قال بن بصوت يملؤه التوجّس وهما يقفان خارج غرفة الحرّاس: "أنا لا أُحبّ هذا يا ثيرا، علينا العودة. تحدّثي إلى صونيا على الأقلّ قبل أن نخطو إلى الداخل".
فردّت وهي تهزّ رأسها: "يا بن، إن كان ما يقوله صحيحاً فأنا مجبرة على فعل هذا. لا يمكنني المخاطرة بحياة الناس لمجرد تفادي لقاء هذا الرجل. ثمّ إنّ الحرّاس سيكونون في الغرفة".
—سأكون هناك أنا أيضاً. مهما نفع ذلك. هيه يا ميرايد، ما الخبر؟ <لا يبدو أنّ الرجل كان يكذب. استطعتُ إيجاد نحو ثلاثين وحشاً في أطراف الغابات الجنوبيّة>. اللعنة. بينما كان الحرّاس يقودانهما إلى حيث يُحتجز روان، شرحا لهما الوضع. لقد مشى الرجل ببساطة نحو البوابة وطالب بالسماح له بالمرور لكي يرى ثيرا. كان الحرّاس على علمٍ به بالطبع ولن يستجيبوا لمطالب مجنون خطير، لذا جلبوه للاستجاب.
كان مسروراً بالحديث، حتّى إنه اعترف بمهاجمتهم في الغابة والفرار حين فشل، ليعود مجدداً من أجل خطّته الكبرى، تلك التي ستكسب قلب المرأة التي ظنّ أنه يحبّها. دلفا إلى الغرفة الرئيسيّة ووجدا روان واقفاً، تقيّد السلاسل ذراعيه وساقيه إلى الأرض. كانت تلك الفرصة الأولى لبن ليرى الرجل فباغته الأمر. كان روان من قُطعان أشباه البشر، ذو مظهر بشريّ بوجه عامّ، غير أنّ عينيه كانتا مركبتين بوضوح، وذراعاه العاريتان تكسوهما قشرة كيتينية سميكة، بينما يغطّي الجانب السفليّ لحمٌ أكثر طراوة.
وما أثار روعه حقّاً هو كيف تحوّلت عيناه فور دخول ثيرا الغرفة لتستقرا عليها، كأنّ بن والحرّاس لم يكونوا موجودين. وتساءل بن في,سرّه عرضاً كيف استيقن من هويتها أساساً، نظراً لأنها كانت ترتدي عباءة جديدة ولا يمكن لسحرها أن يتسرّب، لكن الفكرة تلاشت عندما بلغ أذنيه صوت تنفّسه العميقة وشبه الجائع. توقّفا بعيداً عن متناول الرجل، لكن بن استمرّ في إمساك يد ثيرا كما كان يقودها، ليدعمها جزئيّاً وليضمن ألا تقترب أكثر من اللازم.
لم يستطع كبح شعوره بعدم الرغبة في إبقائها قرب الرجل، وبحسب توتّرها بدا له أنها تشعر بالشعور نفسه.
قال لها ويبدو أنه يحفر صورتها في ذهنه وهو يفعل: "أهلاً يا ثيرا، لقد مضى وقت طويل".
أجابت بهدوء: "مرحباً يا روان. أُخبرتُ أنك ستضع حداً لكلّ هذا إن أتيت لرؤيتك".
لعق شفتيه ووجد بن نفسه ممتناً للغاية لأنها لم تستطيع الرؤية عبر قلنسوة عباءتها في تلك اللحظة: "بالتأكيد، بمجرد أن أنقذ البلدة ستكونين لي. سأحرص على منحك المكانة الأولى بين زوجاتي، فأنت لا تستحقين أقلّ من ذلك بعد كل شيء".
سألت بشيء من التشكيك: "يا روان، كيف ظننتَ أنّ جلب قطيع من الوحوش إلى هنا قد يستميلني؟"
"لا يا مهجتي! لقد فهمتِ الأمر خطأ، لقد جلبتم إلى هنا لأبعدهم! لأخلّص البلدة من الخطر. أليس الرجل القادر على فعل أمر كهذا شديد البأس؟ ألا يليق حقّاً بامرأة مثلك؟"
اندفع إلى الأمام وجاهد ضد سلاسل، محاولاً يائساً الوصول إليها، لكنه لم يسبّب سوى أن تتراجع ثيرا خطوة إلى الوراء خلف بن، وانتقلت عيناها روان إليه.
"انتظري فقط يا ثيرا، سأريكِ أنني أصلح لمرافقتك من أيّ صانع قذر ملعون".
سأل بشيء من المفاجأة: "أتعرف من أنا؟"
صحيح أنه تعرّض للهجوم من الرجل، لكن حسب ما استطاعه فإنهما لم يقتربا بالقدر الكافي ليرى أحدهما الآخر قط.
