّة قتالك حين تكون لدي أمور أضلّ شأناً وحتى لو فزت فلن تغشي ثيرا فجأة وتسقط بين ذراعيك. الأرجح بكثير أن تبرحك ضرباً بدل ذلك."
انتظر، قد يكون هذا مضحكاً. ربما يجدر بي تلقّي ضربة أو اثنتين؟
"ها، اسمع هنا أيها الصانع، لقد سمعت ما يكفي عنك. المهارة المستيقظة مثيرة للإعجاب، أمنحك كل الاحترام الواجب، لكن العالم لا يحتاج إلى حرفيين الآن، ولا امرأة بجمال تلك تحتاج لمن يشبهها. إنها تحتاج إلى من يستطيع حمايتها، هل تظن حقاً أنك قادر على ملء ذلك الدور؟"
"لست بحاجة لذلك. تستطيع ثيرا الاعتناء بنفسها وزيادة، ولا تحتاج لأي نكرة ليأتي ويمثل دور الأمير"، ومع ذلك فقد اخترق التعليق جلده وبعث فكرة في رأسه، فكرة عجز عن مقاومتها الآن بعد أن تملك العزم على الفوز.
"على أي حال، لقد جررْتني إلى هنا بعيداً عن عملي خصيصاً لأبرح ضرباً. إن كنت رجلاً عظيماً إلى هذا الحدّ ألا يفترض بك أن تكون مستعداً للمراهنة بشيء إن خسرت؟"
"سأرحل ولن تراني أبداً، لا تقلق بشأن ذلك."
"نعم بالطبع ستفعل لكني أبحث عن شيء أكثر. أنت تهددني وتضيع وقتي الثمين، فعوّض ذلك بدفع المبلغ الذي أجنيه عادة في يوم."
كان يفكّر في الأمر، موازناً الإيجابيات والسلبيات ممّا يعرفه عن بن، لكن ذلك لم يكن كافياً أبدا لما احتاج لمعرفته. كان يدرس مقدار ما يمكن لصانع مستيقظ بيعه في بلدة كهذه، ومع أنه مؤكد لكثير، فلم يكن مبلغاً لا يُطاق. ما لم يكن يدرسه هو مقدار ما كان يدخل حالياً من مئات القطع التي كان يشحنها، والمبلغ الذي يجنيه من كل براءات اختراعه، والمبلغ الذي كان يسحبه من الإنتاج المستمر لجرعات التقوية التي توزع حول العالم.
لم يكن يجنّي ما يكفي لِيُعدَّ غنيّاً فحسب، بل كان يجنّي ما يجعل وصفه بغنيّ فاحش تقصيراً في الوصف. <أظنّ أن إفلاس أحدهم ماديّاً أفضل من قتله مباشرة> بالتأكيد هو كذلك. أيمتثل أحد آخر للمشاهدة بالمناسبة؟ <أنا أفعل> أجاب هيلوري، وشارك ناري أيضاً. <وأنا أيضاً، إلى جانب عدد ليس بقليل من ملوك الحرف الأخرى.> أحقّاً؟ لمَ هذا العدد الكبير؟ <نكتسب عبادة أولئك الذين يضطرون بانتظام للتعامل مع عملاء مشاكسين، قد يعدّ هذا رياضة.> ضحك.
حسناً، يناسبني الأمر.
"سأفعلها"، نطق الرجل بحزم، رافضاً الظهور بأقل من الثقة حين استدار ليطتلق ابتسامة رائعة لثيرا لم تلاحظها حتى.
"إن كنت قد تحريت أمري فعليك أن تعلم أني رسول"، حذّر بن، ليكن الأمر عادلاً فحسب.
"أنت تقطع هذا الوعد أمام الملوك ميرايد، ناري، هيلوري، والمزيد مما قيل لي. من الأفضل لك ألا تحاول التراجع."
"قيمة المحارب من قيمة كلمته."
"جيد، إذن، فلنبدأ."
تقدمت سيسلي بينما نفخ الرجل صدره صارخاً في الحشد.
"باسْمِ فاتو، أنا-"
"لا أهتم!"
صرخ بن رادّاً وقاطعه.
"سيسلي، إن كان عليّ تحمُّل هذا فنادي لبدء المباراة وخلصنا."
بدت وكأنها تحاول ألا تضحك، غير عالمة تماماً بالقدر الذي سيجنيه بن لكنها تمتلك فكرة أفضل بكثير من ذلك الباحث عن شجار وهي ترفع يداً في الهواء.
"كلاكما، هناك معالجون جاهزون لكن دون سعي للقتل. والآن استعدّا وابدَأا!"
وما إن تلفظت بها حتى أحضر بن كل عقوله إلى أقصى سرعاتها مقبلاً على الرجل الآخر أمامه. كانا متباعدين بما يكفي ليضطرا للاستلقاء في المنتصف إن أرادا الاشتباك وبدا وكأنه ما إن أُعْلِن البدء حتى بدأ بالحركة مندفعاً للأمام ليواجه خصماً قرر حسب ما رآه أن يأتي أعزل. لم يهمّ ذلك بن قط. في أقل من ثانية تجسد منه المانا صانعاً مسدساً وطبّق عليه جميع التعاويذ الأقوى التي استطاع قبل أن يضغط الزناد مرسلاً رصاصة عبر أحشاء خصمه إلى الحقل خارجاً ليتحطم هدفه واقعاً على الأرض.
منهياً القتال.