ما إن تعافى جيك من التعرض الخاطف لعقل بن، حتى أعدّ بن طعاماً للجميع قبل أن يقرروا جميعا الراحة. لمجرد أنهم اجتازوا القسم الأول بأمان كافٍ لم يكن يعني أنهم سيحظون بالحظ نفسه في القسم التالي، لذا احتجوا إلى النوم بينما استطاعوا ذلك. على الأقل، حاول بن ذلك. وبينما حقق الآخرون نجاحاً أكبر بكثير، قبضت عليه كوابيسه المعتادة دون خيار الذهاب إلى رحاب سيّده للراحة. ربما حالفهم الحظ في تلك الطبقة الأولى، لكن الأمر لم يكن وكأنّ بن لم يحظَ بالحظ في الاختبار الأخير إطلاقاً أيضاً، ولم يكن ذلك كافياً لمنع عقله اللاواعي من التفكير في الجحيم الذي مرّ به، فارضاً عليه رؤى الأرض والنار والموت بينما كان يتخبط، مستيقظاً بعد وقت قصير جداً على خفقان قلبه، إلى جانب شخص يضمه إليه ويُهمس في أذنه.
قالت له ثيرا مراراً وتكراراً بينما تشبث بها بن ماسكاً بها بقوة حتى شعري بهدوئه: "لا بأس، أنت بخير، أنا هنا".
تمتم ووجهه مدفون في صدرها بينما كانت تفرك رأسه برفق: "أسف".
أهمست بالمقابل مترددة لحظة قبل أن تتابع: "لا داعي للاعتذار. لم أدرك أن الأمر سيء إلى هذا الحد".
المرة الوحيدة التي نام فيها حقاً بجوارها منذ مغادرة الاختبار كانت عندما ذهبا في طريقهما لتسليم التمثال إلى معبد إيث. في كل مرة أخرى كان يترك جسده يرتاح، لكن عقله أبداً. عندما ذكر استمرار الكوابيس كانت تعلم أن الأمر سيء، لكنها لم تضطر لروى ما يمر به. أه، حسن, أنت تعلم كيف هي الأمور. عادة، يمكنني الصعود إلى ميرياد لمنع عقلي الباطن من جعلي أتعذب. هنا، ليس كثيراً. سأكون بخير.
لم تטרح فكرة مغادرته، فهي تعلم أنه لن يوافق، لذا استلقيا معاً بينما مرت الساعات حتى نهض بقية رفقائهم أخيراً.
⟦1ʌ هتف جيك وهو يقف عند مدخل القسم التالي: "حسناً أيها الجميع، العرض مستمر! إن أراد أحدكم المغادرة فهذا هو الأوان. وإن لا، فالتصالح مع المصير ولنصعد!"
لم يكن كلامه باعثاً على الحماس، لكنهم استراحوا بما يكفي. أحسّ بن بنظرات ثيرا تتفحّصه بقلق، فتجاهل الأمر. حتى لو تمنّى الوجود في أي مكان آخر، فلن يدعها تموت في فخّ موت هكذا وحدها، لذا نبذ كل تردّد وعبر الباب المفضي إلى الطابق الثاني من برج الأرض. أول ما تبين له عند الدخول هو خلوّ المكان أمامه، مما بثّ مسحة ذعر جفلت بها عيناه نحو سوار التتبع على ذراعه، والتفت يمنة ويسرة ليدرك أنه تسرّع في مخاوف انفصالهم، رغم وجود مشكلة أخرى بانتظارهم.
كان جيك وإيمي وثيرا إلى يساره، ويزو إلى يمينه. تقارب الجميع وسهل مرآهم، غير أن حاجزاً شفافاً فصل بينهم، مانحاً كلاً منهم بضعة أمتار ليتحرك فيها لا غير، بينما حبسهم عن بقية الصحب وهم يتأمّسون محيطهم في قلب مدرّج. رغم هلع وعجزه عن إدراك ما سيُقحمون فيه، لم يملك بن إلا الإعجاب بالبناء. استحضر فوراً صوراً لما بدا عليه مبنى روما في أوج عصره، حيث صُممت الساحة الضخمة لاحتضان آلاف المشاهدين لولا خلوّها التام.
