قال بن محاولاً أن يبدو مرحاً وودوداً، بينما كان يحذر من سقوط ڤيربوم فاقد الوعي على وجهه: "أهلاً بك أنت أيضاً يا تالذو، عودتنا إلى هنا مجرد صدفة حقاً. الأمر معقد".
"وصديقك؟"
"معقد أيضاً. أمم، بما أننا هنا، لم لا نقوم بجولة قصيرة في القرية لأشرح لك ما جرى؟"
"يبدو هذا جيداً، يسعدني أن ترى ما بنيناه منذ آخر مرة كنت فيها هنا".
كان زعيم تلك المجموعة المنشقة من أتباع ميلياد مبتهجاً، ولم يشعر بالحاجة إلى التقصي بعمق، فالرجل الواقف أمامه خادم للملِك الذي تحول إلى عبادته وقدم لهم الكثير، وأراد أن يظهر أنهم طبقوا ما تعلموه في عملهم، حتى وإن كان لديهم متسع للنمو. كانت فرصة ليرى الضيف كيف تغيرت حياتهم نحو الأفضل وليُظهروا امتنانهم للحياة التي باتوا يعيشونها الآن.
قالت ثيرا بينما كان يقودها بعض الطلاب الأصغر سناً ممن علمتهم خلال وجودهم هناك سابقاً: "في هذه الحالة، سأجدك بعد قليل. يبدو أنني سأرى مدى إتقانهم للتدرب على آلاتهم الموسيقية".
"حسنلً، استمتعي وقتك".
افترقا عندئذ، وحاصرت معظم شياطين النصف طليقة ثيرا بينما عاد البقية إلى أعمالهم، مما ترك بن مع تولثو ليتجولا ويرويا قصة كيف بدأت زيارتهما المفاجئة.
قال بن في ختام حديثه ليلخص الأمر: "إذن نحن نساعد هذا الرجل في بعض أعماله، وكان جزء من ذلك التحقيق في شاعات عن قرية غامضة. وحدث تماماً أن الغموض تبين أنه أنتم".
"ولماذا هو نائم أثناء عمله إذن...؟"
"لأنه جبان قطعي يواجه بعض الصعوبة في الوقوف وجهاً لوجه أمام المجهول"، تنهد بن، وقد ناله التعب من كثرة حمل ڤيربوم.
مع أنني أقر بأن هذا قد يكون خطئي بعض الشيء بحق. حقاً، كيف تورطت في ثلاثة من هذه التحقيقات بالفعل؟ توقع بعض السخرية من سيّده لكنه لم يتلق شيئاً، ففترض أن ميلياد لابد كان مشغولاً بينما استمرا في الجولة، مشاهَدين التغيرات التي حدثت في غيابه عنهم جميعاً. كان شياطين النصف مشغولين منذ آخر مرة زارهم فيها، وكان ذلك واضحاً للعيان. ففضلاً عن التوسع في المساكن ونمو حقولهم الممتلئة بالمحاصيل التي ساعدهم ساشل في توجيههم لزراعتها بعد أن ألقى بالمهام على عاتقها، صار يرى المزيد من شيء واحد بالذات.
الجثث. وتحديداً جثث الشياطين، حيث تُحفظ جلودها ويُطبخ لحمها ويُخزن بينما يحرص أبناء عمومتهم على الاستفادة من كل شيء، حتى وإن نطق حجمها بصوت عالٍ بعدد تلك الوحوش الدخيلة التي يروونها.
سأل بن وهو يومئ نحو كومة كانت في منتصف المعالجة: "ألم تفقدوا أحداً بسببها بعد، أليس كذلك؟"
"لا، وهي لا تقترب كثيراً من القرية أيضاً، ليس بعد على الأقل. هذه مجرد حصيلة ما تعود به جماعات الصن يومياً. ومهما بدا الأمر سيئاً، فهي تبقيننا نطعم أنفسنا".
سيئ؟ أجل، ربما كان ذلك تقليلاً من شأن الأمر. لقد مضى شهران تقريباً منذ إغلاق البوابة وهم يرونها هنا بالفعل؟ لا توجد طريقة وُلد فيها أي منها في هذا العالم بعد، أليس كذلك؟ أعني، أنا أعلم أنها تتكاثر بسرعة لكنني لا أدري بأي سرعة، ويبدو هذا كثيراً. لابد أن هناك مكاناً به نقطة غزو قريبة بشكل معقول، سيكون ذلك أكثر ما يمنطق الأمور. ومع ذلك...
"كم عدد ما تجدونه في اليوم؟"
"لا يحدث الأمر يومياً تماماً، لكن طوال الشهر الماضي، كنا نصادف قطيعاً يضم نحو عشرين وحشاً مرة تقريباً كل أسبوع. هذا ليس أمراً لا يمكننا التعامل معه".
