فتَح بين عينيه ليجد نفسه في فراش مألوف.
التفتَ إلى المرأة الجالسة في مقعد إلى جانبه وقال: "حقّاً يجب أن نتوقّف عن اللقاء بهذه الطريقة."
قالت سونيا: "أوافقك الرأي تماماً. لو أن مريضاً ما يكفّ عن التعرض للإصابات طوال الوقت."
"ما العبي بي إذن هذه المرة؟"
كان يشعر بحانة جيدة الآن وقد استيقظ، وظنّ أنها أنجزت بالفعل أي علاج يحتاجه، لكنه تلقى إجابة غير متوقعة.
"لم يكن هناك مكروه حقاً، كنت تعاني فقط من نضوب المانا. كان علينا الانتظار فحسب حتى تمتلئ مستويات المانا لديك وتستيقظ في النهاية."
"مهلاً، كيف يُعقل أن أصيب بنضوب المانا؟"
"أودّ شخصياً معرفة الأمر نفسه. سمعت أن ذلك قد يحدث لمن لا يمتلكون مهارات سحرية إن صادف واستخدموا مهارات متعددة أخرى في الوقت ذاته، لكني لم أُعاين حالة شخصية من قبل. بالطبع، مما أخبرتني به ثيرا وما سمعته من كل الوافدين، لا ينبغي أن يكون الأمر مفاجئاً للغاية."
رمقته بنظرة حازمة لدقيقة قبل أن تلين ملامحها.
"لا تعرف كم أودّ الغضب منك الآن. عرضتَ نفسك وابنة أختي لخطر شديد بذلك التصرف. كان من الممكن أن تلقيا حتفيكما."
"أنت محقّة. أنا آسف. لا أعرف ما كنت أفعله."
لم يكن يرى نفسه شخصاً يندفع نحو الخطر، بل شعر بأنه جُرّ إلى تلك اللحظة، إذ لمר يُرِد لأي أحد في منزله الجديد أن يموت. أطلقت سونيا تنهيدة طويلة.
"تعلم، كنت أتوقع أن تقاومني قليلاً، لا أن تستسلم هكذا فوراً. مع كل ما جرى، كيف لي أن أظل غاضبة؟"
"كل ما جرى؟"
"بعد أن حددت زعيمة النقابة هويتك كشخص يعاني من نضوب المانا، حملتك عائدة إلى البيت وبرفقتها ثيرا قبل أن ترسل من يستدعيني. منذ أن كنت نائماً، جاء الكثير من المغامرين الذين شاهدوكما تقتتلان لتقديم احترامهم، وللاعتذار ل ثيرا أيضاً عن طريقة معاملتهم لها. لم يكن الجميع بالطبع، فالكثيرون غارقون في عاداتهم وآرائهم، لكن يبدو أن عدد مناصريها أصبح أكبر مقارنة بما كان عليه الحال عندما بدأ رون هذه الأزمة برمتها."
"هذا رائع حقاً!"
هتف قبل أن يستعيد هدوءه.
"وماذا عن رون؟ آخِر ما رأيته كان مسحوباً بعيداً؟"
"لست متأكدة من ذلك. سيُرسلونه لمحاولة تلقي مساعدة عقلية على يد ساحر ضوء، لكن يصعب تحديد مقدار ما كان من تأثير سحر ثيرا ومقدار ما كان منه شخصياً. حتى لو فقد كل الآثار المتبقية التي تركها سحره عليها، فقد يظل فرداً مضطرباً بطبعه. ستراقب السلطات المختصة تحركاته لفترة. على أي حال، لا تقلق حيال ذلك كثيراً، فهناك من قلق عليك طويلاً."
التفتت سونيا نحو الباب جاعلةً بن يلتفت بدوره، ليرى زوجة من العيون الذهبية تختلس النظر من الجانب.
"عليّ الذهاب لإعداد العشاء. لمَ لا تتجاذبان أطراف الحديث ريثما ينضج الطعام؟"
وحين غادرت، أدخلت ثيرا معها، وانتهى الأمر بهما وحدهما. لحسن الحظ لم يُضطر بن إلى خلع ملابسه هذه المرة، لذا احتفظ بكرامته التي تمنحها إياه السراويل حين اعتدل في جُلسته.
"كيف تشعر؟"
سألته.
"أخذت كفايتي من الراحة. ذكرت سونيا أن الأمور تسير على ما يرام منذ أن غبت عن الوعي."