أفضل من امتلاء المقاعد على الأرجح. لو دخلت هنا وكانت كل مقعد مأهولاً لظننت أننا سنضطر لقتالهم جميعاً في أسوأ معركة فاصلة في التاريخ. ومع ذلك، يبدو الأمر قتالياً من خلال الترتيب فكيف ستسير الأمور إذن؟ بدا المخرج المنشود في الجهة المقابلة، لكنه بدا محكماً الإغلاق، بـعارضة حجرية سميكة تعترض طريقه ولم يُرجح أن يُسمح لهم بتحريكها للتخلص منها، ولم يكن أمامه سوى محاولة فهم مغزى هذا الترتيب.
أأمر هروب هذا؟ نحن محاصرون بسحر الحاجز بأساسه، لكن هذا لا يشبه شيئاً يُواجه في برج الأرض. إلا بالطبع إن كان مفروضاً علينا استخدام سحر الأرض بطريقة ما للخروج، وحينها سيُكتب لي أن أكون عذراء حسناء في محنة بانتظار من ينقذني. وبسيرة الذكر... نظر إلى الجانب حيث احتشد أغلبية المحاصرين، ليلمح جيك وإيمي وثيرا يتفاعلون مع الموقف بشتى السبل. بدا جيك كمن يتكلم، غير أن انعدام الصوت دلّ على عزل الحاجز صوتياً، بينما حاولت إيمي وثيرا شق طريقهما للخروج دون جدوى، إذ ضربت إيمي الحاجز بأسلحتها واستخدمت ثيرا الحجر الذي وهبها إياها بن سابقاً لاقتحام المكان بلا طائل.
...إذن، إن كان جزء من الغاية هو النهرب بأنفسنا، فنحن هالكون لا محالة. رائع. رمق جانبه الآخر بنظرة، فوجد يزو جَالساً باطمئنان، يترقب ما سيحدث ليقرر فعل المثل، ولتوّ بدأت تباشير ما ادّخره الطابق لهم جميعاً. انبثقت من الأرض ثلاثة عمالقة، أشبه بالقسم الفائت لكن أصغر حجماً نسبياً. قدر أن سابقتها بلغت ضعف قامته، واتخذ كل منها الهيئة البشرية المعتادة كجرانيت صلب متأهب للانقضاض، وفي اللحظة ذاتها فتح محبس واحد ليسمح لجيك بالخروج.
بدا متردداً، مرسلاً نظراته نحو البقية وهو يتقدم لما سيأتي مواجهاً إياه بمفرده، بينما تردد صوت من السماء ليسمعه الجميع: "أيها المقاتلون، أظهروا شجاعتكم!"
استجاب العمالقة الثلاثة للإشارة على الفور، فتحرك كل منها بسرعة فاق توقعات بن بينما وقف جيك مأخوذاً لفترة قصيرة قبل أن يشرع في الرعد. بفضل السمات التي اكتسبها بقدومه إلى العالم، استطاع التحرك بسرعة مذهلة متى شاء، بما يكفي ليفلت من العمالقة الثلاثة، لفترة قصيرة على الأقل. حين راقب الثلاثة جري جيك، بدا أن قراراً اتُخذ بينهم فتفرّقوا ليغطّوا مساحة أوسع محاولين محاصرته بينما انقضّوا نحوه، فرفع جيك عصاه مواجهاً الأقرب، وأطلق تعويذة أثناء ذلك.
