لم يكن الغوص في عقل وحش محتضر أمراً ممتعاً، ألم جسده المحطّم وكفاحه اليائس من أجل الحياة، غير أن بن تنصل من ذلك كلّه بالقدر المستطاع ليركّز على ما يهمّ حقّاً، لمس ذكريات الكافور ليتعلّم تاريخه، رغب في إيجاد أيّ شيء بما تبقى له من وقت. أحسّ أن الأجل اقتراب فألقى بنفسه للداخل، رأى أحدث تجاربه والمشاعر المصاحبة لها، تراباً كثيفاً وهو يحفر الأرض، إحساساً بنداء، بأمر، كلاهما يدفعه لإبقاء الأرض نظيفة مع الانضمام إلى غيره، كلاهما يبقيه في تلك المنطقة بينما كان يحفر عميقاً وصولاً إلى الكهف أدناه.
اللعنة. كان يرى مئات منهم في ذكرياته، يتوافدون على المساحة الشاسعة بينما تتسلق الاجسام بعضها فوق بعض دخولاً وخروجاً، إلى جانب القوة الخفية التي تبقيهم جميعاً منضبطين بالقدر الكافي لكيلا يقتلوا بعضهم، حتى مع بقاء الغريزة. كيف لنوع مفعم بهذه الدموية الفطرية أن يغزو النجوم ظلّ لغزاً بالنسبة إليه غير أنه تجاهل الأمر وتابع التحري، أراد العثور على أيّ شيء يبقيهم تحت السيطرة فخاب سعيه.
تبّاً، حسناً، إن لم أستطيع رؤية ذلك فلربما إن واصلت التراجع أكثر... كان يحس بالوحش يضعف مع كل ثانية بينما توغل في الماضي، رأى ترحاله عبر الغابة، فراره ممّن طاردوه حتى عثر على آثار من أبناء جنسه، رجع للوراء أكثر حتى بلغ خروجه من البوابة التي وفد عبرها، أحسّ به يتمزّق عبر البشر في اندفاعه إلى أن عاد إلى الوراء بالقدر الكافي لتجاوز شبكة البوابات بين النجوم. بما أنه اقتصر على ذكريات مخلوق لم يكن في تلك المرحلة من حياته سوى حيوان برّي، فقد عجز عن استيعاب المحيط بالقدر الذي يتمناه.
أدرك أن البوابة كانت تعمل بمبادئ مختلفة مقارنة بتلك التي تخصّ عالمه، لكن عسر التمييز تجاوز سلسلة من الأشكال الكسورية والانقسامات التي تمرّ أسرع بكثير مما اهتمّ الشيطان الذي عبر من خلالها بمعالجته. كلّ ما عناه هو بلوغ وجهته. لكن دعونا نرى ما كان قبله بأنفسنا، أليس كذلك؟ بعد مراقبة حياة المخلوق بترتيب عكسي، أوشك أخيراً على رؤية المكان الذي أتى منه واستعد للمفاجأة، عاجزاً عن إنكار شغفه بالعالم الذي سمّته هذه المخلوقات وطناً، ليصطدم بالعجز عن استيعاب أيّ جزء منه اللحظة التي بلغها بسبب الإحساس الذي تضمنه.
قوة عنيفة ومستبدة ثقلت على الشيطان حتى عبر المخلوق البوابة، مما جعل الحركة أو التنفس عسرا وهو يكارع لمقاومة الشعور بالقدر الكافي للحفاظ على حياته وقدرته على العمل. تمكن جزء صغير من بن لم يكن مسحوقاً بالتجربة من رصد العدد الهائل لمن حوله، لا أكثر، لا شيء يشير إلى أي مستوى حقيقي من التضارب الحضاري بين الأعضاء العقلاء من عرسه، سوى مشهد مقفر مفعم بأجسام أبناء جنسه الغريبة.
أراد استيعاب المزيد، رغب في فهم الأمر على مستوى أعمق، في دفع ذكرياته أبعد لرؤية ما يمكنه رؤيته لكنه أحسّ بها تفلت أكثر فأكثر. لم يكن لينسحب، لف عقله بالوحش لترسيخ الاتصال، طامحاً لمعرفة كنه ذلك الشعور القامع لكنه خاب. مع تلاشي آخر رمق من الحياة، مات الشيطان، منقطعاً صلته به.
<ارتفع مستوى التكافل العقلي>
للعنة! كانت هذه مرّته الأولى التي يشعر فيها بموت كائن أكبر من حشرة وهو متصل به، خصوصاً على ذلك العمق الشديد، وكانت التجربة عنيفة. انتابه شعور بالفقد لم يتوقعه قطّ ممّا تركه يرتجف، واهتزّ كيانه كله وهو يحاول تجميع قواه، رافعاً يده ليطمئن الآخرين بأنه بخير بغضّ النظر عن مظهره قبل أن يتحرك ليقدم لهما تقريراً.
