صرخت: "بن، احذر فيربوم!"
كانت تلك الكلمة الوحيدة التي استطاعت رميها قبل أن تنشق الأرض. تحول التراب تحت ضغط قوتها إلى صخور تناثرت شظايا. علق الشيطان في الهواء وسط الغبار وهي تراقبه. كان طويلاً نحيلاً. انطبقت ذراعاه وساقاه الأربع تماماً على جذعه وهو يهبط بخفة على الأرض. بدا غير آبه بهجومها الذي محا أبناء جنسه. كيف؟ بذلتُ طاقة هائلة لا أظن أن ساحر أرض موقظاً يستطيع مجاراتها. إلغاء سحر مجدداً؟ حتى لو أبطل أعمق طبقات المانا لتولت الطبقات العليا الدفع.
وفوق ذلك... أحاطت أشرطة لامعة بأذرعه الأربعة. أشياء معدنية لم ترها على أي شيطان آخر عبر البوابة، مما يعني أنه شيء أعظم. غاز ذو وعاء حقيقي مثل ذاك الذي حطم سلاح إيبيرو. عجزت عن تخيل كيف شق مخلوق كهذا طريقه إلى أعماق الغابة، فما وُجِد على هذا الكوكب إلا نتيجة صدفة بحتة. لم تسمع قط بغاز حقيقي يقطن ويثير الفوضى قبل الموجة الثانية. وجوده هنا خطأ محض تسببت فيه البوابات المنغلقة باكراً.
إن خرج لمعالجة مشكلة عصيبة كتلك التي رأت شبيهتها في برج الحرفيين، فذلك التفسير الوحيد المعقول. لكن لا شيء من هذا يهم. لماذا وُجِد هنا؟ كيف أتى؟ ماذا كان يفعل وماذا دبر؟ ما عرفته يقيناً أنه يجب أن يموت. بدأت هجومها. اقتلعت الأرض بوابل متواصل من الرصاص والأسالك الطاعنة التي انطلقت نحوه من كل حدب وصوب. تفادى الجميع ببراعة. لا، لم يتفاداها. كاد لا يتحرك. بل كانت الهجمات تدور حوله.
تحركت كتل التراب بلطف مبتعدة عن هدفها لتستمر محلقة نحو الأرض المحطمة. حسناً، لعلّه ساحر أرض إذن؟ فقدت توازنها بلا عصا في يدها. لكن بن لاحظ الأمر من جانبه.
"ثيرا!"
قذفها بصرخة. التقطتها من الهواء مستخدمة وميضاً من سحرها لضمان وصولها إلى كفها. غيرت تكتيكها في الحال محولة إياها إلى بلورات مانا. انطلقت رماح ضخمة من قوتها الخام باتجاهه متوقعة إصابته، لكن النتيجة نفسها تكررت. أخطأ كل هجوم وتداعى. ليس سحر أرض إذن. هذا سيّء. شعرت بانعدام الحيْلَة ومفاجأة مباغتة بعدما تيقنت من نجاحها في معالجة كل شيء بضربتها الأولى ضد الحشود لتفكر بصفاء.
لكن الإجابات تجلت مع حركته الأولى. مد يده مفجراً عاصفة ريح تجتاح المكان. كادت تفقد توازنها قبل أن تنصب حاجزاً، لكنه منحها الجواب المنشود. سحر هواء، قوي أيضاً. موقظ لعلّه؟ بدا أن الأخير كذلك، أفيعملون على إرسال محاربين مفترض تواجدهم في الموجة الثالثة للتعامل مع أي مشكلات خلال الأولى؟ لم تحظ بفرصة لطرح مزيد من التساؤلات. طار عبر السماء نحوها، مغلقاً المسافة في ومضة. حطم قبضتيه على حاجزها مهتزاً إياه بأكمله.
كان مستواها وتحكمها في ذلك الفرع السحري منخفضين بما يكفي ليبعثا عن الكمال، لكن مجرد إبدائه أي توتر أمام لكمة بدا مهيناً بالنظر إلى المانا التي صبتها فيه، ودل بصوت عالٍ على قوة ذلك الشيطان. راقبته وهو يرتد للخلف مستعداً للكمة التالية. أسقطت الحاجز للتو قُبيل تلامسهما، مشوشة توازنه بينما تفادت جانباً وشهدت حياتها تمر أمام عينيها كبرق. أخطأها بالكاد، لكن قوة الضربة الوهمية خلقت هبوب ريح جزمت أنه لا علاقة له بسحره، مؤكدة قوته في عينيها.
تلقي ضربة لم يكن خياراً مطروحاً. بعد استبعاد سحر الأرض وبلورة المانا، ومع ظهور حواجزها أضعف بكثير مما تشتهي، حان وقت تغيير النهج. من أصل سحرها الثلاثة المتبقية، جزمت بأن اثنين سيكونان مفيدين على الأقل: خيارا الحياة والظلام. بدأت فوراً تعزيز قدراتها البدنية محاولة ترك مسافة هائلة بين الاثنين وفي الوقت ذاته استدراجه بعيداً عن بن وفربوم، ولم تغب عن بملكا حقيقة كونها مفترضة لحراسة الأخير متجاهلة الأمر عندما تتبعها الوحش.
