توقّف فالك في مكانه.
قال: "يا بني، سبق أن قلت إنّ ثمة حفنة طرائق للتعامل مع السحر الكامن، لكنّ ذلك لم يكن لقلّة المحاولة. أكثر من اثنتي عشرة سلالة لها نوع من التأثيرات الكامنة التي يجب التعامل معها إن أرادت التفاعل مع العالم الواسع، وأنت تقول إنّك اهتديت إلى طريقة في الأسابيع القليلة التي غبتُ فيها؟"
قال بن محوّلاً: "ربّما اهتديت إلى طريقة. للأسف، أثبت الأمر استحالة التجربة نظراً لحجم النقش السحري الذي أحتاجه، إذ يحطم حرفياً كل مادة جرّبته عليها".
وفعل. كان بن قلقاً أكثر من قليل ممّا سيعقّبه معلّمه حين يرى بعض المؤونت التي أخذها وحطّمها في النهاية، لكنّها ظلت أقل ممّا كان سيستعمله لصنع عصي ثيرا في ذلك الوقت، فلعلّه ينجو بفعلته. أمّا فالك فبات حائراً، ولا عجب في أنّه لم يُخبر الآخرين بالأمر. لا حاجة لرفع الآمال بشأن شيء مستحيل على الأرجح. مع ذلك، ولو على سبيل الاحتمال النادر بأن ينجح، سيفعل كل ما في وسعه للمساعدة.
قال: "حسناً يا بني، أخبرني كيف تنوي فعل ذلك. نقشُ سحريّ سيبقى أفضل من نقشِك، وينبغي أن أكون قادراً على ربطه بمادة أضعف".
لكنّ بن هزّ رأسه فحسب.
قال وهو يحدّق في السماء ويمؤه الضيق: "لن ينجح الأمر. لكي تفعل ما أفكر فيه، يجب أن تكون قادراً على استشعار مانا ثيرا المحيطة. ربّما ثمة مهارات أخرى تجعل ذلك ممكناً، لكنّي متأكد تماماً من أنني أستطيع فعل ذلك بمهارة الربط. إن لم أستطع تصغير النقش فسأضطر للانتظار حتى ترتفع مستويات مهاراتي، فضلاً عن أنّه بما أنّ الأمر نقش سحري فيجب على ثيرا أن تكون قادرة على مدّه بالطاقة، ممّا يعني جعله متيناً بالقدر الذي يقاوم قوتها، وهذا يعني تكبير النقش أكثر. لو فكرت في هذا مسبقاً لغيّرت مهنتي إلى منقش عوضاً عن حرفي، فلعلّ ذلك كان سيساعد".
كانت أفكار معلّمه تعتمل. كان يعلم أنّ بن هو الحامل الوحيد لهذه المهارة في الوقت الحالي، وثمة شواهد كثيرة على قدرة المهارات الجديدة على تغيير العالم. ألا يستحق الأمر مغامرة صغيرة لنرى؟ في أسوأ الأحوال، يمكنه على الأرجح حمل والدي ثيرا على تعويض أي شيء يستعملانه. وصلا إلى منزل فالك وهمّ بن بالانصراف لليلته، لكنّ معلّمه توقّفه.
قال: "تمهّل قليلاً. أيّ نوع من الأغراض كنت تفكر في استخدامه لحمل النقش؟"
قال: "رأيت أنّ دعامة للساعد ستكون جيدة. مع أن صنع شيء مثل قميص قد يعمل بشكل أفضل قليلاً، إلا أن أي مادة أستطيع تصنيعها منه ستكون صلبة وغير مريحة إلى أبعد الحدود للاستعمال اليومي العملي".
قال معلّمه: "اختيار لائق، انتظر دقيقة. سأعود فوراً".
مشى معلّمه إلى منزله لبضع دقائق قبل أن يعود ويناول بن كتلة صغيرة من المعدن وحجراً.
سأل: "ما هذا؟ فضة وکوارتز؟"
قال: "جَرِّب الميثريل بلورة مانا بيضاء".
كاد بن يسقط الأغراض حين أخبره معلّمه بذلك.
قال: "يا للهول يا فالك! كنت أعلم أنك تحتفظ بالأشياء عني لكنني لم أعتقد أنك ستملك مواد سحرية ملقاة هكذا في منزلك!"
ممّا يعرفه، ثمة تسع مواد سحرية موجودة، سبعة معادن بلورتان، وحتى لو كانت المواد التي بين يديه الآن اثنتين من أكثر مواد التسعة شيوعاً، فقد ناولهما فالك كأنّ شيئاً لم يكن.
قال: "حين تملك أشياء كهذه، فمن الأفضل إبعادها عن الأعين المتطفلة. حتى وإن لم تكن تلك نادرة جداً بالمقارنة على الأقل وكانت التكاليف في تناقص على مدى العقود القليلة الماضية، فلن أترك أيّ شخص يراها هكذا. ولا سيما متدرب قد تغلبه الغريزة لاستخدامها في عصي مقدر لها أن تنفجر".
