تحرّكت عقوله كلّها لتجميد العالم لحظة اندفاع الشياطين من باطن الأرض، ليتأملها على حقيقتها. تشابهت هياكلها الجسدية، فبدت كحريشات عملاقة، وما ظهر منها فوق الأرض تجاوز قامته وتوحي أجزاؤها المخفية بالمزيد بينما تمايلت بهدوء، عاكفاً على تدبّر طريقته في التعامل معها. أدرك تفهّم ثيرا لاستعدادها لسحر من خلال حركة الأرض الخفيفة وترك الأمر لها، ليركّز على تأمين فربوم، أو هكذا نوى.
منحته قدرته على جعل العالم يبدو بطيئاً شعوراً بعدم وجود ما يستدعي القلق، لكن الوحوش الماثلة أمامه أثبتت خطأ هذا الاعتقاد. دفعة واحدة، بدا كأن ما ظنّه بن مئات الأرجل قد انفجر نحوهم، منفصلاً عن أجسادها بقوة جعلتها تبدو سريعة حتى في إطار مرجعيته الزمنية، مستهدفة الثلاثة بدقة شديدة لتكون أسلحة، ولم يرغب البتّة في اختبار نتيجة تلقي تلك الضربات. يا للهول، سيكون الوضع حرجاً.
بلا أي مساحة للتفكير تقريباً، أطلق بن مخزونه من المانا بالكامل تقريباً، ضخّها في الأرض لانتزاع التراب وإطلاقه رصاصات، كل منها في مسار تصادمي مع المقذوفات الكثيرة المندفعة عبر الهواء، حاملة قوة كافية لإنحرافها عن مسارها، رغم عجز طاقته عن طالها جميعاً. مع تزايد مانا، لم تكن بلا حدود وعجز عن بلوغ الكمال في صدّ ذلك الهجوم. لم يكبد نفسه عناء محاولة التأثير في الضربات الواثق من تخلفها، لكنه قدر على أمر آخر لضمان سلامة ثيرا وفربوم.
لم يهدر شيئاً من المانا في حماية نفسه. لكن لا بأس فلدي أمر آخر لذلك، يا أحذية الحاجز، افعلي فعلتك! ... قلت أحذية الحاجز، افعلي فعلتك! ... يا لللعنة. يا لللعنة يا لللعنة يا لللعنة! لم تعمل حذاؤه. تلك الفكرة التي عبرت ذهنه أولاً لدى محاولته تفعيلها، لكنها خاطفة. كانت التفعيلات في أتم جاهزيتها وما زالت لديه طاقة خارجية متمثلة في بطاريات المانا معه. كلا، لقد كان يكتشف حدود تفعيله بطريقة لم يعهدها من قبل.
تلك مرته الأولى في محاولة استخدام ذلك الحاجز منذ نيله أي مهارة لسرعة التفكير، ومع محاولته رفعه بكل طاقة عقوله، اصطدم بالواقع المرير. غياب أي تأخير مرئي عند التفكير كشخص عادي، لكن عند رؤية العالم أسرع بأكثر من ألف بالمئة، بدا الأمر وكأنها لا تتعلّق أصلاً. راقب بهلع هجوم الشيطان مقترباً، بينما بدأ حاجزه يرتفع ببطء من قدميه، موقناً بعجزه عن بلوغه بينما تجاوزت عشرات المسامير حدود بدء دفاعه تاركة إياه بلا خيارات تذكر.
علق آماله بسترته، راغباً في الاعتقاد بقدرتها على تحمل الضربة بفضل التفعيلات التي وضعها عليها ووجه بقية تركيزه نحو المسامير المندفعة مباشرة نحو وجهه. اقتربت لدرجة تمكنه من رؤية ما ظنّه عن بعد أرجلاً لتكون قشوراً متخصصة، ولم يساعد ذلك بشيء. عجز عن تحريك جسده بسرعة تفكيره لاستحالة التفادي، فصار الأمر مسألة تحديد الضربات التي يتلقاها. كانت قدماه هالكتين. لم تكونا بأهمية محاولة الحماية مقارنة بأجزائه الأكثر أهمية لذا لم يفكر حتى بعدد الطعنات التي ستتلقاها، مركزاً على السبعة التي ستصيب وجهه وعنقه.
قبلت تلقائياً الاثنتين الملامستين لجانبي رأسه قبل ترتيب الخمس الباقية حسب خطورتها عليه ليشرع في عصر قطرات المانا القليلة المتبقية للقيام بكل ما بوسعه. مثلت الدمرة جزءاً من تحكمه المادي الذي سارع بتوظيفه دافعاً المانا لتخفيف حدة أكبر عدد ممكن من المسامير، لا تدميرها تماماً، ليعني تلقيه ضربات، لكن بما يكفي لمنع توغلها في لحمه وجمجمته. تمكن من إيصال أربعة منها لحالة أقل خطورة قبل شعوره باقتراب نفاذ المانا، مخلفاً الأخيرة لتغوص في عنقه.
كفعل أخير، بذل وسعه لإلغاء الحاجز المرتفع ببطء، راغباً في تمكين ثيرا من بلوغه بسهولة لتقديم أي عون قبل إلغاء تأثيرات سرعة تفكيره في عقوله. أدرك إيلام الأمر ولم يرَ سبباً لاختباره ببطء.