مع كل مدة ذراع كان تدافع عن نفسها بحارزة، مكدسة إياها قدر الإمكان لأي حماية إضافية ضئيلة قد تمنحها إياها، بينما ازدادت هجمات الوحش شراسة. استمتع الوحش بذلك التحدي بينما اضطرت للتعامل معه ومع هجمات الرياح المستمرة المحاولة محوها عن وجه الأرض، طوال محاولتها تحضير تعويذة تتيح لها الرد. حتى إن لم تكن بحجم بن، فقد أثمر وقتها في مكتبة أبراج السحر بطريقتها الخاصة، سامحة لها بقراءة نظريات الكثير من التعويذات، وما بقي إلا وضعها موضع التنفيذ.
أخذت مانا الحياة والظلام بداخلها وأمسكتهما بإحكام. جردت الأخيرة من جاذبيتها وابتكرت غاية الأولى. عند المستوى الرابع من ذلك السحر الموقظ تحديداً، تجاوزت مرحلة الشروع في استخدامه بطريقة أخرى، تلك المحاكية لقوة سحر الموت. عبر الدمج بين الاثنين، امتلكت شيئاً عجز المخلوق أمامها عن صده، تعويذة بلا جانب جسدي يمكن هبه بل كانت سحريَّة بحتة، فارضة الوهن على جسد الوحش بينما استنزفت القوة من عضلاته وخبا عقله، أو هكذا كان الأثر المنشود.
لثانية واحدة فقط ظنّت أنها ظفرت به، ظنّت أنها هبطت بقوته إلى مستوى محتمل، إلى أن ابتسم. منظر مرعب مكشَر، مفترس أكثر من أي شيء آخر ناطق بالعنف الذي استعد لإنزاله وهو يخترق حاجزها أخيراً، مصيباً إياها في أحشائها وقاذفاً بها عبر الأرض. قبل أن تصطدم بالأرض كانت بالفعل في طور شفاء نفسها، فالتعزيز الذي طبقته على جسدها كان السبيل الوحيد لإبقائها في حالة تتيح ذلك أصلاً.
تكسرت أضلاع وتمزقت أحشاء. شعرت بالدم يتسلق حلقها بينما سارعت لإصلاح الأمور بأسرع ما يمكن، لكن ليس بالسرعة الكافية لتجدي نفعاً. كان يمشي نحوها بخطى بطيئة مترنحة، مستمتاً بكل ثانية من القتال وغير راغب في إنهائه، راغباً في اللهو قليلاً إضافياً مع اللعبة التي أهلكت أبناء جنسه للتو. ثوانٍ معدودة ستكفي لإنهاء الأمور، ومهما بلغت براعة ثيرا فهي بحاجة لدقائق. يا للهول، إذن أنا هالكة.
فكرت بفظاظة، شعرت بانفصال تام شبه عن الإدراك. هذا مجحف للغاية. لماذا لم تنجح تعويذتي الأخيرة؟ لا تقل لي إنه يمتلك حقاً خاصية إلغاء السحر أيضاً، ما لم... الجحيم الأبدية، كل هذه الأشياء تمتلك مستوى ما من سحر الأرواح يمكنها استخدامه على نفسها، أفكان يبطل مفعول تأثيراتي بذلك؟ لكني صببت طاقة هائلة، لذا لزم أن يكون موقظاً، أفهذا الشيء الغبي يمتلك سحرين موقظين ومهارة قتالية عالية المستوى؟
أوف، هذا يبدو جائراً حقاً. أينفع التحجير؟ إن استطاع إبطال تأثير تعويذتي الأخيرة فبمقدوره إبطال ذلك التأثير أيضاً لكونه مستنداً جزئياً إلى الحياة. نفدت خياراتي. أرادت التذمر من كون إمكانية نفض أي هجوم جسدي وإلغاء الروحيين ليس سوى غش، لكنها قررت ادخار أنفاسها. إن كان كل غاز مقبل عبر الموجة الثالثة قوياً إلى هذا الحد حقاً، فالاستسلام حينها وترك الحتمية تأخذ مجراها يبدوان معقولين تقريباً.
ورغم كل شيء لم تفلت عصاها، بل مدتها للأمام نحو الوحش المقترب مجبرة إرادتها على أرضية قدميه ومغيرة كثافتها لمحاولة جعله يغوص بينما انطلقت خيوط لشده للأسفل، ليبوء الهجومان بالفشل. حام فوق الأرض سالماً من التغيير تحت قدميه وركل بعيداً كل ما حاول الإمساك به، بادياً ببالغ الهدوء بينما غادرت الكلمة الأولى شفتيه.
"صارع."
بصقت: "أي هراء تظنني أفعله بحق الجحيم؟"
وأسقطت قطرات من دمها الذهبي على قدميه فزاده ذلك ابتهاجاً. أياً كانت خططه فقد دُمّرت، لكنه حظي على الأقل بدفع نفسه، صاقلاً سلاح مهاراته وكان على وشك جني ثمار القتال بإنهاء الأمور هناك حيال ما حدث ما لم يتوقعه قط. أدرك وجود آخرين مع هدفه، لكن أياً منهما لم يبدُ جديراً بالاعتراف. الأقوى بينهما كان فاقداً للوعي، وحتى إن بدا الآخر قوياً بما يكفي للتعامل مع الشياطين الصغرى وامتلك رائحة تداعب عقله، فلم يكن كافياً للاكتراث، مما قاده إلى خطأ صغير.
في ثقته وتركيزه على هدفه الرئيسي، أخفض حارسه تاركاً ظهره مكشوفاً، مانحاً المجال تماماً لسكين كي تغوص فيه.