قال: "حسناً، لا داعي للقلق بشأن ذلك، لا أعتقد في الواقع أنني مرتاح لاستخدام هذه إطلاقاً. ستكون هذه أثمن مواد عملت بها على الإطلاق".
قال: "لا شيء يجعلك تقلق، البلورة معدّة بالفعل لذا لا تحتاج لفعل الكثير بها، فقط اربطها بأي شيء تصنعه بالميثريل على طول الحافة".
أمعن بن النظر ورأى بالفعل قناة من ميثريل محفورة على طول الجزء الداخلي من الحجر لكنّه لم يستطع منع نفسه من القلق.
قال: "يا للهول، لا أعرف يا فالك، أتراني تستطيع تركيب السوار معاً؟ أنا أحتاج فقط لتطبيق النقش بعد كل شيء".
وضع معلّمه يدًا كبيرة على كتفه وحاول تهدئة روعه.
قال: "اسمع يا بني، إن كنت تنوي أن تكون حرفياً عظيماً فسيتعين عليك التعود على التعامل مع مواد كهذه في النهاية، ربما أبدأ بك أبكر قليلاً من المعتاد لكن لدي ثقة مطلقة في قدراتك. علاوة على ذلك، لم أنم أساساً طوال رحلة العودة لذا أنا ذاهب للنوم. ابذل قصارى جهدك فقط".
كان بن ما يزال يحدّق في الأغراض التي بيديه لكنّه اضطر للاعتراف، وحتى لو كان متوتراً فقد أراد خوض التجربة.
قال: "حسناً يا فالك، في هذه الحالة سأمضي قدماً. مرر على متجر صونيا في الصباح لنرى كيف سيسير الأمر".
قال معلّمه: "انتظر، لم أكن أعني أن عليك العمل عليه فوراً".
قال: "لا وقت كالوقت الحاضر. على أي حال، طابت ليلتك".
قال: "حسناً يا بني، سأمر في الصباح. من الأفضل أن تذهلني".
دخل بن المحل وأشعل الكير لأول مرة منذ أسابيع بعد أن قضى وقتاً طويلاً إما منغمساً في العمل على الرداء أو برفقة ثيرا أو منشغلاً بعد أحداث روان في صقل فكرته محاولاً فرض فرصة للنجاح فيها بقوة الإرادة المحضة. الآن بدا العودة شعوراً مريحاً وكان حماسه لامساً للحواس. بضعة كتب عن مواد مختلفة وُضعت على أحد الرفوف القريبة لتكون مرجعاً لكن بن لم يكن بحاجة إلى تفقد ما يجب فعله فقد قرأها مسبقاً مراراً وتكراراً.
الميثريل معدن ألين وأفضل ليكون قلباً في كثير من الأدوات التي يُستعمل فيها إن لم يُصنع منه سبيكة لكنه تمتع بخاصية ممتازة تمثلت في قدرته على امتصاص المانا المحيطة لتنشيط أي نقوش سحرية وُضعت عليه والحفاظ عليها أو بوصفه وسيلة تساعد مرتدي أي شيء مصنوع من الميثريل على استعادة طاقته السحرية أسرع قليلاً. حظي بتقدير بالغ من المغامرين لتلك الخاصية المحددة ولكن مع قدوم حرب يحتمل أن تندلع في غضون عامين بحلول هذه المرحلة راحت عديد من الدول تشتري كل ما تستطيع الوصول إليه لاستخدامه في جيوشها مما جعل حصول شخص عادي عليه أمراً عسيراً ما لم يتمكن المرء من التواصل مع مورد.
امتلك بن حدساً حيال كيفية تدبير فالك للأمر لكن ذلك لم يكن مهمّاً بشكل فوري. لفعل ما أراد استلزم الأمر مادة أكثر قليلاً مما يملك لذا عمل أولاً على صنع سبيكة منه ومن النحاس وهو معدن لن يخفف تأثيرات الميثريل الماصة. سخّن الكير ثم أطفأه فالصقور السحرية المستخدَمة لتشغيله قد تؤثر على المعدن أثناء تشكيله وحين تأكد من تبدد المانا بأكملها وضع المعدنين في الداخل ليسخنا لأقصى حد ممكن قبل أن يخرجهما ويبدأ في دمجهم مطرقاً وطاوياً مراراً وتكراراً ومسخناً حسب الحاجة ومضطرّاً لتكرار عملية تشغيل الكير وترك المانا تتبدد والتسخين والإمساك مراراً وتكراراً حتى واثقاً من امتزاج المادتين بصورة سليمة.
بعد ذلك صار الأمر مسألة تشكيل معدنه المركب الجديد مما يعني تكرار العملية ذاتها مراراً وتكراراً بينما يعمل عليه حتى اكتسب الشكل الذي أراده وهو سلك رفيع يبلغ قطره نحو ربع سنتيمتر. بانتهاء عمله عند الكير لف السلك وشق طريقه عائداً إلى المنزل لمواصلة العملية هناك.