كانت الرحلة نحو الوجهة الأخيرة هادئة وغير مريحة، وانزوى فيربوم في الخلف مبتعداً عنهما قدر المستطاع، يرمقهما بريبة وقلق طوال الوقت حتى اضطر بن إلى كسر الصمت.
قال: "هيا يا فيربوم، أعلم أنك لم تكن مستيقظاً طوال ذلك، لكن لدي أخبار سارة، كانت رحلة سهلة أيضاً. الملوك على علم تام بهوية حقيقتهم وبأنهم طلقاء، لذا فلا داعي للقلق بشأن ذلك".
رد ببرود: "يُدعون أشباه الشياطين. كيف لا يكون ذلك مدعاة للقلق؟"
حسناً، أظن أن الأمل في أن يكون قد فقد وعيه قبل أن يرى حالاتهم كان أمراً مبالغاً فيه. يا للأسف.
"لا داعي للقلق لأنهم أبرياء إلى حد ما مجرد ضحايا للملوك المحرمين. وبما أن أولئك القوم قد ماتوا، فلا شيء يثير القلق، فلماذا لا نتوقف عن التوتر ونركز على المحطة الأخيرة من هذه الرحلة؟"
"لماذا؟ لكي أكتشف أن لكما أصابع في هذا أيضاً أيها المختلان؟ كيف يُعقل أن تورط شخصان في هذا القدر من المصائب؟ أكان لقائي واتخاذي حارسين جزءاً من خط بحرية أيضاً بحق الجحيم؟ ماذا ستفعلان بي عندما ينتهي كل هذا، ها؟ أستصمتانني لكي لا أخبر أحداً بأي نوع من المجانين أنتما؟"
"حسناً، بما أننا لم نرتكب أي خطأ فعلي في أي من تلك المجالات الثلاثة، فما الذي ستخبر به أصلاً؟"
"أنا، أنا..."
تراجع فيربوم إلى مهارته، محاولةً العثور على أي دليل يدينهما في بحر المعرفة الذي أُغرق فيه، ليخرج خاوي اليدين. لم يكن الأمر خلو ماضيهما من شوائب أخلاقية، بل إن أياً منها لم يكن بالقدر الكافي في تلك التحقيقات الثلاثة الصغيرة ليعثر على شيء. في أسوأ الأحوال، كانت هناك مشكلة الأشجار المكعبة التي امتلكت جانباً للسيطرة على العقول، فغيرت منها ومن بيئتها، لكن الأمر لم يكن سيئاً لدرجة تجعل بن قلقاً من انكشافه للعالم بأسره.
تنهد بن: "اسمع يا فيربوم، يمكنك الاستمرار في جنون العظمة لاحقاً، لكننا الآن نقترب جداً من الموقع الأخير، أفلا تستطيع تقديم تقريرك الآن؟ حينها يمكننا جميعا العودة إلى منازلنا ولا داعي لأن ترى أياً منا مرة أخرى إلا إذا قررت البحث عنك لأجل معلومات حول المهارات أو الوظائف أو الألقاب".
"لا تأد للبحث عني بعد انتهاء هذا، فلن أساعدك!"
أخبره بن بيقين جعل الآخر ينكمش خوفاً: "لا، ستفعل بالتأكيد".
"لكن ركز على المهمة المطروحة. ما الذي نبحث فيه معك الآن؟"
قال بسخرية: "منطقة موت كبيرة أخرى في الغابة. لا أطيق الانتظار لأكتشف كيف فعلتما ذلك هذه المرة أيضاً. المزيد من التدريب في الغابة؟ ربما صنعتما شيئاً غريباً لترهبة الحيوانات وتبعدوها؟ بحق الجحيم، ماذا عن عرق سري آخر على الكوكب ينظف الأرض؟ لا، في الواقع كل هذا غبي جداً، لماذا نتكرر أي شيء؟ الثلاثة الأخيرة كانت مختلفة، فلماذا لا أرى كلاكما متورطاً في شيء جديد ومروع؟"
استمر في التمتمة في الخلف بينما نظر بن وتيررا أحدهما إلى الآخر، وعجزا عن كبح شكوكهما حول احتمالية ضلوعهما في أي شيء كانا على وشك مواجهته هذه المرة أيضاً. سيكون ذلك سخيفاً. لكن، قلتُ الشيء نفسه في المحطة السابقة وانظر كيف انتهى الأمر. هل هناك ما قد فعلته في هذه المنطقة من الغابة؟ أي تجارب أو ما شابه؟ إنها بعيدة عن البوابة بما يكفي لأكون في أمان، أليس كذلك؟ يا ميرايد، ألا يمكنك إخباري إن كنت مسؤولاً عن أي جزء، وحينها يمكننا نزع اللصقة سريعاً وإخبار فيربوم قبل أن نهبط؟
لسوء الحظ، كان ملِكه لا يزال صامتاً، وغالباً منشغلاً بمجموعة متنوعة من المهام التي تتراوح بين التعامل مع مؤمنيه الآخرين أو كاهنته الجديدة، أو مساعدة الملوك الآخرين في الاستعداد للحرب. أراد جزء منه الصعود إلى هناك بنفسه نظراً لامتلاكه الوقت، فقط لاستجواب المكعب قليلاً للحصول على ما يمكنه، لكنه عدل عن ذلك. إن كان متورطاً بأي شكل فسيكون الأمر واضحاً بلا شك بحول الوقت الذي يهبطون فيه، ولم يرغب في رفع عينيه عن فيربوم قبل أن وطأ قدماهما الأرض.
