أوضحت تلك الثواني الأولى تماماً سبب وصف الحدث بالموجة. لم تكن هناك أيّ مقدمات، وما إن فُتحت البوابة حتى تدفق طوفان من الشياطين، يتدافعون ويتساحمون في عجلة للعبور ونشر الفوضى والدمار أينما استطاعوا، بينما أثبتت جميع الأفخاخ التي نُصبت عدم جدواها. لم يكن السبب أنها لم تعمل. ما إن عبر الشياطين حتى استحال الإفلات منهم، إذ دفع اندفاع الأجساد القادمة من الخلف أولئك الذين في المقدمة ليصطدموا بها، مانعاً إياهم من التملص حتى لو أرادوا ذلك بينما احترقت الوحوش وسحقت ومزقت إرباً وقتلت بطرق أخرى.
لا، بل كانت المشكلة أن معلمه كان محقاً. مع انطلاق كل شيء، تكدست أعداد متزايدة فوق بعضها حتى تلاشت آثار تلك الأفخاخ، ليهلك الآلاف في ذلك الاندفاع الجنوني لكنهم شكلوا جداراً صدّ كل وحش تلاه من الوحوش التي عبرت لاحقاً. ووحوش كانت بحق. عرف بن نظرياً أن أجساد الشياطين متنوعة ولا يجمعها سوى حراشفها وأعينها، لكنه لم يتوقع هذا القدر الهائل من التنوع حين عبرت مخلوقات أغلبها مخالب وأفواه، وعملاق يفوق في الحجم فيلاً من عالمه الأصلي، وأشياء تبدو بأطراف مشوهة أو غير متناسقة وإن كانت حتماً تحمل فائدة ما خفية بعد، والكثير غيرها.
لولا عواملها المشتركة لشكّ أيّ أحد في انتمائها إلى العنس ذاته، إذ حتى إنهم قتلوا بعضهم بعضاً للتقدم خطوة إضافية، متزاحمين نحو خطوط الأمصار بينما وقف كل جندي على أهبة الاستعداد بينما أطلق السحرة تعاويذهم من بعيد، مسددين أيّ قدر إضافي مستطاع من الموت. نقلت رؤية كل ذلك شعوراً واحداً. اليأس. في ثوانٍ، ضحّت المخلوقات الدنيوية بما يكفي من أبناء جنسها لتخليد مأساة كبرى، دون أدنى تلميح ببطء وتيرتها.
استطاع بن تخيل شعور كل شخص في كل نقطة غزو بوضوح تام. وحدها النقطة التي تمركز فيها استبدلت ذلك بيصيص أمل حين أثبت إيبيرو قيمة ما أنفق فيه وقتاً وجهداً طائلين. ومع تسابق النقاشين لإتمام أيّ لمسات أخيرة في الإعداد، دخل السلاح الخدمة، مطلقاً حزمة صلبة من المانا السوداء لتصطدم بالأرض تماماً أمام المكان الذي انفتحت فيه البوابة الغريبة، مظهرة أثراً فورياً لدى اصطدامها.
كادت تحلق المنطقة بتعويذتها العنيفة عارضة كل ما تملكه من طاقة مخرجة على المخلوقات الغافلة المندفعة نحوها وهي تخطو داخلها. تمثل ذلك في فقدان فوري للزخم، والارتطام بالأرض لفقدانها كل قوة في عضلاتها، والسحق والواري تحت جثث من تلوهم بعد عبورهم التأثيرات ذاتها، ليس إلا لتستمر بلا توقف. تداعت أجسادها بالفعل، متفسخة أمام عينيه حين امتزج تأثير زمني بالتعويذة لتسريع العملية بينما ماتت وامتزجت بالتراب تحتها، ليستمر ذلك مع كل فرد تلاه من حشدهم.
بدأ أحدهم في الحشد بالهتاف ولم يلبث أن تحول إلى زئير عالٍ انضمت إليه آلاف الأصوات، واختلط صوته بها. مهما بدا الوضع سيئاً، كان هناك مستقبل، وكان هناك أمل. أنجز المحاربون بسرعة القضاء على القلة إما ممن توغلوا بعيداً بحيث لم يشعروا بتأثيرات السلاح أو ممن امتلكوا مزيجاً من القوة والسرعة كفى للفرار من المنطقة قبل أن تقضي عليهم، ورغم ذلك ظلوا مشلولين بفعل التعرض الخاطف لتلك التأثيرات.
وحدها القلة الطائرة التي عبرت نجت من الضرر الحاصل، ولكن لهذا وجد السحرة إذ أُطلقت التعاويذ بأقصى سرعة ممكنة، ممزقة اللحم وهاوية بها إلى الأرض، إما ضمن مدى السلاح حيث هلكت بعد قليل، أو لتُقتل أثناء طرحها أرضاً على يد أقرب شخص حاضر أراد نقاط الخبرة. وسط كل ذلك، لاحظ بن لحظات وجيزة من التردد لدى الناس، لحظات كبحت أرواحاً إذ صارعوا الحزن، وتأثير النظام الذي سوّى الشياطين بأي شخص في أذهانهم، لكن شعور الحرب طغى لدى الكثيرين فدفعوا ذلك الشعور بعيداً أو بالكلفة التي ستتكبدها المعركة إن خسروها، لتربص الآثار النفسية ريثما يحين الوقت لتأمّل ما خبروه وما فعلوه حقاً.
