مضت أيام كان بين يشتغل فيها ويخطط، فلم يصنع أيّ أداة أسطورية أخرى بعد نجاحه الكبير الأوّل، ولم يقترب أكثر من إيجاد طريقة لمساعدة ثيرا في مشكلة تأثيرها الساحر. لم يكن الأمر كأنه بلا أفكار تماماً، بل إن كل ما خطر بباله بدا فظيعاً إذا ما فكر بما يتطلبه تحقيقها. ومع ذلك، تظل تلك الأفكار أفضل ما أملكه. سأتحدث مع ميرياد بشأنها الليلة. لكنه عجز عن فعل أي شيء في تلك اللحظة، فحول تركيزه إلى أمر آخر طوال اليوم.
اختبار تضافر المهارات.
قالت له ثيرا، وهي تقضي وقتاً في المتجر معه أكثر مما تقضيه في الصيد أو زيارة العيادات المختلفة: "أريدك أن تعلم أنني أُبْغِض هذا".
بدا وضعها النفسي أفضل مما كان عليه في ذلك اليوم الأول، لكن الأمر ظل يثقل كاهلها، وإذا أضيف إلى ذلك المستوى الجديد كلياً من الانتباه الذي توليه البلدة لها بفضل لقبها وعلاقاتها، إلى جانب شكوك غير قليلين بأنها سحرت الرجل الذي جاء باحثاً عنها، فإن الخصوصية التي وفرها لها البقاء ببساطة مع بين أثناء عمله جعلت الأيام تبدو أسهل قليلاً ريثما تهدأ الأمور. هكذا بدا الحال على الأقل، إلى أن قرر بين أنه يريد طعن نفسه.
"سيكون الأمر على ما يرام، لن أتعرض للأذى حتى، بل سيكون المجسم هو من يتلقى الطعنة".
"أعلم أنك تستطيع الشعور بألمه حين تفعل هذا!"
"وسأنتزع روحي منه بعد الوخزة الأولى مباشرة. أرجوكِ، هذه أفضل طريقة لاختبار مهاراتي الدفاعية من دون إيذاء جسدي الحقيقي".
مهما قال، فلن يعجبها الأمر، لكنها استسلمت في النهاية.
"حسناً، لنفرغ من هذا بسرعة كي تنتقل بعدها إلى فعل ما هو أقل جنوناً".
"كما تشائين".
التفت نحو المجسم الذي أجلسه على كرسي، ثم طعن ذراعه ببطء برأس سكين، ولم يكاد يشعر بأي مقاومة من اللحم ضد النصل وهو ينزلق للداخل قبل أن يسحبه لتشفيَه ثيرا.
تمتم: "حسناً، لقد كان هذا متوقعاً إلى حد كبير. لننتقل الآن إلى الجزء الأقل متعة".
مد حسَّه العميقة ليجد أنه ينظر إلى نفسه من خلال عيني النسخة مثلما يفعل دائماً عند استخدام المهارة قبل أن يعاود الاختبار، محاولاً منع الألم في كلا الوجهين أثناء قيامه بذلك. كان التعرض للطعن مؤلماً دائماً، ولا يمكن إنكار هذه الحقيقة، حتى عندما يكون هو من يمسك بالسكين، لكنه سمح له برؤية ما عده تغييراً قيماً ناتجاً عن المهارات المربوطة بروحه عندما يتصل بجسد فارغ.
كانت السكين التي يطعن بها عالية الندرة في جودتها لكنها خالية تماماً من أي تعاويذ. كانت جيدة قدر إمكان السكين أن تكون بلا أي جانب سحري، لكنها عندما نهشت لحمه شعر بمستوى من مقاومة لم يكن موجوداً أثناء الاختبار الأول. لم تكن كافية لإيقاف النصل، لكنها كافية لحتّ إيجاد ضغط أكبر بكثير ليغوص بالعمق نفسه. وفي ما يخصه، كان ذلك انتصاراً على الطريق الصحيح لتقليل إصاباته المرة القادمة التي يصطدم فيها بشيء ما، أو بتعبير أدق، دلّ على أن مهاراته كانت تؤدي ما افترض لها أن تفعله، وأحدثت فرقاً مجدياً في إبقائه على قيَد الحياة.
وفضلاً عن ذلك، ألمح الأمر أيضاً إلى احتمال تمهيد الطريق نحو الحصول على عدد من المهارات المرغوبة للغاية والتي ما زال يفتقر إليها على الرغم من كل ما مر به جسده، سواء أكان ذلك عن قصد أم خلافه.
تساءل وهو يحلم بمستقبل لا يهم فيه مدى تعرضه للتهشيم طالما أصبح أفضل في تلقي الضربات القادمة، لتبادر ثيرا إلى تحطيم تلك الأمل الصغير: "أتساءل عما إذا كان استمراري في ضرب هذه الأشياء أثناء استخدامي لها سيعتبر طريقاً لنيل مقاومة الألم في النهاية؟"
"يا بين، انظر إلى كل ما حدث لك. إن لم تكتسب مقاومة الألم حتى الآن، فلن يحدث ذلك أبداً على الأرجح".
