الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 436

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 436 باللغة العربية على مانجا تايم.

دويّ في رأسه تنبيه الاستدعاء ليستجيب له بن بارتياح، مغمضاً عينيه ثم فتحهما ليجد نفسه محاطاً بما يشبه طاولة مستديرة ضخمة، حيث تصطف مئات الأشكال المتنوعة، وكلها ترمقه بنظرات تتراوح مستويات الإدانة فيها بوضوح. وعلى جانبيْه وقف الإلهان الأقرب إليه، ميرياد وهيلوري، فسرّع من إيقاع عقله ليضمن جاهزيته النفسية لأي طارئ. لم يكن يشك في أن الأمر سيكون مزعجاً، لكنه عزم على الخروج بأكبر مكسب ممكن.

إن أرادوا منه عملاً، فعليهم دفع الثمن.

"إذن"، قال مبيّتاً المبادرة وهو يرتسم أبهى ابتسامات خدمة العملاء لديه.

"سمعت أنكم جميعاً ترغبون في توظيفي؟"

"نحن هنا للحديث على الأقل"، قال أحدهم، مبدياً هيئة غول ومتحدثاً باسم البقية علّ الأمور تسير بسلاسة أكبر.

كان الفني حاضراً بوضوح في أذهانهم وهم يستحضرون كيف انتهى تفاعلهم الأخير، ولم تكن لديهم أي رغبة في تكراره.

"لماذا لا تخبرنا الآن بالقدر المحدد الذي تطلبه أجراً لعملك لننتقل إلى ما بعده؟"

"آه، بالطبع، ولكن لنغير مجرى الحديث قليلاً أولاً. كم عدد الأشخاص الذين سأساعدهم؟ العالم شاسع للغاية ولا بد أن هناك أكثر من بضع محاولات لإيقاظهم. بالطبع، كل أتباع جاجال يحصلون على عبور مجاني لأنني عقدت صفقة معها مسبقاً، لذا فالحديث يقتصر على بقية أفرادكم."

"بينما يبلغ مؤمنو جاجال عشرين فرداً، نعتقد أن هناك حوالي ألف وخمسمائة ساحر آخر في العالم قد يستفيدون من خدماتك"، هكذا أوضح له الملك الشبيه بالغول.

أوضحت له الأرقام تماماً طبيعة الموقف التفاوضي الذي يقف فيه. لقد أهدر الآلة قدراً هائلاً من الجهد والإيمان قبل بضعة أعوام فقط لمد أيديهم عبر العوالم من أجل الحصول على مئتي حامل مهارة مستيقظ جديد فحسب، ها هم أولئك يقفون هنا مطالبين إياه بصنع ألف آخرين وأكثر بيده. صحيح أن الأغلبية لن ينتهي بها المطاف بعدة مهارات مستيقظة، ولا بسمات تضاهي ما باركوا به غالبية المستدعين، لكنه ظل كافياً لتغيير معالم العالم بشكل دائم.

*يا له من أمر، أكثر مما توقعت. وخصوصاً لجاجال، يبدو الأمر منطقياً بما أن جميع مؤمنيها يركزون على التدريب المستمر للنمو وحماية غاباتهم، لكنه يظل أمراً ملحوظاً.* <تقنياً، ليسوا كلهم بشراً قابلة للاستيقاظ بل يضمون حفنة استيقظت بالفعل لكنها أخفقت في التجسيد>، هكذا أوضح ميرياد سراً، متحدثاً في رأسه. <ويشمل ذلك الكثيرين من المستدعين.

وبما أنك استطعت مساعدة ثيرا في نيل مستوى من خلال ذلك، فهذا يعني أن فرص بقيتهم في بلوغه عالية.> "حسناً، يبدو قدراً معتبراً من العمل، ولكنه ليس مما أرفضه. لم يبق سوى مسألة الأجر كما ذكرتم إذن."

راقب الملوك وهم يتنهدون، ظانين أن الأمور تسير بسلاسة تامة، ومدركاً أنه على وشك سلب هذا الشعور منهم. توقع أن يُساوموه بقوة، لكنه أراد رفع السقف عالياً بما يكفي ليعسّر عليهم النقاش بحلول الوقت الذي يصل فيه إلى مراده الحقيقي.

"إذن، أجزم أن الأمر لن يشكل صدمة لأحد، لكنني فاحش الثراء بالفعل"، بدأ حديثه، مراقباً وميض الشك وهو يتسلل إلى عيون الملك القائد للحوار.