حتى مع تقييد نفسه بمانا غير منتمية، لم يكن ضعيفاً البتة بل وظّف طاقته، مستخدماً سحره لالتقاط أحدها وهو يوجه لكمة، ليرمي بها تارة أخرى نحو التالي المتقدم نحوه، مطيحاً بالاثنين إلى الأرض وخارجاً من حساباته قبل أن يوجه وجهته نحو الأخير الصامد، مستخدماً قوته بذات طريقة استخدام بن لتدميره، ومفتتاً الكيان بأسره ليحل محله كومة من الرمل والتراب. ظاناً أنه انتهى، التفت إلى البقية مانحاً إياهم إشارة إبهام واثقة قبل أن تنقلب نظرته إلى حيرة وهو يراهم يصرخون في وجهه، قبل ثانية واحدة من قذفه في الهواء.
تباً، لا تمت لا تمت لا تمت. صلّى بن، مراقباً بسرعة تفادي الأسوأ إذ نهض جيك على ساقين ترتجفان، مغرقاً جسده بأي تعويذات شفاء طالها وهو يعاين ما ضربه. من بين العمالقة الثلاثة الذين واجههم، دمر واحداً فقط حقاً، وبينما تشتت انهماكه بما حسبه نصرا نهض البقاة، مباغتة إياه على غفلة واستعداداً للإجهاز عليه بينما بذل جيك وسعه للقفز متفادياً الضربة التالية، ممدداً عصاه لتنطلق تعويذة مختلفة، ولم يكن تسديده دقيقاً تماماً إلا أن حجم العملاق غطّى على ذلك إذ حول الهجوم نصفه إلى رمل.
تهاوي إلى الأرض، غير منتهٍ كالأول، وقادراً بوضوح على جرّ نفسه بذراع وساق متبقيتين، لكنه لم يعد أولوية إذ تحول تركيز جيك إلى العدو الأخير السليم تماماً، رامياً بقبضته الحجرية مباشرة نحو وجهه في اللحظة ذاتها التي أظهر فيها جيك مدى تنوع السحر غير المنتمي، لتنفجر المانا المحبوسة في روحه على هيئة ذات الحاجز الذي حبس البقية، محاصراً الهجوم لفترة كافية أتاحت له تحضير تعويذة أخرى فور نزوله، ليتلاشى العملاق أمام أعينهم جميعاً.
بتواضع يفوق ما شعره حين ظنّ انتصاره قبل دقائق، حطم جيك العملاق الأخير وهو يحبو على أطرافه المتبقية، واقفاً حارساً لانتظار أي شيء آخر بينما تصاعدت أصوات الهتاف من المدرج الخالي، وصوت يعلن انتصاره.
"مع النصر يأتي الفخر المستحق! أيعود المنافس إلى منطقته لترقب المباراة التالية؟"
اختفى العمالقة المدمرون في الأرض بينما تجول جيك ببصره، وظلت المنطقة التي حبس فيها سابقاً مفتوحة ليلتقط ما طُلب منه، عائداً للداخل ليُختم عليه لمراقبة بدء النزال التالي. حسناً، يبدو هذا مزعجاً لكنه ممكن. حدث بن نفسه بعد معاينة كل ذلك. إن احتاج كل منا إثبات قدرته على القتال ضد ثلاثة عمالقة هكذا فسأتمكن من تدبره بالقطع بالأدوات المتوفرة بين يدي. قد يكون الأمر مقرفاً قليلاً لكنني سأدبره حتماً.
وكأنما لمحوْ تلك الثقة التي امتلكها بن تجاه الآتي، شاهد هو والآخرون عمالقة جدداً ينهضون من الأرض، لا ثلاثة كسابق عهدهم بل ستة. …حسناً، قد يغدو هذا سيئاً حقاً. لكن مخاوفه حيال المستقبل عُّطلت حين تقدمت إيمي، ودورها حلّ تزامناً مع إطلاق الإعلان ذاته الخاص بجيك ليستمع له الجميع.
"أيها المقاتلون، أظهروا شجاعتكم!"
