الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 464

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 464 باللغة العربية على مانجا تايم.

بدا طريق العودة طويلاً بقدر ما كان صامتاً. لم يتحدث أحد طوال الطريق رغم محاولات فاشلة. بعد أن نجح في حمل ثيرا على البوح بما يشغلها صمتت هي الأخرى. حين أفاق فرموم حاول بن اطلاعه على ما جرى قدر استطاعته رغم مخاوف فرموم المستمرة التي زادت الأمر صعوبة. كان يدرك مزاج ثيرا تمام الإدراك وقد رأى في الفترة القصيرة التي قضاها واعياً ما يكفي ليعلم أنه لا يريد البتة قول أي شيء يخاطر بتسويء الأمور.

ولا أملك أدنى فكرة عما يمكنني فعله لمساعدتها. صُممت دعاماته دائما لتكون أداة تساعد ثيرا حتى تتمكن من السيطرة على سحرها بنفسها. حقيقة عجزها عن ذلك لا بد أن تحطمها ولم يكن يدري كيف يصنع لتحسين الأوضاع. بالطبع يمكنه مواصلة صنع دعامات أكثر قوة حتى الآن لم تكن مضطرة للعودة إلى عباءتها القديمة لكنه شك في أن ذلك سيرفع معنوياتها كثيرا. بقدر ما كانت سعيدة بحصولها عليها أول مرة إلا أنها أرادت التحرر من آثار سحرها الفطري.

حاول التحدث إليها من جديد راغباً فقط في رفع معنوياتها لكن بعد رحلة بدت طويلة للغاية وصلا إلى البوابة عاجلاً غير آجل عابرين من خلالها للعودة إلى الأبراج السحرية لإيصال فرموم إلى منزله وتقديم تقرير نهائي إلى كيلي.

سألت ثيرا وهي تنطق للمرة الأولى منذ ساعات: "مهلا أظننتك قادرا على تولي الحديث بينما أنتظر هنا؟ لا أحسب أنني مستعدة لذلك الآن".

أجابها: "بالتأكيد لن أستغرق سوى دقائق معدودات".

كان فرموم قد قفز بالفعل من العربة مبتعدا لحظة توقفها بينما توجه بن إلى الخلف ليحمل التذكار الذي أحضروه في طريقهم. الشيطانة التي قتلتها ثيرا غازية حقيقية وجب إظهارها. حتى وإن لم يكونوا سعداء جدا بإدخالي إياه إلى المكتبة. لا بأس. كان وزنه ثقيلا بشكل غير معتاد لامتلاءه بالمعدن لكن بن تعامل مع الأمر حاملا إياه متجاهلا النظرات المصدومة التي نالها عند دخوله ليجد كيلي تحاول مغادرة مكتبها دون أن يوقفها سوى تعلق تلميذها بها.

"سأكون صالحاً سفعل ما تريدين لكن إياك وجعلي أفعله ثانية! أرجوك لن أتركك حتى تقولي إنني لن اضطر لذلك!".

قالت مرتدعة بتنهيدة وهي تستدير لتتلقى الصدمة ذاتها التي نالت بقية المكتبة عندما رأت بن يحمل جثة الشيطان: "يبدو أن الأمر تضمن بعض المفاجآت. بن لم لا تنضم إلينا في مكتبي لنناقش... هذا مثلاً".

"يبدو جيدا".

صرخ فرموم: "ولا تجعلني أعمل مع أي منهما مجدداً! إنهما مرعبان!".

"مرفوض. لقد عُدت سليماً معافى وهذا تقييم جيد كفاية بالنظر إلى مجريات الأمور ظاهرياً".

أقر بن فور إغلاق باب المكتب خلفه: "آه حسناً كانت هناك بعض اللحظات المربكة على طول الطريق. باختصار شديد أنا وثرَا تورطنا بشكل مباشر في المواقع الثلاثة الأولى التي تفقدناها معه. آسف".