أبدى غضباً: "كيف لا أعرف الرجل الذي يجرؤ على مرافققة امرأتي؟ لو لم تفرر في ذلك اليوم لكنت نزفت حتى الموت براحة، وأنت تقاتل رجلاً ميتة المحاربين. بدلاً من ذلك احتجت إلى إطلاق حيواني الأليف عليك. كيف استطعت رؤيتي وأنا مقبل في تلك المرّات أصلاً؟"
قال كتعليق عابر قبل أن يستوعب تماماً ما قاله روان: "لدي أصدقاء في مواقع رفيعة".
"انتظر، تلك المرّات؟ متى هاجمتني سوى مرّة الأسير... انتظر".
لم تكن هناك سوى مرّة أخرى تعرض فيها للهجوم، فيما ظنّ أنه محاولة سلب عشوائية. تبين واضحاً أنه لم يكن سلباً ولا عشوائياً البتة.
"أكنت أنت؟"
"إذن لم تكن تعلم حتى؟ أمر مدهش. وإن لم يكن بقدر دهشتي حين عدت ورأيتك تمشي معها. أوه أنا آسف يا مهجتي! أعلم أنك قلتِ لي أن أرحل، لكني اضطررت للعودة ورؤيتك! لأكتسب القوة لما احتاج لفعله! لكن تخيلي دهشتي حين رأيت هذا الرجل يمشي معك في الشارع. لم أستطِع السكوت على ذلك!"
سألته وهي تشدّ على يده بقوة أكبر: "بن، عما يتحدث؟"
"أتذكرين حين ظننتُ أنني كدت أتعرض للسطب قبل شهر أو شهرين؟ أظنّه رآني حين أخذتني لأجمع نبتة في ذلك اليوم".
"أوه لقد رأيتك، فقد منحني ذلك العزم الذي احتاج إليه. أنت امرأة مرغوبة يا ثيرا، وكان عليّ التأكد من أنك تدركين أنك ملكي بالفعل قبل أن يحاول رجل آخر نيلك".
سأل بن وقد تصاعد الغضب في صوته: "إذن لمَ هاجمتها؟ كان بإمكان أسيراك الغبيّ أن يقتلها!"
"كان سيقتلك أنت أيها الوغد الوقح! حيواني الأليف الثمين لن يؤذي ثيراً أبداً".
لم يستطع بن الجزم بتصديق ذلك نظراً لطريقة هجومه في ذلك اليوم. وحسب ما أخبنته به ثيرا لم يكن مروضاً عظيماً. ولكن مجدداً، جعلهم الوضع الحالي يشككون في مدى تفوّقه هو نفسه بعصا مسحورة بترويض عالي المستوى. كان من الصعب تخيل أن مروضاً سيئاً يستطيع تدبير هذا. كان على وشك الردّ، لكن ثيرا أوقفاته بهدوء.
"يا بن، علينا فقط جعله يبعد وحوشه. بعدها ينتهي هذا الأمر".
تركت يده وخطت خطوة إلى الأمام، دافعة روان ليرى المسافة التي فاقت بينها وبين بن: "حسناً، إذن عليّ فقط مشاهدتك وأنت تبعد وحوشك لتثبت جدارتك لي، وهذه نهاية الأمر".
"وحينها ستكونين لي أخيراً".
لم تقل ثيرا شيئاً إزاء ذلك، بل استدارت إلى أحد الحرّاس قائلة: "أوافق على مرافققتكم من أجل هذا. خذوه إلى البوابة الجنوبية ولننهِ الأمر".
غادر حارس واحد لينادي آخرين إلى الغرفة، فأزالا السلاسل التي تقيّده إلى الأرض وأضافا غيرها لضمان عدم قدرته على التحرّي بحريّة، ثم قاداه للخارج، بينما تبعتهما ثيرا وببن على مسافة قصيرة للتأكد من أنه لا يستطيع رؤية بن وهو يقودها بيده. لم يكن الوقت متأخراً جدّاً من اليوم، وكان لا يزال هناك ناس مستيقظون يتجولون ليروا جماعة من الحرّاس يتحركون صوب السوار الجنوبي، ويجرون خلفهم رجلاً يهذي كالمجانين.
"أوه يا ثيرا! لا أحتاج لامرأة أخرى بمجرد أن تصبحي لي إن كان ذلك ما يتطلبه الأمر لإسعادك! سأتحمّل أيّ عار، فليس هناك ما هو أكبر من ذلك!"
واستمر يهذي هكذا بينما جذبت المزيد من العيون نحوهما، فانكمشت ثيرا أكثر والتصقت ببن. حتى دون القدرة على رؤية نظرات المحيطين، كان سماع صراخه وتصريحاته كفيلاً بجعل أيّ شخص غير مرتاح، لكنها احتملت ذلك بصمت، راغبة فقط في الانتهاء من الأمر لتعود إلى منزلها. وحين اقتربا من البوابة أخيراً، كان عدد من مغامري البلدة هناك بالفعل، ينتظرون ويحدقون بهما بغضب.