"نحن نعلم ذلك."

ففي النهاية، كان لقاؤهم الأخير هو ما أسهم في جعله كذلك، ولن ينسى أحدهم الأمر.

"لذا فأنا لا أحتج حقاً إلى مزيد من المال في هذه المرحلة"، تابع كلامه، متجاهلاً النظرات التي ذكرت الحاضرين بما آلت إليه الأمور حين أعدّ الجرعات.

"أريد شيئاً آخر يجعل الأمر مجدياً بالنسبة لوقتي ولكل ما مررت به حتى أبلغ هذه النقطة الممكنة. ادفعوا لي بركات."

انفجرت الطاولة صخباً عند سماع كلماته، وهو رد فعل لم يقل عما توقعه. كانت البركات عملية بشكل استثنائي، وتساعد المرء على رفع سماته ومستوياته بسهولة أكبر دون القيود أو الجهد المرتبط بشغل وظيفة. لقد كانت نمواً مجانياً طالما أبدى المرء الاستعداد لأداء الحد الأدنى. وبطبع الحال، سيسعد بن بفعل ما يزيد بكثير عن ذلك، لكنه علم أن احتمالات خروجه ببركة واحدة تظل ضئيلة. لم يكن كل ذلك سوى تمهيد لبلوغ ما يبتغيه حقاً.

انتظر حتى تهدأ الأمور، بينما أخذت عقوله المتعددة تقتل الوقت في تفكيك الأصوات المتباينة لمعرفة ما تقوله، حيث جاء معظمها سلبياً بشكل قاطع. تُمنح البركات كمكافآت من الملوك، وليست أشياء يطالب بها البشر، بغض النظر عن الظروف. لم يستطع منع بعض كلماتهم من ترك أثرها عليه، لكنه اختار الهدوء. سيكون رسولاً طيباً وعاقلاً ثم يعود للتركيز على عمله الخاص بمجرد الانتهاء من كل ذلك، وكل ما تطلبه الأمر منه هو الاسترخاء والتعقل والصبر.

"نحن لا نقبل بهذا التفكير! هذا البشري الأحمق محظوظ لسماحه بالاستمرار في الوجود نظراً لتصرفاته، ومن المؤكد أن ذلك قابل للتغير!"

...حسنأ، لقد كانت تلك ثانية لطيفة بحق في العزم على أن أكون شخصاً عاقلاً، لكنني لا أظن أنني سأسكت بينما يُهدد وجودي هكذا بلا كلمة. استشعر من حوله دنسه وهو يتسرب منه، نفس الحضور المخيف الذي لم يفعل شيئاً لكنه نطق بالكثير حين أراح ذراعه بصمت على الطاولة، مشيراً إلى الملك الذي قال ذلك وسط البقية حتى هدأت الأمور بما يكفي ليُسمع صوته.

"أنت، ما اسمك؟"

سأل الكيان الذي كان يحدق فيه مباشرة، وهو شخصية تبدو كأنها مصنوعة من حبال، ليحصل على إجابة سريعة.

"لا أرى صلة لهذا بكل ما يدور هنا."

*لماذا يوجد دائماً شخص واحد يصر على التعنت؟

على الأقل يبدو أن إنيث لم يكلف نفسه عناء الحضور، ولا يمكنني سوى تخيل ما كانت ستؤول إليه الأمور لو فعل.* "أنت محق، لا صلة له. سأوضح الأمر للجميع، لن أساعد في إيقاظ أي من أتباع صاحب الحبال هذا. وبما أنك لم تعد جزءاً من النقاش فربما يجدر بك المغادرة."

تدلى فك الملك الخشن مفتوحاً، متجكماً بصدمة وغضب ومستنكراً تماماً لتعرضه لمثل هذا الحديث، بينما سارع الملك الشبيه بالغول والذي قاد الأمور في البداية لاستعادة السيطرة.

"حسناً، لمَ لا نهدأ جميعاً ونحاول التعامل بتعقل مع بعضنا؟ الرسول بن، أظنك تدرك سبب إثارة طلبك لبعض التوتر."

*هوه، لديهم شخص يعرف كيف يتعامل بهدوء لقيادة الأمور فعلاً. رائع.