بخلاف جيك، درت إيمي ما تقحم نفسها فيه واندفعت إلى قلب الأحداث، والسلاح الذي صنعه لها بن مستقر بين يديها متخذاً هيئة رمح غارق في ماناها، وبدت آثار مهارة تعزيزها واضحة حتى بدون حاسة المانا لدى بن إذ بدت غارقة في طاقة ساطعة. لكان بن ظنها مواجهة بالغة السوء، مستخدمة سلاح ضد كتلة صخرية، بيد أن إيمي سارعت في إثبات خطئه، فالرمح بين يديها انزلق إلى داخل العملاق الأول وكأنه لا شيء بفضل قوتها إذ حولت هيئة السلاح بسرعة، محولة إياه إلى سيف لتقسمه نصفين قبل القفز متفادية ضربتين وافدتين.
ومع ما حدث تلت ذلك، عجز بن عن التيقن إن كانت محظوظة إلى حد جنوني أم مدبرة، لكنها حين قفزت متفادية العملاقين اللذين قذفا قبضتيهما نحوها من الجانبين، متحركة في اللحظة الأخيرة تماماً، اصطدم العملاقان ببعضهما، فتصدعت ذراع من شدة الوقع بينما تحطمت الأخرى بينما تجاهلتهما إيمي، مواصلة هجومها من موضع قفزت إليه، محولة سلاحها لفأس تحكمت به بمهارة، تاركة شقاً عميقاً عبر التالي، ورغم عدم قطعه كلياً، ترك الجزء الرابط للشطرين عاجزاً عن تحمل وزن جسده الحجري طويلاً، بطقطقة عالية تحطيم فانفصل بعد قليل.
خلال ذلك كله، لم تقضِ على أحد فعلياً. إن كان قتال جيك دليلاً، فكان لزاماً تركهما عاجزين عن المتابعة، بيد أن شطرهما لم يكف إن بقيت الأطراف قابلة للحركة. مع ذلك، أعاقهم لحد انعدام ضررهم تقريباً، وبقي اثنان فقط بلا أضرار بينما بدت إيمي مقبلة على تغيير هجومها. وما زالت مستخدمة الفأس، طرحت نفسها بعيداً عن ذاك الذي شطرته لتوّه نحو آخر بينما حاول اللكم والتفادي، ولم يصب أي منهما لتُسقط ساقاً، مطيحة به إلى الأرض وعاجزاً عن الوقوف.
بهذا صاروا ثلاثة، اثنان بذراعين تالفتين وواحد بحالة سليمة ليدركوا جميعاً استمرارها في قطفهم واحداً تلو الآخر إن لم يتعاونوا، ومع هذا طرأ تغير على القتال. متحركين كجسد واحد هرعوا نحوها، فانطلق الأول من الأرض مضحياً بنفسه، محاولاً سحقها لكن مدركاً ترجيح تدميره بينما هرع الاثنان الآخران، مستعدين للإجهاز عليها بتعاملها مع الأول، غير أنهما تورطا بخياراتهما حين فعلت شيئاً مغايراً.
كان صاحب الذراع المحطمة من اندفع نحوها، وبدل مهاجمته تفادت إلى اليسار حيث استعد الوحيد السليم المتبقي للإجهاز عليها محولة مجدداً إلى سيف، متیحة للسلاح الانزلاق عبر القبضة الصخرية والجذع المندفع نحوها إذ هوى الشطران على ذاك المندفع، مثقلين إياه وقتاً كافياً ركّزت فيه جُلّها على الأخير الصامد، محولة مجدداً لفأس لنزع أطرافه، ومخلفة كل عملاق أشلاء. من هناك جهلت ما يتوجب فعله لإنهاء النزال، ففعلت ما وسعها تفكيره، مستخدمة سلاحها لانتزاع أطراف كل عملاق ما زال يتلوى عبر الأرض، متخلصاً من أي قدرة محتملة على التحرك ليبدو الأمر مجدياً، ويعلن المعلق انتصارها سامحاً لها بالعودة للاستراحة.