ما إن توقف شعاع السلاح حتى أُعجب حتماً باستخدامه من هذه النواحي أيضاً. لم يعلم إن كان إيبيرو قد حسب حساب ذلك حين خطط للأمر، لكنه وضع مسافة سليمة بين مستخدميه والموتى الذين خلفوهم، مما خفف غالباً من الضغط العياني الذي سيقبعون تحته جراء ذلك الفعل العنيف للغاية. لم يزدد رؤيته قيد التنفيذ إلا رغبة في تفحصه بعناية أكبر حين زاغت عيناه لثانية لتأمله، مضطراً لاستيعاب ما يرى.
الذعر. كان إيبيرو والعاملون تحته يهرعون حول الجهاز بوجوه مذعورة، ولأي سبب، لم يستطع بن الجزم. كاد يجذب فالك ليتسابقا، راغباً في معرفة إن كان وقتهما قد حان حين جذبت صدمة صوتية مختلفة عينيه عائدة إلى المعركة. صرخات، لا انتصاراً كما كانت قبل لحظات بل ملأها الخوف والألم حين خبت تدريجياً حلقة المانا التي اخترقت الأرض، سامحة للشياطين بالعبور بينما اضطر الناس لقتالهم جادين، وسط إدراك بن المتأخر لكل شيء.
لم يُصمم السلاح ليتوقف البتة. حين حدث ذلك ظن ببساطة أن الأثر امتد لفترة، بالطريقة ذاتها التي تعمل بها تعويذة ثيرا لشفاء الأرض، لكنه بدا محتاجاً لطاقة مستمرة بلا شك، مما يعني خطأ فادحاً وقع. أدرك ذلك في اللحظة ذاتها مع معلمه، وبلا كلمة سحب يده من قبضة ثيرا ليتسابق هو واليتي نحو الجهاز، محتاجاً لعلم إن وُسِعَهما فعل شيء.
صرخ إيبيرو: "أين تحتاج إلينا يا فالك؟"
لم يحتاج بن للسؤال، وما إن اقترب كفاية حتى رأى ما جرى. بصفته المسؤول الأساسي عن عتاد ثيرا، كان ذلك أمراً شهده ربما أكثر من أي شخص آخر على الكوكب. كانت النقوش التي جعلت الجهاز على ما هو عليه تتصدع واحداً تلو الآخر تحت وطأة ما يمدّه بالطاقة. لم يكن لذلك أي معنى. كانت الكمية التي يتطلبها السلاح جنونية بكل المقاييس، وإن فكرة أن الطاقة السارية فيه لم تكفِ لإنجاز المهمة فحسب، بل فاقتها لدرجة تسببت بمثل ذلك الضرر تعنى أنها كانت فلكية، طاقة تفوق ما تخيل إدخاله في أداة واحدة، سيما إن كانت الكرة التي حددها في مخططاته هي حقاً ما احتواها.
لم يفهم ما الذي قد يجعل الشيء أمامه يعمل دون تدميره ببساطة، لكنه أدرك ما بوسعه فعله وهو يركض وسط مختلف النقاشين المتسابقين لإصلاح كل صدع رأه ماراً بيديه عليه، دون إصلاح شيء، بل مسخراً عقله لصنع العشرات من نقوش التضحية دفعة واحدة، شاهداً هبوط مانا لديه لمستوى خطير حين وضع كلاً منها حيث استطاع لتخفيف العبء عن الأداة. صرخ النقاشون في وجهه لكنه لم يصغِ، مؤدياً فحسب ما وجب عليه بينما واصلوا العمل، ليدركوا ببطء واحداً تلو الآخر أن ما يفعله حال دون تفاقم الأمور، مانحاً إياهم متسعاً لإصلاح ما احتاجوا إليه بينما انضم معلمه إليه ليفعل المثل.
"تفريع سريع يا فنى، عرفت أن وجودك هنا فكرة سديدة".
"ها، حسن، يبدو أنك احتججت إليّ حقاً كجسد إضافي. أراهن أنني وأنت الوحيدان هنا اللذان يعرفان كيفية صنع هذه، مما يعني أننا نتحمل المسؤولية الكاملة عن تجميعها إلى أن يتمرن شخص آخر. سيكون هذا شهراً طويلاً".
شعر أن مصيره حتِم للمستقبل المنظور حين راقب ما صنعه يبدأ بالتداعيات. حتى مع التعزيزات لم يستطِع استعادة ماناه إلا بوتيرة معينة، لكن إيبيرو انسلت جواره، مراقباً ما فعله بن بحسه بالمانا ليشرع في نسخه، مبدياً المهارة التي جعلته لا يفخر كرئيس نقابة الحرفيين فحسب بل سمحت له باجتياز الحد ليصبح حداداً سحرياً.