— حسناً، الخبر السيئ هو أن الاتصال بشيء قادر على تكوين أفكار معقدة عند موته أسوأ بكثير مما توقعت.
والخبر الأسوأ قليلاً هو أن هناك شبكة كهوف تحتنا تضم مئات الشياطين التي ترتاح حالياً، مع صعود هؤلاء الخمسة ليعملوا مزيجاً من حراس وجامعي مؤن. أقترح أن نقرر ما سنفعله من هنا في أمان العربة لكي نستطيع الهرب سريعاً إن اضطررنا لذلك. كان يجرّهما بالفعل أثناء كلامه، ولكن بمجرد أن نطق بالكلمات، لم يحتاج فيربوم إلى تحفيز إضافي. بل اضطر بن إلى الإمساك به ليمنع الرجل من الركض بعيداً جداً بينما كان خطر الدوق يحيط بهم من كل جانب.
في ثوانٍ معدودة قفزا إلى داخلها وصارا يطفوان عالياً فوق قمم الأشجار، وكان كل منهما يريد أكبر قدر ممكن من المسافة مقابل أي أمان قد تعنيه. تذكر كل من بن وتيرا الغزو بوضوح، وحتى لو كان الاقتراب من المئات يُعدّ على نطاق أصغر بكثير من الناحية التقنية، إلا أنه لم يكن مبعثاً للطمأنينة البتة.
— حسناً، إذن السؤال البديهي هو كيف سنتعامل مع هذا، تنهد بن، وهو يناقش عما إذا كان عليه إعادة تعبئة مانا الخاصة به بالسرقة من تيرا الآن وقد أصبحت في النطاق أم يتركها تعبأ بشكل طبيعي من أجل نموه.
أنا متأكد تماماً من أن الخمسة الذين رأيناهما كانا خاضعين لسيطرة طفيفة من شيء ما، لذا هناك احتمال غير معدوم بأن يتم ملاحظة الأمر إن لم يعودا، فهل نغادر لجلب المساعدة ونخاطر بهبوطهم، أم نتولى الأمر بأنفسنا هنا والآن؟
— لنغادر!
من الواضح أننا سنغادر! صرخ فيربوم في وجهه من الخلف.
— كيف بحق الجحيم من المفترض أن نُقاتل مئات الشياطين بمفردنا أصلاً؟
يمكن لكليكما العودة مع أي مجموعة تُرسل إلى هنا وتُقتلا معها إن كنتما ترغبان في ذلك بشدة، ولكن لا تجرّاني معكِ! حتى لو كان يخرج من موقف شخصي بحتمية، فقد كان محقاً. لقد كانا هناك لحراسته، ولم يستطع لا بن ولا تيرا تبرير تعريضه للخطر بشكل معقول من خلال شنّ أي نوع من الهجوم الذي قد يضعه في طريق الأذى، ولكن من ناحية أخرى، لم يكن عدم فعل أي شيء سوى تأجيل أي نوع من الأذى وهو ما قررت تيرا توضيحه.
— هذه واحدة من أكبر المجموعات التي سمعت عنها منذ الموجة، أخبرتهما.
— وإن كان بن محقاً وكان هناك ما يسيطر عليهم، فهل تريدان حقاً ألا تفعلا شيئاً؟
— نعم!
— حتى لو كان ذلك مجرد دفع لأي خطر إلى وقت لاحق؟
تنهدت، وقد فاقت كرهها لموقف فيربوم عند هذه النقطة.
— ماذا لو استمرت المجموعة في النمو؟
بل ماذا لو بدأوا في العمل لتعطيل المجهود الحربي فعلياً؟ العالم مكان كبير، ويمكنهم إحداث أضرار بالغة قبل أن تتمكن أي جيوش من الوصول إليهم. بل يمكنهم تدمير بلدات ومدن بأكملها بشكل نشط. عدم فعل أي شيء بينما نعلم بوجودهم هو أمر يتجاوز عدم المسؤولية وهو نوع الأشياء التي ستفقدك أي احترام قد تملكه للمهارة التي تمتلكها. لذا ما لم ترغب في أن تصبح حياتك أسوأ وتخاطر بوضع الكوكب بأكمله في مكان أسوأ، فأنا أصوت لأن نفعل شيئاً حقاً.
كانت تنظر إلى فيربوم بعينين باردتين بما يكفي لتجعله يرغب في الانكماش والابتعاد، حتى لو كان لا يزال يبدي مقاومته الضئيلة.
— همف، هذا سهل القول، ولكن كيف بحق الجحيم ستفعلان أي شيء أنتما الاثنين؟
لا أهتم إن كنتما في المرتبة الأولى، فهذا كثير جداً.
— فيربوم، يا صاح، بدأ بن، وهو يرتدي ابتسامة واثقة.
— لا يمكنك السماح لمهارتك بالقيام بكل تفكيرك نيابة عنك.
ما سنفعله هو الجزء السهل لذا فقط تابع. سأحافظ على سلامتك بينما تدمر تيرا الغابة.