"هذا كلام منسحب! الأرجح بكثير أنني قد أكون قريبًا جداً من نيلها بالنظر إلى كل ما مررت به. من يدري؟ ربما تكون وخزة صغيرة أخرى هي كل ما أحتاجه لدفعي نحو الهاوية والحصول على تلك المهارة أخيراً".
"بالتأكيد، إلى أن يؤول الأمر إلى الفشل وتقرر أنها مجرد وخزة أخرى تضاف لما سبق، ثم تليها أخرى وهكذا دواليك حتى أترك وأنا أحاول لملمة أشلائك من جديد. هذه بالتأكيد من نوع المهارات التي لا ينبغي لك محاولة إجبارها على الظهور".
"مم، حسناً".
واقع الأمر، لم يكن احتمال طعن نفسه مراراً وتكراراً حتى ينال المهارة أمراً مرغوباً تماماً، لذا توقف عن المجادلة، لا سيما وأنه كان يفرض على نفسه قدراً لا بأس به من الألم بشكل سلبي على أي حال. كانت الأشرطة السحرية التي يلفها على ذراعه لمحاولة رفع تعزيز مقاومته أبعد ما تكون عن اللطف.
سألته ثيرا، وهي تعلم أنه يريد فعل المزيد وتسر في إظهار عدم الثقة العميقة التي كانت تشعر بها بعد ذلك الاختبار الأخير: "إذن، ما التالي إذن؟"
"حسناً، توجد تعويذة صغيرة وصغيرة جداً كنت أمل أن تستخدميها على المجسمات من أجلي، بالطريقة نفسها التي فعلناها سابقاً، واحدة قبل أن أستخدمها وواحدة أثناء..."
"ادخل في صلب الموضوع يا بين".
"أتوسل إليكِ أن تحوليها إلى حجر ليتسنى لي معاينة التجربة؟"
"...أجل، أتدري ماذا؟ حسناً، لنفعلها".
بدا أن شيئاً ما في هذا الفعل غير ضار بطبيعته مقارنة بالطعن لدرجة أنها لم تهتم ومضت على الفور، ضاسة قدراً كافياً من قوتها في تعويذتها حتى تحول النسخة إلى حجر فوراً قبل أن تتركّز على إعادتها، محتاجة إلى بضع دقائق لعكس التأثير. كانت مشاهدة الأمر من الخارج مثيرة للاهتمام بما يكفي، لكن معايشته بشكل مباشر عند الاتصال به بدت أكثر إثارة، إذ سرّع أفكاره إلى أقصى طاقاتها الممكنة ليشعر بكل تفصيل من تأثيرات التعويذة.
من الخارج، بدا الأمر يحدث باللحظة ذاتها، إذ يعني حجم مانا ثيرا إلى جانب مستوياتها أن التأثير لم يظهر فرقاً يذكر لأي شخص سواه، فقد تسارعت رؤيته بفضل مهارات عقله بالقدر الكافي ليدرك وجود تغيير بنحو أجزاء من الألف من الثانية، لكن ذلك لم يقارن بشوط شعور التحجر. لقد مر بتجربة مماثلة من قبل، وإن كان ذلك بمعدل أبطأ بكثير، وما كان يعتريه هو شعور بطيء بتخشب جسده، واختفاء خصائص لحمه تحت قوة الحجر المتغيرة إلى أن انقطع الاتصال.
ومهما بلغت قوته في القدرات التي يمتلكها، فقد عجز عن الحفاظ على رابط مع الصخر. أمر مثير للاهتمام. لم يكن يدري أيَّ نفع ستجلبه تلك المعلومة، لكنه لم يرغب في استبعادها باعتبارها هباءً. فحين حاول استخدام أرواح الشياطين المسجونة أسلحة، اكتشف سريعاً جداً احتمال وجود آثار جانبية غير مقصودة للأشياء، لذا لم يكن هناك ضرر من معرفة سبيل لقطع الاتصال تحسُّباً لأي طارئ.
سألته ثيرا: "إذن، هل هناك أي أمور مجنونة أخرى ترغب في اختبارها؟ أم يمكننا أخيرة إتاحة استراحة بسيطة لهؤلاء القوم؟"
"ها، إن لم أكن سأستخذ استراحة فبعض غيلان اللحم لن تفعل ذلك بالتأكيد. علاوة على ذلك، وحتى إن تعذر عليَّ مواصلة طعن نفسي بسكين، فقد منحني الأمر فكرة رائعة للغاية".
فكرة كان متشوقاً لاختبارها. جسّد خمس أدوات متطابقة الواحدة تلو الأخرى، لتشبه مسدساته تقريباً لكنها مصممة لخدمة غرض مختلف تماماً مع كل من المحرك الصغير وتعويذة الهواء التي تحتويهما كل واحدة، إلى جانب العشرات من الإبر الدقيقة. لم يشاهد مسدس وشْم في الواقع الحقيقي قط، لكن ذلك لم يَعْنِ له شيئاً، إذ استند ببساطة إلى بعض المفاهيم المسترجعة بذاكرة نصف منسية والتي لم يواجه صعوبة في استكمالها لتلبي احتياجاته، وأخرج مجسماته الثلاثة الأخرى لمنح واحد لكل منها قبل أن يبدؤوا في استخدامها على بعضهم البعض لغاية بسيطة واحدة، وهي رفع مستوى مهارة.