احمرّ وجنتاها قليلاً أمام ناظري بن.
"حسنًا، كان الكثير منهم فوق السور للمتابعة. يبدو أنهم بدأوا بإلقاء التعاويذ عندما اقتربت الوحوش كثيراً، لكنني لم ألاحظ إذ استنفدت طاقتي بأكملها لاستخدام تلك التعويذة وحدها، إلا أن كل من شاهد ذلك أُعجب وأعتقد أن الأمر جعل بعض الناس يعيدون تقييمي قليلاً."
"هذا عظيم!"
"أعتقد جازمة أن الكثيرين ما زالوا يعتبرونني سبب كل هذا، لكن ينبغي أن أكون قادرة على الخروج إلى العالم الخارجي مجدداً على الأقل."
بدت غير مرتاحة لدقيقة قبل أن تستأنف الحديث.
"بن، أعرف أنك لا تعتقد أن هذا ذنبي..."
"ليس ذنبك،"
أكد بكل ثقة استطاع حشدها.
"أعلم أنك تؤمن بذلك،"
قالت بابتسامة خفيفة.
"شعرت بثقتك بي حين تواصلنا. لم تشكك في قدرتي على النجاح."
سرعان ما تلاشت ابتسامتها.
"مما يجعل الأمر أَوْحَش لكون هذا حدث بسببي حقاً."
"ثيرا-"
"بن، دعني أتحدث أرجوك. أريد أن أفسر لك نفسي."
أخذت نفساً عميقاً.
"بعد طرد رون من النقابة، استخدمت تعويذتي عليه عن قصد."
"حسناً،"
لم يرَ مشكلة في ذلك.
"أهذا كل ما لديك لتقوله حقاً؟"
"أعني، أنا متأكد أن لديك سبباً أليس كذلك؟"
"حسنًا، بعد طرد من النقابة، اقترب مني في شارع خالٍ. كنت خائفة فخلعت غطائي، ثم استخدمت تعويذتي تحديداً بينما كنت أصيح به ليبتعد. فرّ هارباً لحياته في الحال. مضى وقت طويل جداً منذ أن رأيته وكنت أتساءل إن كان لم يتوقف قط، وربما مات وهو يجري، لكن يبدو أن كل ما فعلته هو دفعه نحو حافة الجنون تماماً."
"وهذا أمر رائع جداً، كنت أدرك أن للسحر المظلم جوانب عقلية عديدة، ولكن أتشمل التعويذة التحكم في العقول؟"
سأل بفضول فاق أي شيء آخر، وهو ما أزعج ثيرا بحد ذاته غير أنها ردّت عليه بالنفي.
"ليس تحكماً كاملاً بالعقول، بل يعتمد كثيراً على مقاومة الهدف وقوة إرادته الشخصية. بدت مقاومة رون المظلمة سيئة للغاية، وكان ضعيفاً عقلياً بالفعل جراء تعرضه لسحري مراراً وتكراراً. أنا من فعلت هذا."
"حقاً؟ يبدو لي أن رجلاً خطيراً اقترب منك وأنت بمفردك فدفاعت عن نفسك. أنا شخصياً لا أرى أي مشكلة في ذلك."
أشاحت بوجهها عنه بينما كان يتكلم.
"أحياناً أتساءل إن كنت لست حقاً تحت تأثير سحري، لمَ قد تواصل الدفاع عني وإلا؟"
"لأنك صديقتي،"
أخبرها بكل جدية استطاع جمعها.
"لا أعرف ما تعنيه الصداقة بالنسبة لك، لكنها تعني لي أنني في صفك وسأحمي ظهرك. إن فعلتِ شيئاً أعتقد حقاً أنه خطأ فسأخبرك، واللعنة سأوبخك توبيخاً شديداً إن احتجتِ لذلك، وإلا فأنا بجانبك."
وحين تحدث، بدأت تحمرّ خجلاً مرة أخرى، لكنها التفتت إليه مجدداً غير متأكدة تماماً مما تقوله. كيف كان هذا الفتى مرتاحاً إلى هذا الحد في التعبير عن مشاعره بصراحة متكررة على أي حال؟
"حسنً، شكراً لك. أعتقد أنني لم أحظَ قط بص صديق يهتم لأمري حقاً."
