راقب الجميع كرات من النار تنطلق نحو السماء مثل الألعاب النارية، لم تكن سوى إشارة لموت أعداد لا تحصى من البشر. عشر دقائق للبداية. تحول جزء من عقله لحساب التنازل بينما ركز الباقي على العالم المحيط به وأخرج قالب الطعام الذي أُعطي له، نزع عنه الورق ليتمعن فيه. لولا خبرته لظن أنه شوكولاتة بلونه الداكن ومظهره اللامع، لكنه أدرك خطأ ظنه مع أول قمة تناولها، ورغم الموقف شعر بعينيه تلمعان.
كان غنياً لا حلواً، تتوزع النكهات في فمه وتتغير باستمرار بينما غمره شعور بالقوة، وتسربت خصائص الطعام الداعمة إلى جسده لتملأه بالقوة. لم يمتلك أدنى تخيل لطريقة صنعه لكنه أراد بشدة معرفة ذلك إن أتيحت له الفرصة. حتى وإن عجز عن حشو طعامه بالقوة، فقد أراد على الأقل إعادة صنع تلك النكهة بينما تراءت في ذهنه ذكريات كل وليمة أو وجبة عيد استمتع بها في الماضي، في حين راقب جزء منه المحيطين بهم وهم يمررون التجربة نفسها ليتضح السبب وراء توزيعها في الموجة الأولى.
لم يكن الأمر مقصوراً على القوة الإضافية التي ينالها كل فرد، بل كانت وسيلة لكسر التوتر. لم يظن أنه مخطئ إن قال إن طعاماً جيداً يستطيع جعل أي موقف أيسر قليلاً، وما كان يختبره لم يكن جيداً فحسب بل كان مذهلاً. اعتاد أن يشعر بالغرور أحياناً بسبب براعة طبخه منذ أن أيقظ حرفته، لكن بين ما رأى معلمه قادراً على صُنعه وبين تذوق طعام طاهٍ من المرتبة الثالثة رغم كونها حصة تم إنتاجها بكميات ضخمة، لم يملك إلا أن يشعر بالتواضع حيال المدى الذي يمكنه بلوغه إن أُتيحت له الفرصة.
استمر في قضم الطعام مستمكناً من كل قضمة مع مرور الدقائق بينما فعل الجميع حوله المثل، مستمتعين بتلك الاستراحة القصيرة من أفكارهم قدر المستمكان قبل أن ينتهوا جميعاً ويعودوا للتركيز على النقطة بأسلحتهم في أيديهم، وإن بدا الجو العام أهدأ بقليل مما كان. أربع دقائق متبقية. ودون تفكير حقيقي في الفعل، مدّ بن يده وأخذ يد ثيرا الطليقة في يده، ناظراً إليها وهي تثبت عينيها على النقطة قبل أن يلتفت لينظر إلى الآخرين معه، وبدا الكثيرون منهم بالهيئة نفسها.
وحدهم المسؤولون عن السلاح من بدا كأنهم دفعوا العالم بعيداً، متفرغين تماماً لإجراء فحوصاتهم الأخيرة وهم يستعدون لتفعيله، وكل منهم مستميت ليعمل السلاح بلا عيوب، راغبين جميعاً في رؤية ثمرة عملهم تنقذ العالم إن استطاعوا إثبات جدواه، مع توفر موارد لصنع اثني عشر سلاحاً إضافياً بينما غايتهم الحقيقية كانت سلاحاً لكل بوابة، ليكون ما سيؤول إليه أمر الموجة الأولى هو العامل الحاسب في ذلك.
رأى إيبيرو بينهم، وبدا رئيس المشروع بأكمله كأن كل عضلة في جسده الضخم مشدودة، إذ كان استثماره في السلاح أكبر من أي شخص آخر. لقد كان تتويجاً لعمل حياته، وكان على وشك أن يشهد ما إذا كانت كل تلك السنوات قد ضاعت سدى في النهاية. دقيقتان. شعرت عقوله بيقظة فاقت أي وقت مضى، حتى مع تركيز العقول الاثنين والثلاثين المتاحة له بالكامل على العالم من حوله بينما استمر الوقت في التناقص.
بدا الأمر وكأن كل لحظة تتباطأ حتى تكاد تزحف، واضطر لإجبار نفسه على التأكد من استمراره في العد الصحيح. حتى وإن لم يكن تتبع الثواني بنفسه مجدياً حقاً، فقد أراد أن يعرف، أراد الإدراك بكل ثانية قبل أن يتغير العالم إلى الأبد بينما شعر بقبضة ثيرا على يده تشتد. رغم الآلاف المؤلفة من البشر الحاضرين، كانت المنطقة هادئة بشكل صادم، عجز الجميع عن تلفظ بكلمة وهم مجبرون على مواجهة ذواتهم قبل اضطرارهم لمواجهة الموجة، وتركت تلك اللحظات عقول الجميع غارقة في كلمات لم تُقل وأمور لم تُنجز وأفعال لم تُرْتَكَب.