لم يضعوا أي حبر على أي من الأجساد ومع ذلك ظلت لديهم فوائد وخز كل منها مئات المرات في الثانية، من دون إحداث أي ضرر حقيقي، حتى وإن لم يكن الأمر شيئاً لطيفاً يُحتمل. اكتفت ثيرا بهز رأسها في النهاية، إذ رأت أنه لن تكون هناك حاجة لشفاء مستمر، واستقرت للاستمتاع بأي حديث يطرحه بين بينما انقضى ما تبقى من اليوم.
<ارتفاع مستوى مقاومة الوخز> <ارتفاع مستوى مقاومة الوخز>
قال بن حين شقّ طريقه لزيارة سيّده تلك الليلة، محصياً الحضور الكامل بوجود هيلوري وناري أيضاً: "أهلاً يا رفاق، كيف تسير الأمور اليوم؟"
تنهّد سيّده: "مشغولون كالعادة. اكتشافك الصغير مع ثيرا أثار ضجة كبرى، لقد استنفرنا الجميع لإعادة فحص كل ما رُصد خلال الموجة الأولى للتأكد من عدم تخلّف أي شيء آخر بمثل تلك القوة. يبدو على الأقل حتى الآن أن سوء حظّك هو حسن حظّنا. نظن أنه الوحيد الذي علق على العالم."
قال بن بجهامة، كارهاً كيف أنه نجح بطريقة ما في أن يكون أحد المغفّلين الذين عثروا عليه: "ويملؤني الكثير من السرور سماعكم تقولون ذلك. لابد أنني نوع من مغناطيس الغزاة. لكن لتغيير الموضوع فجأة، عذراً يا رفاق، هل تمانجون لو خلوت بميرياد لحظة؟ هناك أمر شخصي نوعاً ما أريد التحدث معه بشأنه، من سيّد إلى مؤمن."
فاجأ الطلب هيلوري وناري قليلاً، إذ لم يَبْدُ بن خجولاً أبداً من مناقشة الأمور أمامهما في الماضي، لكنهما انسحبتا بيسر كافٍ، محترمتين أنه قد تكون لديه أيضاً أمور يتعامل معها في ظلّ ما يدور ممّا قد يتطلب إرشاداً روحياً بعض الشيء. تفاجأ ميرياد هو الآخر، مع أنه لم يظهر ذلك، محاولاً بدلاً من ذلك أن يكون شخصية مريحة لرسوله في ما بدا وكأنه وقت حاجة.
"هل أنت بخير يا بن؟ أنا سعيد دائماً بالاستماع بغضّ النظر عما يحدث."
"شكراً لك يا رجل، لأن لديّ خدمة كبرى. لست جاهلاً تماماً بحقيقة أن سادَةً غيرك وكسهيلوري قد يراقبوني أحياناً، ولعل ذلك أشدّ الآن بعد أن صنعت غرضاً أسطورياً. هل من طريقة يمكنك بها افتعال نوع من الإشغال في اليومين القادمين يضمن لي بضع ساعات لا تكون أي عيون مطلّة عليَّ خلالها؟"
رغب ميرياد في معرفة: "...لماذا؟"، إذ تلاشت أي رغبة في المساعدة واختفت تماماً مع الإجابة التي تلقاها.
"لأنني سأقوم بشيء قد يرغب بعضهم في الوقوف في طريقه."
"بن..."
"ليس أمراً سيئاً البتة، أعلم فقط أن بعضهم قد يكون حساساً نوعاً ما إزاء أصغر الأشياء، وتلك فكرة عن كيف قد أتمكن من مساعدة ثيرا في تعويذتها. إن لم تساعدني فستظلّ قائمة، غير أن الأمر قد ينتهي بكونه أكثر خطورة عليّ بشكل ملحوظ. بل قد ينتهي بي المطاف ميتاً."
تنهّد ميرياد: "أنت الأسوأ حقاً، أتعلم ذلك؟ حسناً. لن أفتعل إشغالاً من أجلك لكنك محظوظ. ثمة اجتماع كبير بعد يومين، استنفار تام. ينبغي أن يستغرق معظم اليوم أيضاً لذا تعالج كل ما عليك فعله حينئذ."
"أنت الأفضل."
"وأنت تجهد أعصابي. فقط تأكد من أنك لا تفعل شيئاً سيئاً للغاية، حسناً؟"
"أرجوك، متى فعلت ذلك قط؟"
اختار أن يعتبر صمت سيّده موافقة ومنح ابتسامة اخيرة قبل أن يغادر تلك الليلة، راغباً في قضاء كل الوقت المتاح للتأكد من تخطيط الأمور بالشكل الصحيح.