سألت رئيسة المكتبة غير متوقعة هكذا تصريح وتزداد دهشتها شيئا فشيئا مع توضيح بن: "آه لا تحتاج للاعتذار ولكن كيف تورطتم؟".

من المقامرة مع الملوك إلى التدريب واسع النطاق في الغابات راودت كيلي بعض الشكوك على الأقل حول القرية التي سيتحققان منها نظراً لأمور شتى سمعتها بفضل منصبها في المكتبة والروابط المصاحبة لمهارتها لكنها لم تتخيل تورطهما في ذلك أيضاً. كل ما تبقى هو الموقع الأخير الذي كان عليه بحكم الاستبعاد أن يكون سبب ما يحمله.

"حسناً حقيقة أن أيا من الثلاثة لم يشكل أي قلق تعد خبراً ساراً لذا لا تقلق. جزء من سبب إقامة بوابات هناك هو لأغراض التدريب خصيصاً على أي حال لذا لم ترتكب خطأ والملوك يبدون على علم بالبقية لذا ليس من مكاني التعليق لكن من هنا لما لا نناقش ما جلبته لي بالتحديد".

"نعم إذن للتوضيح هل تدرك الفرق بين شيطان وغازٍ حقيقي؟".

"أفترض أن مجرد سؤالك يعني أنك تعرفين أيضاً. نعم إنه مجرد مرحلة لاحقة في دورة الحياة. لا تخبريني...".

"نعم هذا الرفيق كان في المرحلة العاقلة منه وفي نهايتها البعيدة أيضاً. وجدنا كهفا فيه مئات الشياطين مجتمعة وبعد تعاملنا معها انبثق هذا ليذيقنا الجحيم".

شرح بمزيد من التفصيل من تلك النقطة مبقيا إياها على دراية بكيفية تعاملهم مع المجموعة التي عثروا عليها ليتفاجئوا بقوة من أحضروه وكيف اضطروا للقتال بيأس وكيف قرروا العودة به عسى أن يستغل فرموم مهارته عليه لاستخلاص أي معلومة مفيدة ممكنة. جلست كيلي تستمع إلى القصة برمتها محتفظة بمظهر هادئ خارجيا لا يعكس شيئا مما تشعر به داخليا وأسدت لبن انحناءة خفيفة في النهاية.

"لقد اضطررت لتحمل أكثر بكثير مما توقعت حين تقدمت بالطلب. شكراً لحمايتك تلميذي الأحمق. فرموم أحرصت على شكرهما أيضاً أليس كذلك؟".

"ماذا؟ لا أريد حتى الاقتراب منهما مرّة..."

قطع كلماته حام نظرة معلمته الحادة وهي تتحرك لتجلي الأمور بوضوح استثنائي.

"فرموم فكر في الحراس الذين نخرج معهم عادة. أتراناهم قادرين على التدبير؟".

تمتم مغيراً تعبير وجه معلمته إلى إرهاق عميق: "أعني أنني لم أره حتى في غالبيته".

"أمر آخر للعمل عليه. حسناً دعني أخبرك أنهم ما كانوا ليفعلوا. في أفضل الأحوال كان على بعضهم التضحية بحياتيهما ليهرب اثنانا لذا كن ممتناً لكيفية انتهاء هذا ولأن من عملت معهم يملكون القوة التي يملكونها. اشكره الآن".

استسلم فرموم في النهاية لعدم امتلاكه ما يناسب المقاومة ضدها محصلاً إيماءة رضا على جهوده: "أهلاً بك شكراً لحمايتي".

"لا مشكلة لقد فاقمنا الأمور بقررنا التعامل مع الشياطين فلنعتبر الأمور متعادلة ونستمتع بوقت أكثر هدوءاً المرة القادمة التي نلتقي فيها عبر الحديث في المكتبة أليس كذلك؟".

مد يده مانحاً الرجل ابتسامته الأكثر جاذبية لازال راغباً في الرابط وشاعراً بنيله حين ضُغط على فرموم لمصافحته منهياً ذلك الجزء الثانوي على أثر طيب على الأقل.