في الوقت الحالي. ما لم تسوء الأمور. حسناً، ربما كان مجيئي إلى هنا أمراً جيداً. كان يعرف شياطين النصف ولم يستطع إلا أن يشعر بالمسؤولية تجاههم بطرق شتى. هو من آواهم لحساب ميلياد ولعب دوراً كبيراً في تعريفهم بالعالم الأوسع. ورربما أصبت بعضهم بصدمة نفسية نتيجة قتل ملوكهم القديمة. على أي حال، لا يمكنني الاكتفاء بالوقوف مكتوف الأيدي. اتخذ قراره، فوجه تركيزه نحو الرجل الواقف إلى جواره بينما كان يرتب كل ما سيفعله بالوقت المتاح لديه.
"حسناً، إن ساءت الأمور فلن أستطيع ترككم هكذا، لذا فلنجد ثيراً مرة أخرى في الوقت الحالي وبعد ذلك سنرى مدى التجهيز الذي يمكنني تزويدكم به جميعاً في غضون ساعات قليلة فقط. في الواقع، يا تولثو، أسدِ لي معروفاً وأحضر لي فريقي الحدادة والسحر اللذين كونتهما آخر مرة كنت هنا، فقد يحصلان على درس لائق من هذا".
بَقِيَ فيربوم مطوياً في ركنه بينما ركّز بن على ما ينبغي فعله بالساعات المتاحة، مستفيداً من مانا ثيرا لتحقيق ذلك. جعلها تصنع كميات ضخمة من الحديد ليعمل عليه إذ كانت تلك المادة الوحيدة التي ترتاح لتجسيدها بينما أخذ منها ما يحتاج لصنع كل شيء آخر، ليخرج بروح مرهقة وجبل من المواد الخام ليحول رؤيته إلى حقيقة. الأشياء الأساسية الثلاثة التي صنعها هي مطرقة وملقط وموقد، تاركاً الفريقين اللذين جمعهما لمراقبته وهو يعرض ما يجعله حرفياً موقظاً عندما بدأ بتسخين كميات هائلة من المعدن لاستخدامه قبل أن يهوي بمطرقة لتشكيلها كلها.
كان هناك الكثير مما يحتاج لصنعه بالوقت المتاح، دروع لتناسب الجميع، راغباً في شيء حتى للأطفال تحسباً لأي طارئ، إلى جانب الدروع والحراب، السلاحين اللذين تعود عليهما غالبية المحيطين به منذ مغادرته القرية، وتحركت يداه بسرعة البرق، وتشكيل المعدن بمهارته وماناه، كل ذلك ليناسب أشخاصاً لم يقسهم سوى بنظرات سريعة لكنها انتهت بمقاسات مثالية تماماً. كان سيداً في حرفته، فحتى أعماله السريعة تفوق بمراتب ما يمكن لحرفي عادي إنتاجه وكان ذلك جلياً مع كل ضربة مطرقة والمنتج النهائي، حيث انتقل إلى العمل التالي مما ينبغي إنجازه.
التحرير. لم يحزم خواتم كثيرة، إذ امتلك فقط الخواتم العشرة ذات التوافق وخاتم الحاجز الذي يرتديه دائماً على أصابعه، لكن ذلك لم يهم. امتلكها كلها بصيغها الموقظة ولم يتردد في دفعها إلى أقصى طاقاتها، إلى جانب الاستفادة من كل ما يوجد داخل حالته الشخصية. كانت مهاراته عالية ومقاوماته مذهلة، وكان من السهل جداً استخدام النزر اليسير المتاح لديه لصنع تحفة فنية، بل وحتى مئات منها بينما وُوزِّعت الأشياء على القرويين المحيطين للتأكد من ملاءمتها تماماً للجميع.
تطلب الأمر تعديلات طفيفة في النهاية وحتى إن لم يلاحظ أحد منهم ذلك فوراً، لم يكن صعباً عليه أن يرى مدى روعة كل شيء. قبل أن تتراجع التعاويذ، صُنّفت كل قطعة كنادرة عليا في نظره، وبعد تلك الجولة الحافلة بالتعاويذ أصبحت كلها نادرة فائقة سفلى. ليست أفضل ما يستطيع فعله، لكن بالنظر إلى أنه صنع في غضون بضعة ساعات بضعة مئات من القطع التي بلغت تلك الجودة فقد كانت نتيجة ممتازة.
تلك القرية الصغيرة جُهّزت بأفضل مما جُهّز به أي جيش، وأصبح حمايتها مؤمّناً بأقصى ما يمكن بالوقت المتاح للعمل. لكن بلا مستويات هاه؟ مع صنع هذا الكم الهائل من الأشياء بتلك الرتب، كنت آمل حقاً في الحصول على شيء من مهارة التحرير أو الحرافة ولكن لا بأس. أعرف أنها عقبة عالية، سأحطمها عاجلاً أم آجلاً. سيواصل صنع كل ما يستطيع والتعلم من كل تجربة، لكنه في الوقت الحالي أنجز كل ما بوسعه فعله.
لقد حان الوقت لإيقاظ فيربوم سواء أأراد ذلك أم لا للانتقال إلى وجهتهما النهائية لإسدال الستار على المهمة.