سأل القزم وهو يضعها، بينما نظر بن لتقييم العمل: "هكذا؟"
"ستنجح حتماً بالتأكيد. أقول إنك تحتاج للتمرين فحسب، لكن يبدو أننا سنحظى بالكثير منه في هذا الجانب"، ضحك وهو يعمل على استبدال كل ما بناه حين تهاوت.
"ما الجحيم الذي تشغل به هذا الشيء؟ أأقحمت نجماً هنا أم ماذا؟"
"ها، إن عشنا لما بعد الموجة الثالثة فربما أخبرك. والآن، أيمكن لأحدكما تدريب النقاشين الآخرين على صنع هذه فور تفرغكما؟"
"سأفعل"، قال فالك، مركزاً على بن وهو يفعل.
"لديك خبرة بها أكثر مني لذا فأنت أكثر قيمة هنا. نادني فحسب إن احتجت للتبديل، أتعلم؟ من الأفضل نيل استراحة لخمس عشرة دقيقة على السقوط في إنهاك المانا ليعلم ملك وحده كم تدوم".
"على عاتقي يا فالك!"
وما إن قيلت تلك الكلمات حتى عاد الجهاز للخدمة، مطلقاً شعاعه القاتل للقضاء على كل ما اعترض طريقه، لكنه لم يمتلك وقتاً لتقدير ما حدث. كل ما ملكه تمحور حول النقش، مطبقاً إياه مراراً بينما ناوله شخص خفي جرعة مانا، مراقباً إياه وهو يتجرعها ويلقي الزجاجة ليواصل العمل. عاد صداعه المتخلف بقوة كاملة إذ تمنى لو حظي بقليل من المانا رهن إشارته، وما أبقاهم واقفين هو وجود إيبيرو إلى جانبه.
"لذا ومن باب الفضول، كم نقاشاً مستيقظاً لدينا هنا؟"
أراد معرفة ذلك، لكون التفاصيل مفتاحاً لكيفية تعاملهم مع الأمور طوال الشهر القادم.
"فالك، وأنت، وأنا. بقية فريقي في المستويات من السابع إلى التاسع. لكن من يدري، ربما نحالفنا الحظ ويكون هذا هو الدفع اللازم لدفع بعضهم نحو الحافة".
"يا للهول، يمكننا الأمل. حسناً، ما يعنيه ذلك لي هو أننا جميعاً في مناوبات لثماني عشرة ساعة طوال الشهر. سيتعين على أحدنا التواجد طوال الوقت بينما يتوزع فريقك لمساعدتنا ما لم تكن لديك فكرة أفضل. أرجوك املك فكرة أفضل".
"ها، للأسف، يبدو أن مستقبلينا محتومان. وهذا يدل بالكثير على إمكانية توسيع استخدام هذا ليشمل كل نقاط الغزو".
"إن عدلت نظام النقش الذي تستخدمه، فلا يزال ممكناً. نظام الحلقات الذي رفعت بشأنه تقريراً مستقر بشكل لا يُصدق ولا يزال يظهر أغلب منافعه عند دمجها بأنظمة أخرى. لا أن هذا ينفع الآن، لكن على سبيل المثال بافتراض أن لدينا مستقبلاً فهو أمر يستحق البحث".
"آه، أذكر فعلاً التفكير بجدية فيما إذا كان عليّ إعادة نقش ما عملنا عليه بالفعل بعد قراءة تقريرك. للأسف، فات الأوان قليلاً لأندم على عدم فعل ذلك".
دار الحوار بأسنان مصكوكة بينما عملا بلا انقطاع، دون خيار سوى تجاهل العالم حولهما لصالح تكريس كل ما امتلكاه لعملهما. كان بن الأسرع بين الاثنين، بامتلاك عقول متعددة استخدمها لخلق نقوش عديدة دفعة واحدة، لكن إيبيرو حظي بمخزون مانا أكبر بكثير، إذ بناه الرجل لأعوام قبل إيقاظ مهارته وواصل تطويره بعدها. يعني ذلك أنه بينما استطاع بن التصرف بارتجال، ظل على حافة إنهاك المانا باستمرار بينما بدا إيبيرو أكثر ثباتاً في وضعها.
ويزداد الأمر سوءاً فحسب. تعزز الاثنان حالياً بالطعام الذي تلقياه وتجرع بن جرعة فوقه، لكن كليهما سيزول آجلاً أو عاجلاً. كفى ذلك لجعله يندم على عدم أخذ أيّ من جرع الملك التي منحها لصنيا، لكن فات الأوان على ذلك الآن. جلّ ما استطاعه مواصلة بذل قصارى جهده، مستنفداً كل قطرة مانا مع تجددها إن كان في ذلك سلامة العالم حوله.