نظراً لشدة توتره، لم يكن بن مستعداً للمراهنة على ألا يقفز الرجل المذعور من العربة إن بدت قمم الأشجار كثيفة بما يكفي لالتقاطه.
همست له تيرا فور بلوغهما اليابسة: "أظننا بخير، وما أمرك أنت؟"
قال بارتياح قبل أن يلتفت إلى مَن في العربة: "لا أذكر هذا المكان قط لذا أظنه سليماً. أهلاً يا فيربوم، خبر سير... حسناً، هو سيئ بالمعيار التقني. أياً ما كان ما يجري هنا، فلسنا متورطين هذه المرة".
تذمر: "تبّاً، كيف يكون ذلك خبراً سيئاً؟ يبدو لي أفضل خبر تلقيته طوال اليوم".
"هو سيئ لأنه إن نظرت إلى الثلاثة الأخرى، كانت بريئة ويسهل الحصول على إجوبة عنها لأننا علمنا ما يجري. لا نملك أدنى فكرة عما يحدث هنا. قد يكون أي شيء".
قالها بابتهاج مستمتعاً بشعور براءته من الأمر برمّته، حتى مع زجّ منطقه بفيربورم عميقاً في خوفه. سواء أحب البلِيادن ذلك أم لا، كان بن محقّقاً تماماً. حقيقة عدم دراية أيّهم بما يحدث تعني أن وضعهم أسوأ بكثير، ومجرد بدا مبهجاً لحرّاسه زاد الأمر سوءاً. بينما سرّ بن ألا يغطّى التقرير المرفوع إلى كيلي باسمه، تحمّست تيرا أكثر لما يمثله، مغامرة حقيقية. غاب الغموض والرومانسية عن رؤية أيّ ممّا تورطوا فيه مسبقاً، لكن هذا مثّل شيئاً جديداً.
وربما حتى شيئاً مثيراً حسب المعطيات. بدا الأمر خفيفاً في البداية، ورغم إخبارهم أنهم يحققون في منطقة ميتة بغرابة من الغابة، غصّت بإشارات الحياة الصغيرة المتوقعة لمن يدقق النظر. آثار الأقدام المتقطعة، الخدوش الواضحة على الأشجار، وحتى ما يشابه آثار العبث ببعض النباتات، كلها أشارت إلى أرض مأهولة لولا الصمت المطبق عليها. مهما طال إنصاتهم، غاب ما يدل على أنهم ليسوا وحدهم.
أمر يبعث على الريبة. التفسير الأكثر بداهة تمثل في إبادة أحدهم أو شيء ما لحيوانات الغابة، بالطريقة نفسها التي فعلتها تيرا أثناء تدريبها، لكنهم لم يعاينوا أي أثر واضح للبشر. البته، بدأ تحقيقهم للتو. سينالون إجاباتهم قريباً ما إن يجد فيربوم الوقت اللازم لاكتشاف سبب هذا كله. لازم بن مكانه بقربه مهما بلغ انزعاج الرجل الآخر، بينما تجولت تيرا في الجوار بحثاً عن أي علامات سحرية تفسر الفراغ، بجانب أي مهددات أخرى، مأدية دور الحارسة بكل جدية.
أدرك اثناهما أن أمان فيربوم أولوية قصوى، فلم يرغب أي منهما بتعرضه للأذى بغض النظر عن تصرفاته، لذا دفعت نفسها لاستكشاف المكان بمستوى آخر محتفظة بهذه الحقيقة في ذهنها، مستخدمة حاسة الأرض وتعاطفها. دافعة بالاثنين أقصى استطاعتها، شعرت بالأولى تمتد قليلاً متجاوزة حضورها الخفي المعتاد في خلفية أفكارها، بينما صارع الثاني لمواكبة النسق متطلبًا انتباهاً فعلياً ومقارعة للمستوى الأدنى، حتى وإن التقى الاثنان بشيء فور بلوغ مداهما المطلوب.
حركة وخبث، مقبلات نحوهما جمعاء بسرعة فائقة.
صرخت: "بن!"، وجاء التحذير في نبرتها كافياً لتأهيله بينما انفجرت الأرض حولهما بخمسة شياطين تدفع نحو السطح.