بغض النظر عن المُستدعين، أمضى كل فرد في ذلك العالم حياته يسمع عن الوحوش التي ستشق طريقها إلى ديارهم، قادمة لا لشيء سوى الذبح الأعمى والغزو ومعها مئات الانتصارات المعروفة وربما آلاف غير المذكورة. فلم يكن كل عالم ليحظى بناجين بعد كل شيء. يمكن القول إن العالم الذي تواجدوا فيه حالياً امتلأ بالحظوظيين الذين امتلكت أجناسهم بصيصاً ضئيلاً على الأقل من الأمل. لقد عرفوا ما هو آق مقارنة بأجدادهم الذين واجهوه عمياناً.
لقد خططوا هم وملوكهم لذلك اليوم لقرون، وكانت حضارتهم متقدمة للغاية مقارنة بحال معظم العوالم عند غزوها، حتى وإن تراجع بعضها، وحتى وإن نال كل شيطان في الكون إمكانية الوصول إلى النظام لحظة فتح البوات، فلم تتاح لهم حياتهم كاملة لاستغلال ذلك. سيستفيدون منه، لكن أهل العالم ازدهروا تحته ليبلغوا قممًا في القوة والبأس لم يتخيلها أجدادهم. ومع نمو قوتهم واتحاد الملوك والبشر الذين ما كان ليجتمعوا لولا الكارثة التي حلت بمساكنهم القديمة، فقد نما علمهم أيضاً.
تقنيات أسلحة لا تُقارن بالعصي والحجارة التي اضطر الكثيرون لحملها في الماضي، ومع نظم تعويذات صُممت حتى جرى تعزيز العناصر بما يتجاوز بكثير إمكاناتها الأساسية، مما سمح لهم بإلحاق أضرار غير معتادة مقارنة بما يمكن فعله سابقاً، ولم يكن ذلك سوى غيث من فيض نمو السحر. تواجد سحرة أكثر من أي وقت مضى، وامتلك معظم الناس فرعاً واحداً على الأقل كمهارة مباركة بينما هذّب الساعون وراء الحرفة الطرق البدائية لاستخدام المانا سابقاً لتصبح فناً، مبتكرين تعويذات عجز أي فرد سابقاً عن تحقيقها في سعيه للنمو إذ تعلم الجميع ما استطاعوا وتوارثوه للأجيال القادمة، لتتراكم المعرفة وتستمر في البناء حتى بلغت حالتها الراهنة بينما أمسك الناس بعصيهم مستعدين، قابضين بالفعل على المانا في دواخلهم لإطلاقها في لمح البصر.
دقيقة واحدة. أخبرته كرات النار المنطلقة نحو السماء أن عدّه ظل دقيقاً بينما عاد التوتر الذي انقشع ليضرب بكامل قوته وشعر بخفقان قلبه. كان السبب الكلي لوجوده في ذلك الكون ماثلاً أمام عينيه بينما راقبه عدد لا يُحصى من الملوك وعالم آخر بأسره من وراء الفوضى البدائية الفاصلة بين الواقعين، مهتمين بالقدر ذاته بنجاحهم. راقب الجميع ما كان على وشك الحدوث، متيحين لأنفسهم نسيان همومهم مؤقتاً إذ تركز أغلبهم على ممثلي أجناسهم الذين جُلبوا إلى العالم، الأعضاء الوحيدون من جنسهم الذين امتلكوا فرصة النجاة من النهاية الباردة لعالمهم، رغم أن القليل نظروا إلى مكان آخر.
وجد الكثير من الأفراد المثيرين للاهتمام بعد كل شيء، وباعتبارهم كَوْناً نال اهتماماً فاق أي عالم آخر جراء امتداده عبر الفجوة ليبلغ عوالم أخرى كثيرة، لم يملك الناس إلا الاندماج العاطفي مع ما رأوه. مع مرور كل ثانية، شعر بن بنبضات قلبه ترتفع، لتبلغ حداً ظن معه أن قلبه قد ينفجر تماماً بينما ألقى نظرة أخيرة على ثيرا بجواره قبل أن يُسمّر عينيه مباشرة على الضوء الساطع في السماء، ليعمل بمثابة إشارة نداء لما سيأتي.
عشرة، تسعة، ثمانية، سبعة، ستة.
"خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنان، واحد".
في النهاية، أفلت العد التنازلي من شفتيه، ومع الكلمة الأخيرة حدث تغير فيما رأوه، فلم تعد نقطة الغزو شعاع ضوء، ولا شقاً في الفضاء كما اعتاد رؤية ذلك الفرع من السحر. بل بدت كأنها أنبوب كسري يمتد نحو السماء، محتفظاً بحجمه الضخم الذي كان عليه قبل لحظات قليلة لكنه صار يצי شظايا من ألف عالم مختلف حين بدأ أخيرًا. انفتحت البوابة وتدفقت الفوضى عارمة.