لكن لا بد من توضيح الأمور.* "أرى أنني في غاية التعقل إن أخذتم في الاعتبار تاريخي معكم جميعاً. أدرك أننا لم نكن على أفضل وئام دائماً، بدءاً من جلبكم إياي إلى العالم ونسياني حين لم أكن مفيداً فوراً، ومروراً بوجود أفراد في دياناتكم يلحقون بي الأذى عمداً، وإهمالكم الشنيع لأدنى درجات التحقق ممن يدير المركز الثقافي للدين مما رمى بي في محاكمة الملك الميت، ورغبة بعضكم في إقحامي بالجحيم لمجرد امتلاكي بضع مستويات مهارات لا ترضون عنها، ولا يمكن نسيان وقاحتكم في ترك أتباعكم يحاولون جذبِي إلى بلدانكم رغم كل ذلك، فلنتجاوز هذا ولنركز على الحاضر. رغم كل هذا، جئت إلى هنا لأتفاوض على بيع خدماتي، لكنني لست ملزماً بمساعدة أي شخص يهدد وجودي. إن كان لديه أي أتباع يرغبون في الارتداد عنه فبعد أن ننتهي من كل هذا سأساعدهم كأي شخص آخر، وإلا فلا حول ولا قوة، وحظاً أوفى المرة القادمة."

"الأمر لا يتعلق بتبادل الخدمات"، قالت ملكة أخرى، تبدو متعبة في الغالب وكأنها انتظرت تحول الأمور إلى الأسوأ طوال الوقت، بينما حاولت التحلي بالتعقل.

"هذا من أجل مصلحة الكوكب، ألا يمكنك المساعدة لمجرد أن هذا هو الصواب؟ هذا كل ما نطلبه منك بغض النظر عن تباين مواقفنا. تلبية ما تريد ستكلفنا إيماناً، لكنها لا تكلفك شيئاً."

"حسناً، إنه لأمر لطيف ظنك بأن وقتي لا يساوي شيئاً"، قال ببرود قبل أن يطلق تنهيدة طويلة.

"وأما بخصوص تباين المواقف، فلنُوضح أمراً واحداً. علاقتنا ليست بين ملك ومؤمن، بل بين مقدم خدمة وعميل. لدي ما ترغبون فيه لذا فعليكم توفير التعويض الملائم نظير ذلك. وكأي معاملة، هناك متسع للمفاوضة، بل إنني توقعت ذلك تماماً إلى أن قررتم التصرف كالحمقى بدلاً من ذلك، ومع ذلك إن أصر أحدكم على التصرف بتعنت فلا التزام لدي بقضاء وقتي معكم. أتفهم قلقنا بشأن نهاية العالم، لكنني حرفي قبل كل شيء. أقوم بعمل وأتقاضى أجراً، الأمر بهذه البساطة."

كان يرى بالفعل البعض ممن يرغبون في المجادلة فرفع يده ليسكتهم بالتزامن مع ملك المفاوضات المفترض قبل أن يستطرد.

"اسمعوا، سبب مواجهتنا للمشاكل هو أنكم حين تنظرون إليّ ترون من هو أدنى منكم. أعرف أنكم تنجحون في التعاون إلى حد ما، لذا فالمشكلة هي أنكم حتى وإن أحببتم فناءكم البشري، لا ترونهم بشراً يستحقون مشاركتهم علاقة ند لند. لا يعنيني كيف تعاملون بقيتهم، لكن الأمر بالنسبة لي يتغير هنا والآن. أنا لست أقل شأناً من أي منكم، وإذا أصررتم على التصرف وكأنني كذلك فلن يفضّي هذا إلى شيء. فهل ترغبون في التفاوض على قيمة خدماتي، أم أغادر وحسب؟"

انفجر نقاش جديد بدا وكأن مآله إلى لا شيء، فاستسلم بن، دافعاً بعقله للخروج من العالم الذي وجد نفسه فيه ليعود هبوطاً إلى الأسفل وهو يعتدل في جلسته، دالكاً رأسه قبل أن يركز على من حوله. كانت هناك نظرات تساؤل واضحة تتساءل عما حدث لتوه وكان على وشك إيراد أبرز النقاط حين رنّ تنبيه جديد في ذهنه.

<يطلب المَلِك فيكست الإذن بالكلام في عقلك. هل تسمح؟>

اسمح. فاض عقله بالإشعارات في المرة الأخيرة التي غادر فيها اجتماعاً عقده عدد كبير من الملوك، لكن الأمر انتهى هذه المرة بإشعار واحد فقط. لم يستطع كبح فضول شعوره بالمكافأة حين تحدث المَلِك الشبيه بالتمثال في عقله. <إن عدت وانضممت إلينا مجدداً، فنحن مستعدون للتفاوض على خدماتك.>