سأل بن أقرب حارس: "ما الذي يجري؟"
"مع هذا العدد من الوحوش الذي زعم أنه جرّه إلى هنا، علينا توخي الحذر احتياطاً لاحتمال مهاجمته للبلدة بعد كلّ شيء. لقد جُمع المغامرون المتاحون جميعاً إلى هنا بينما كنّا نأتي به".
حين رأى روان حشود أقرانه السابقين، توقف عن هذيانه وتحول وجهه إلى حالة من النشوة.
"نجل! هكذا يجب أن يكون الأمر! فالعظيمة البطولة الجليلة والعروض النابعة من القلب تحتاجا كليهما إلى جمهور! يا ثيرا، بعد إنقاذ البلدة سيدرك الجميع هنا حقّاً أنك ملكي! ولن يجترئ أحداً على فعل شيء ضد زوجة بطل ستونوول!"
استطاع العديد من المغامري المجاورين سماع صرخات روان المختلة وبدوا بملامح ممتقعة وغاضبة. معظمهم تجاهه، غير أن البعض وجّه نظرات نحو ثيرا، ظانّين بلا شك أنها من جعلته هكذا.
بدورها حاولت الحفاظ على هدوءها وهي تتحدث: "حسناً يا روان، أبعد الوحوش وأنقذ البلدة لي إذن".
"بالتأكيد يا مهجتي! اشهدي لي!"
أخذ عصاه من أحد الحرّاس واقترب من البوابة الجنوبية، متبوعاً بثيرا وبن وجمع غفير من الحرّاس من خلفه. وبينما كان بن يحدق في الحقل باتجاه الغابة لم ير أيّ وحوش، لكن روان سارع لتغيير ذلك.
صرخ في وجه الليل: "اخرجي يا حيواناتي الأليفة!"، وسرعان ما أشهرت خمسة سيوف يحملها تنوع من الحرّاس في وجهه.
صرخ المتقدّم منهم: "ما الذي تظنّ نفسك فاعلاً بحق الجحيم؟"
"آه يا مغفلي المسكين. أيُعقال حقّاً أنني أنقذت البلدة من الخطر إن لم يستطع أحد رؤية الخطر حتى؟ ما إن تخرج سأبعدها، لا تقلق".
لكن ما إن بدأت حيواناته الأليفة تتدفق، حتى قلقوا حقّاً. لقد كان ميرايد محقّاً، كان هناك ثلاثين وحشاً مختلفاً على الأقل، جميعها من أنواع متباينة وكثير منها لم يره بن من قبل، بينما بدا معظمها جائعاً حتى الهلاك. فما من طريقة للحفاظ على قطيع بهذا الحجم مشبعاً برعاية شخص واحد بعد كل شيء. <يا بن، هذا سيء>. ماذا، ولماذا؟ لكن قبل أن يحصل على إجابة استمر روان في عرضه.
"أيها الوحوش! غادروا هذه الأرض بسلام، ولا تزعجوها مجدداً أبداً!"
صرخ كأنه لم يطلق عليها جميعاً لقب حيواناته الأليفة قبل لحظات فقط. وهناك بدأت المشكلة الكبرى. لعلّ اثنين فقط من المجموعة بأكملها غادرا، وبقي البقية يحدقون في البلدة.
لم يكن روان يتوقع هذا بوضوح فاشتد قلقه وصرخ مجدداً: "قلت ارحلوا! انصرفوا أيها الحيوانات الغبية!"
لكن مهما صرخ لم يكونوا مطيعين. بل بدأوا يخطون خطوات أقرب، ماشين نحو البوابة. سحب الحرّاس روان إلى الداخل وشرعوا في الصراخ بالأوامر، مؤمنين الرجل وبادئين بإغلاق البوابة. سمع بن ملكه يتنهد في رأسه. <الأمر أسوأ ممّا ظننت>. ما الذي يحدث، ولماذا لم ينجح ذلك؟ <أسباب كثيرة. أسباب أكثر من أن تُحصى. ما كان لخصائصه أن تكون عالية بالدرجة الكافية لاستخدام سحر عصاه الاستخدام الأمثل، وما كان ليملك الوقت لتدريب هذا العدد بالشكل السليم.
حتى مع مستوى ترويض مرتفعة، تتطلب هذه الأمور وقتاً. فضلاً عن ذلك انظر إليهم، بعض تلك المخلوقات جائعة حتّى النخاع. إنها معجزة ألا يكون روان قد أُكل من قِبل أيّ منها، ولكن الآن وقد بات هناك هذا القدر الهائل من الطعام أمامهم فلن يرحلوا بناءً على أوامره>. إذن ما الذي نفعل بحق الجحيم. <ليس بمقدورك فعل شيء. أنصحك بشدة أن تنتظر في مكان ما وسط البلدة وتترقب ريثما ينقضي الأمر.
دع الحرّاس والمغامرين يتعاملون مع هذا>. كم منهم سيموت إن انتظرنا وفعلنا ذلك؟ <...> حسناً، لتبتئس اللعنة. أظنّ لدي فكرة. <أنا أكرهها سلفاً>.