<ارتفاع مستوى سرعة التفكير المطلق> <ارتفاع مستوى الرماية> <ارتفاع مستوى تعزيز الدفاع> <اكتساب مهارة مقاومة الاختراق المستوى 0>
تزامن دفق الإشعارات في رأسه مع ألم ضارب في كل أنحاء جسده إذ طرح أرضاً عاجزاً عن الوقوف بفعل الأذى الذي أصاب ساقيه غير قادر على التنفس في ظل الثقب القائم في رقبته. تلقى وجهه باقي الضربات من المقذوفات التي خفف حدتها ولم ينج من جسده سوى جذعه المحمي بأمان داخل معطفه الذي أثبت جدواه القصوى. في لحظة سقوطه نفسها دخلت تعويذة ثيرا حيز التنفيذ فأحاطت بالوحوش الخمسة بقشرة صخرية سميكة واطبقت عليها سحقتها وأهلكتها قبل أن تهرع إلى جانبه سحر الحياة متألقاً على أطراف أصابعها لتشرع أولاً في إغلاق الجرح في رقبته متحركة بعد ذلك إلى أماكن أخرى مانحة إياه الهواء الذي يبتغيه للكلام.
هتف بمرح متحدياً الألم: "احزروا من اكتسب للتو مقاومة الثقب!".
فهزت ثيرا رأسها مستمرة في إغلاق ما تبقى من جروحه وقالت: "لم أسمع بتلك المهارة في حياتي قط. بحق الجحيم، كيف طعنت بالقدر الكافي لاكتساب شيء كهذا؟".
أجاب: "لا أعلم لكني سأقبلها. كلما حزت مهارات دفاعية أكثر كلما كنت في حال أفضل حين يواجهني أمر مشابه مجدداً. يعني هذا فحسب أنني سأحتاج في المرة القادمة إلى شيء شبيه بمقاومة القطع. أو ربما مقاومة الكسور؟ سيكون أمراً رائعاً لو ظفرت بما يمنع عظامي من التهشم. أو جلدي إن شئت الدقة، أليست تلك مقاومة تمزق؟ بصراحة الاحتمالات هنا بلا حدود".
صرخ فيربوم مهرولاً إلى جانبه والرعب تملأ عيناه متناسياً مخاوفه الخاصة بشأن الاثنين بعدما وجد نفسه في حضرة تهديد حقيقي: "أنت تنزف في كل مكان! كيف تتبسط في الأمر هكذا؟".
أوضح بن: "آه، أظن أنك بحكم أهميتك البالغة لا تشهد هذا كثيراً، لكن هذا النوع من الأمور يتكرر كثيراً في هذا العالم. لم يعد هذا يستحق الاهتمام طالما أنني أحظى بمعالجة رائعة جواري. تعتاد على الأمر بصراحة بعد حد معين، ألا تعلم؟".
بدا واضحاً أن تفسيره ترك الآخر في حالة نفسية أسوأ إذ تخيل فيربوم الحياة التي كان سيجبر على عيشها لولا مهارته من الطبقة الثالثة بينما سارعت ثيرا لمحاولة تصحيح الاعتقاد الزائف تماماً الذي غرسه بن في ذهنه.
قالت بحزم: "ليس هذا شائعاً بأي حال من الأحوال بالنسبة للأشخاص العاديين. يمتلك بن أسوأ حظ في الكون لا أكثر، لكوكب ليس عالماً كابوسياً يقع فيه الجميع على حافة الموت طائفة الوقت".
غير أن بن لم يكن لينوي ترك تلك المقولة تمر دون جدال: "نحن حرفياً في خضم غزو ضد عرق لم يخسر قط ومصير الكوكب على المحك".
ردت: "أتحدث عما عدا ذلك. لا ينال أغلب المغامرين من الأذى ما يكسبهم بعض مهارات الدفاع التي تمتلكها ناهيك عن الشخص العادي. لا تحاول إخافته".
"مهلاً، أنا أنقل ما أراه من شخص مستدعى إلى آخر، وأعظك تفرط في اعتياد رؤية العالم على حاله وقبوله كأمر عاد. عليك أن تثق بي يا ثيرا، هذا الكوكب أشد خطورة بمراتب من عالمي الأخير".
أدركت من نظراته أنه يصدق تماماً ما يقوله ولن يتراجع عنه فهزت ثيرا رأسها وأتمت شفاءه تاركة فيربوم يصارع إحساساً متنامياً بالخوف كأثر جانبي بينما أخذ كلام بن مأخذ الجد. لم يمض وقت طويل حتى تمكن بن من الجلوس وقد استعاد جسده عافيته ليعود إلى صلب الموضوع فانطلق الاثنان والآخر نحو الشياطين الصريعة.
سأل: "إذن انتهى التحقيق؟ هؤلاء الخمسة كانوا يطهرون الأرض. يبدو الأكل أو الصيد الخيار الأرجح هنا".
توسل فيربوم: "أنا راض تماماً باعتبار الأمر كذلك لذا فلنذهب وفوراً".
متجاهلين إياه مجدداً هزت ثيرا رأسها وأردفت: "إن كانوا خمسة فقد يكون هناك غيرهم. علينا توخي الحذر لبرهة على الأقل. هيا".
جرجرا فيربوم نحو الجثث متوقعين أن تؤتي مهارته ثمارها بصورة أفضل الآن وقد بات لديه ما يركز عليه بصورة أوثق لكنهما تلقيا مفاجأة أخيرة في النهاية.
قال بن رافعاً يده ليمنع ثيرا من الإجهاز عليه في الحال بينما كان متمسكاً برمقه الأخير من الحياة: "أحدهم ما زال حياً. امنحني ثانية واحدة، ربما يمكنني جعل الأمر أسرع وأسهل علينا جميعاً".
لم يكن سوى واحد وما زال حبيساً في الحجر الذي سحقته ثيرا به، مما جعله غير مهتاج كثيراً من هجوم آخر، ومع ذلك وقف على أبعد مسافة استطاع بلوغها قبل أن يشرع في محاولته متصلاً بعقل الشيطاني ومخترقاً ذكرياته.