بعد إتمام ذلك سألته كيلي للمرة الأخيرة بلمسة قلق في عينيها وهي تفعل: "وثرَا؟ أأعتبر عدم وجودها معك يعني أن جروحها كانت بليغة؟ إن كان الأمر كذلك فيمكنني إحضار معالجي المدينة...".

قاطعها بن دون رغبة في الغوص مطولاً في الموضوع: "هي ليست مصابة ليس بعد الآن على الأقل. ظهرت مسألة شخصية لذا تعذر عليها الحضور آسف لأجل ذلك".

"لا بأس ما دام الجميع بأمان. في هذه الحالة أبلغها تحياتي. المرة القادمة التي تكونان فيها بالمدينة احرصا على التوقف للتحية".

"سأفعل".

بعد تسليم التقرير غادر بعدها عائداً لمحاولة إدراك ما بإمكانه فعله لمساعدة ثيرا بكل طريقة ممكنة.

حين عادا إلى ستونوول، كان المساء قد أفل وبلغت رحلة العودة من السكوت ما بلغته سابقتها، إذ عجزت ثيرا عن الكلام وهي تصارع مشاعرها إزاء ما جرى. ترك له هذا الصمت متسعاً من الوقت لمحاولة التفكير في حلول، لا أن ذلك أفاد في شيء. راودته أفكار بضع، لكنه استبعد أن تود سماع حاجتها إلى مستوى أو اثنين إضافيين وهي في تلك الحال من الانكسار، فأبقى أفكاره لنفسه ريثما يتضح أمر يقين، وعلى هذه الحال عادا إلى البيت.

كانت الأنوار لا تزال مضاءة في غرفة المعيشة، مما أباح لهما معرفة أن سونيا لا تزال ساهرة تسترخي على مقعد وتقرأ كتاباً لتقسيم الوقت، فرمقتهما بابتسامة يشوبها بعض التعقيد حين رأتهما.

قالا: "أهلاً بكما يا زريفين، كيف سارت الأمور؟".

كان السؤال عادياً في ظاهره لكن لم تمض لحظات حتى تفطست لملامح البؤس على وجه ابنة أختها، فنهضت وخطت نحوهما.

سألت: "ما الذي حدث، هل كل شيء على ما يرام؟".

مدت يدها إلى ثيرا محاولة أن تأخذ وجهها بين كفيها لكنها تفادتها متراجعة إلى الوراء.

أجابت: "الأمور على ما يرام يا خالة، لقد حدث الكثير لكل هل تمانعين لو أرجأنا الحديث إلى وقت لاحق؟".

ردت: "حسناً، ما دام الأمر لا يعدو كونه شيئاً تافهاً..."

وقالت ثيرا: "ليس بالأمر الجلل. لقد كان يوماً طويلاً وأظن أننا بحاجة إلى النوم لذا سنتحدث غداً".

دون انتظار للرد، قبضت على يد بن وجرته معها إلى غرفتها قبل أن تشده إلى السرير. راوده بعض من رغبة في إطلاق مزحة تخفف من حدة الموقف، وبأن ترددها في طرح مسألة مكوثهما في غرفة واحدة مع سونيا قد تجاوزته بنجاح تام، لكنه كف عن ذلك في النهاية. كانت هناك أوقات تتحسن فيها حالتها بمحاولاته الفاشلة للفكاهة، بيد أن تلك لم تكن إحداها. وبدلاً من ذلك، حاول للمرة الأخيرة أن يدفعها للبوح وهما مضطجعان هناك، حاساً بوجهها يلصق بصدره بينما كانت تعانقه بإحكام.

قال: "ثيرا، كلميني أرجوك".

لم تجب في البداية، مما أوحى له بأنها لن تفعل فاكتفى بأن يمسح على رأسها محاولاً منحها ما استطاع من مواساة، لكنها ما لبثت أن تكلمت.

