بدأت ثيرا تستعيد وعيها ببطء، رغم أنها اضطرت لمجابهة ذلك الشعور الثقيل الذي كان يثقل كاهلها في كل خطوة. آه، أشعر وكأنني لا يجب أن أكون نائمة الآن. ما الذي كان مفترضاً مني فعله؟ لعلّه ليس مهمّاً، بوسعي الاستراحة قليلاً بعد، أليس كذلك؟ … الاختبار! انتفضت واقفة دفعة واحدة، في كامل يقظتها، لتجد نفسها قد عادت إلى غرفة استراحة البرج، وما زالت أمها نائمة بجانبها بينما جلس فونا وبن وكارلي على مسافة غير بعيدة، وكان الأخيرَان يتناولان وجبات خفيفة.
هتف بن وهو أول من لاحظ نهوضها بينما اقتربت منهم بتردد، غير متأكدة تماماً ممّا إذا كانت رؤيتها هذه مجرد هلوسة سبّبها تأثير الطابق: "أهلاً، سدنا عودتك إلينا".
"ما الذي حدث؟"
أوضح قائلاً: "آه، لقد وقعنا في اختيار سيّئ. ربما أسوأ طابق كان يمكن أن نحصل عليه. يملؤك هذا الطابق بالريبة بعد دخولك إليه بنحو دقيقة ليولّد مجموعة من التأثيرات العقلية تبدأ من ظنك أن رفاقك يضمرون لك الشر وصولاً إلى الاعتقاد بأنهم دخلاء، وفي الوقت ذاته، يزودك بوشاح من الوحوش التي يتوجب عليك شق طريقك عبرها. بصراحة، إنه غير متوازن بالمرة قياساً ببقية الخيارات، ممّا يجعلني أتساءل عما إذا كانت كل الأبراج تضم قسماً صعباً بشكل غير معتاد ضمن دوراتها أم أن هذا الطابق جاء نتيجة تصميم سيّئ بعض الشيء. على أي حال، ونظراً لمدى قوة أنتِ وكارلي، فقد كان علينا التصرف بسرعة للتأكد من عدم تفاقم الأمور، لذا لم يتسع الوقت كثيراً للشرح. آسف".
كان ما أخبرها به لتوّه كفيلأ بتذكيرها بما قرأته في قائمة شروحات الطوابق التي مُنحت لها في اليوم السابق، إلى جانب الكيفية التي يمكن بها اجتياز ذلك. تنويم المتحدين ومن هناك حملهم عبره. في الوقت الذي قرأت فيه ذلك، افترضت أنها ستكون الشخص الذي يقوم بذلك، مرجحة أن يدمج بن عقله مع عقلها لمحاولة صد بعض تلك التأثيرات، غير أن الأمر بدا أكثر منطقية بوجود عالتها هناك نظراً لأن تعويذة مظلمة لن تؤثر عليها أساساً.
سألت: "حسناً، أليس هناك ما يمكنك فعله حيال بقايا النعاس هذه، يا خالة؟ أشعر وكأنني قد أغط في النوم في أي لحظة".
ضحكت الروح العظيمة وقالت: "ليس هذا من فعلي. أي جانب من التعويذة التي ألقيتها قد زال. ويبدو أنه يتعين عليك لوم سلالتك لكونك ما زلت تشعرين بالتعب".
ضحك بن وقال: "هذه ثلاث مرات من أصل ثلاث تخص عائلتكم في عدم البراعة بالاستيقاظ. كنت أظن أن أمك ستكون أفضل حالاً منكِ أو من سونيا نظراً لأن لديها عملاً مهمّاً نوعاً ما، لكن يبدو أنها أسوأهن جميعا".
شعرت ثيرا بسخونة وجنتيها وهي تقول: "ربما كانت منشغلة للغاية لدرجة لم تدع لها مجالاً للنوم كثيراً مؤخراً".
ليس لدي أدنى فكرة عن كيفية التحسن في الاستيقاظ صباحاً.
"حسناً، لا ضرر في انتظارها حتى تستيقظ قبل أن ننتقل إلى التالي. هيا، لقد غبتِ عن الوعي لفترة لذا كلي وجبة خفيفة".
سألت بن: "إذا كانت فترة طويلة ألا يجدر بك أن تأخذ قيلولة أو ما شكل ذلك إذن؟ لن يكون الأمر جيداً لو كنت متعباً على طول الطريق".
شاكسها قائلاً: "ها، لقد غفوت لمدة ساعة تقريبا، أنتم فقط أفضل مني في ذلك. لذا لا تقلقي، ومع بقاء طابق واحد حتى نؤمن البركة، أنا في أتم لياقتي".