"لا شكر على واجب. الآن وقبل أن ننهض، أتمانع أن أُجرب شيئاً؟"
"أظن لا، ماذا؟"
"أريد تجربة التواصل مجدداً."
بدت مترددة بعض الشيء لكنها قررت الاستسلام ومدت يدها.
"حسناً، لكنني لا أفهَم كيف يمكنك أن تكون مرتاحاً هكذا مع هذا، أشعر وكأنني مكشوفة تماماً."
اكتفى بهز كتفيه.
"لقد فعلت ذلك مراراً على ما أظن."
"مع نبتة منزلية."
"نبتة منزلية رائعة للغاية. على أية حال، فلنجرب هذا سريعاً الآن."
أمسك بيدها وتواصل، مستخدماً تركيزه بكامل طاقته الجديدة والمُحسَّنة بينما كان يستمتع بنمو مهارة التواصل. عندما تواصلا من قبل، خطرت له فكرة أو فكرتان محتملتان، وبقدر حماسته لاختبار الأوليين، كانت الثالثة هي الأهم فوراً. استطاع أن يشعر فوراً بمدى مانا الخاص بها، لكنه لم يكن عنيفاً كما كان في السابق، وبدا أن الارتقاء بمستواه في المهارة جعل تحمله أسهل. اعتقد أيضاً أنه يستطيع سماع تمتمة خفيضة تصدر منها وأدرك أن ذلك لا بد أن يكون الغرض الأساسي للمهارة آخذاً في الظهور.
حسنً، ما كان يجب أن يكون الأساسي. فمهما كانت قراءة الأذهان مثيرة للاهتمام، لم تكن مفيدة جداً له في تلك اللحظة، والأقل فائدة إن كان الطرف الآخر يستطيع سماع أفكاره أيضاً، لذا دفعها جانباً في الوقت الحالي، لتكون أمراً آخر يبحث فيه لاحقاً. كلا، بل فعل بدلاً من ذلك هو تفعيل تطويقه. لم يمتلك شيئاً يمكنه تطبيقه عليه، لكن ثيرا كانت ترتدي قميصاً عادياً بدلاً من عباءتها في ذلك الوقت لذا شرع في تطبيقه عليه مباشرة، محاولاً أولاً وضع التطويق بأكمله كما يفعل عادة، لكنه وجد أنه لن ينجح، إذ كان الحجم المطلوب كبيراً جداً مما جعل التطويق واهياً، لذا مَدّه بدلاً من ذلك، مشكلاً به خيطاً كلما تقدم.
وكان الأمر ينجح. شعر به يتصرف كما يرغب، وشعر بالمانا تنحني لإرادته، قبل أن تتسع عيناه ويسحب يده، تاركاً التطويق غير مكتمل والانقطاع واقعاً.
"ممم؟ ما الأمر؟ بدوت مهتماً جداً بما كنت تفعله؟"
سالت بدهشة بعد أن قُطع الاتصال فجأة هكذا.
"أم، ثيرا، يبدو قول هذا مزعجاً بعض الشيء، لكنني أحتاج منكِ تغيير قميصك وإحضار هذا إلى هنا."
وضعت ذراعيها على جسدها وأعطته أكثر نظرة حازمة وغير معجبة رآها منها حتى الآن.
"ولماذا تحديداً؟"
"أحتاج بعض الوقت قبل أن أشرح بدقة السبب، لكنني كنت أطبق تطويقاً عليه. والمشكلة هي أن التطويق انتهى به المطاف ضخماً، وقميصك ليس بالتأكيد مادة تحتمل ذلك، لذا سأحتاج إلى إزالته قبل أن يتمزق."
نظرت بسرعة إلى نفسها قبل أن تطلق تنهيدة ارتياح.
"حسنً، توقفت قبل وقوع أي مكروه على الأقل. لكنني أحب هذا القميص. وبما أنك استخدمت مهاراتك عليه دون حتى أن تستأذن، فالأفضل أن تتأكد من سلامته عندما تخلعه."
"نعم، آسف ثيرا، خطأ مني."
"حسناً طالما أنك تفهم. على أي حال، سأذهب لأغير ملابسي. يمكنك القلق بشأن إزالة التطويق بعد أن نأكل. تعال واستعد،"
قالت له بابتسامة، نافضة عنها التعاسة البسيطة التي شعرت بها للتو، فابتسم بدوره.
"يبدو الطعام الطيب والرفقة الجميلة أمراً رائعاً في الوقت الحالي."