قالت: "الأمر وما فيه، أن هذا سيء للغاية".

قال: "أعلم".

وقالت: "لقد كانت الأمور تسير على ما يرام بالنسبة لي مؤخراً، وما خطر ببالي قط أن يقع أمر كهذا. لم أكن أظن البتة أن تحكمي الساقط سيمتد ليشمل أشياء من هذا القبيل".

أطلقت ضحكة خفيفة خلت من أي أثر للبهجة وهي تقول ذلك، لتشدد عناقها كل الشدة بينما حاول هو تقديم ما بوسعه من مواساة ضئيلة.

تمتمت قائلة: "أنا حقاً أُحب الحياة التي أعيشها الآن. لا أريد خسارتها".

قال: "لن تخسري شيئاً، يا ثيرا".

وقالت: "أنت لا تدري. كل ما يتطلبه الأمر هو استمرار سحري في النمو وسيحتم ذلك الواقع. من دون السوار لكان الأمر واقعاً لا محالة. كان ينبغي بالمستوى الأخير أن يرفعني فوق مقاومات أمي وخالتي الطبيعية لذا يجب أن أتيقن من ارتدائه حولهما الآن، ومن يدري ما قد يحل بي إن استيقظ يوماً دون أن أنال السيطرة عليه؟ قد تنتهي الأساور والأردية إلى كونها بلا قيمة بالنسبة لي، على حد علمي. لقد أحببت، لقد أحببت قدرتي على صنع الأصدقاء واكتسابهم... وأنا أحب وجودك".

قال: "يا ثيرا، حتى لو حدث أي شيء كهذا، فلن أذهب إلى أي مكان، فأنت مع فتى يمتلك بعضاً من أفضل المقاومات على الإطلاق وعقلاً لا ينكسر البتة، ولن يؤثر فيك أي شيء تفعلينه أبداً".

وقالت: "أنت لا تعلم ذلك على وجه اليقين. ربما تلوح في العام أو العامين القادمين مواقف أضطر فيها لاستخدامه أو استخدام سحري الأسود مجدداً، مما يعني أنني سأحصل على مستويات إضافية على الأرجح، ولا علم لنا بما سيؤول إليه الحال إن تجاوز الحد الفاصل، وحتى لو كدت أعدم استخدامه فإنه يرتفع بيسر شديد وأنا فحسب... لا أريد أن أفقد أحداً، ولكني لا أريد أبداً أن أفقدك".

بدا قميصه رطباً وهو يشدد عانقها، لكنه أصر على التمسك بثقة لا تلين.

قال: "حسناً، إن حدث ذلك فسيتعين علي ببساطة أن أبلغ تعزيز مقاومتي إلى المرتبة الثانية. واللعنة، إن لم يكن ذلك كافياً أيضاً فسأرتقي بعقلي غير الطبيعي إلى المرتبة الثالثة. وإن عجز ذلك فسأجد أي مَلِك بمقدوره زرع تعزيز مقاومة للظلام في روحي ليحقق الأمر وينتقل به من هناك إلى المرتبة الثانية أيضاً".

وقالت: "...أنت تعلم كم يبدو هذا سخيفاً".

قال: "مهلاً الآن، أنت تحدثين فتعاً حاز سبع مهارات مستيقظة بالفعل. حين أقول إني سأحقق الأمر فأنا أعنيه حقاً. تباً، بوسعي التفكير منذ الآن في سبل لبدء رفع تعزيز مقاومتي وما إن أنتهي من عملي الحالي حتى أنتقل إلى التركيز حصراً على خيارات العقل إلى أن تنفد أو أبلغ المرتبة الثالثة. ما دمت حياً، فلن أتركك تشعرين بهذا القدر من الوحدة قط يا ثيرا".

حين كان هو القائل بدا الأمر كأنه سينجح حقاً، مانحاً إياها وميضاً من الراحة وسط بحر من اليأس ليدعها تغط في النوم.