الطابق الثالث. رافق دخوله هلع مواجهة ما قد يُفرض عليهم، لكنّ بن تعرّفه فوراً، فغمرته موجة من الابتهاج لمدى سير الأمور بمصلحتهم حتى الآن.
قال: "هذا الخيار السادس. هلوسة أخرى مدموجة بالقتال. ستُجبرون على القتال حتى يموت الحقيقيّون جميعاً. فونا، أتستطيعين تدبّر هذا؟"
أجابت: "مم، أستطيع، ألا ترين حقاً أنّ هذه مرحلة تدريب مناسبة؟ لمَ لا ندع الفتيات يجرّبن قليلاً وإن لم تسر الأمور جيداً فسأتدبّر الباقي".
تذمّرت كارلي: "يا رجل، أردت الانضمام إلى هذا على أساس أن وجودك هنا سيجعل الأمور سهلة. هذه ليست استراحةً تُذكر".
قالت فونا: "علينا استغلال أي لحظة تعليميّة ممكنة، أليست كذلك؟ ستكون الأمور على ما يرام. خذي الجانب الأيمن يا ثيرا، وأنتِ تدبّري الجانب الأيسر".
أجابت ثيرا: "حسناً".
وقالت الأخرى: "أستطيع فعل ذلك يا عمتي".
على صعيد الاختبارات، كان هذا الاختبار أسهل من أن تعجز عن إدارته. شرح بن الموجز كفاها لتذكّرها بالتفاصيل الدقيقة لماهيته، ومنحها المعرفة بأنه لن يكون هناك سوى نحو مئة عدو حقيقي وسط الحشد القادم في طريقهم. عدد قليل جدّاً مقارنة ببعض ما تعاملوا معه في أبراج سابقة، لكن بالنظر إلى تطبيقات السحر الموجه له ربّما كان الأمر منطقيّاً. السحر الوحيد الذي يحتاجه المرء لتحدّيه هو الظلام، وهو ليس ممتازاً للقتل المباشر.
أيّ مجموعة تدخل دون خيار آخر ستحتاج إلى إضعاف الحقيقيّين بما يكفي لتتمكن من تلطيخ يديها دون مشكلة، حتى لو نجحت في تقليص الأعداد بجعلهم يقاتلون بعضهم بعضاً. بطبيعة الحال، لم يكونوا أيّ مجموعة أخرى. كانت تمتلك وحدها عدداً من السحور التي يمكنها توظيفها لتلك المأزق بالذات، ولم يكن الأمر سوى مسألة اختيار أيّ منها. بينما انقضّت الحشود عليها حاولت فعل ما سمعت فونا تقترحه على كارلي من قبل، استخدام حاسة المانا الفطريّة للتمييز، لكن بلا جدوى.
حتى في المستوى التاسع، لم تكن تمتلك الموهبة الكثيرة في هذا الجانب، ممّا جعلها تختار الهجوم الكثيف على أي محاولة للدقة. بسطت عصاها، واستحضرت السحر الذي كان التركيز الأساسيّ لتدريبها منذ اختيار مهنتها الأخيرة بينما ظهر المئات من تماثيل المانا في الهواء قبل أن تتحرك دفعة واحدة لتدمير أهدافها. لم تكن بحاجة لمعرفة ما هو حقيقي وما هو زائف عندما يمكنها الهيمنة على منطقة بقوتها، لتجعل أيّ شيء سيء الحظ بما يكفي لوجوده فيها مجرد قصاصات من اللحم والعظم.
كانت نهاية باهتة لواحدة من عظائم تحديات العالم، لكن مع إنجاز عملها التفتت لتراقب كارلي تبذل قصارى جهدها، لتشعر الفتاة الأخرى فجأة بمستوى هائل من الضغط لتجرب على الأقل وتسارع وتيرتها الآن بعد أن انتظرها الجميع لتنهاء الأمر بينما لا يزال نصف الوحوش منقضّاً عليها.
سألت معلمتها بينما كانت تطلق التعاويذ باسترواس دون أن تنال أيّ تعاطف: "أي فرصة لمساعدتي قليلاً كي نتمكن من المضي قدماً وحسب؟"
أجابت: "فقط ابذلي وسعنا، لسنا على عجلة وليس لدينا مكان نذهب إليه حتى تنتهي".
فقالت كارلي: "عظيم".
كانت أصوات سخريتها واضحة، حتى بين تعاويذها والصراخ الذي لم يوجد إلا في عقول الجميع.