سألت ثيرا وهي تكاد تهزه لتدفعه إلى الإجابة: "أي تلميح؟ وكيف عرفت شيئاً من هذا؟ ما الذي رأيناه ويمكن عدّه تلميحاً وسط كل هذه الجدران الرمادية والفخاخ العشوائية؟"
كان البقية مترقبين للإجابة بدورهم بينما كشف بن عما التقطه، شاعرًا بزهو بالغ لتوصله إلى ما ظل يؤرقه طوال شقهم لطريقهم عبر الممرات. وبينما كان يرسم الخريطة في ذهنه بأفضل ما يمكن، أخذ يربط بخيوط واضحة بينها وبين خريطة منجزة بالفعل لذلك القطاع.
"عدّه تلميحاً لا يمنحه حقه. إنه مفتاح إجابة كامل لهذه الطبقة. باب الاختبار الرئيسي ليس إلا خريطة".
ما ظنه في البداية مجرد تصميم عشوائي، وسيئ الصنع بوجه خاص، لم يكن سوى خريطة لمخطط الطابق الأول تعرضه على كل عابر. كل خط ممثل لممر أو جدار، والنقاط المصطفة على الجانبين تشير إلى مواقع الفخاخ، حتى وإن غاب عنه كنهها الحقيقي قبل الاصطدام بها مباشرة. لم يستطع كبح شعوره بالفخر وهو يشرح ذلك لهم. لم يقتصر الأمر على إدراك حل اللغز، بل عنى أيضاً معرفته التامة لطريق النجاة.
تعددت المسارات نظرياً، لكنه استطاع التخطيط للسبيل الأقل فخاخاً حتى بلوغ المخرج. غير أن ما قوبل به حين شرح لهم لم يكن سوى نظرات مشككة.
سألت إيمي بصدمة: "عذراً، لقد رأيت الباب، أتعني أنك تتذكر كل تفصيل دقيق عليه؟"
لم يكن الباب صغيراً بأي حال، واتسم تصميمه بالتعقيد الشديد. استحال عليها تخيل حفظه هكذا بلا سبب.
"آه، ماذا أقول، أتمتع بصفة ذكاء مرتفعة، وحين تمتلك هذا العدد الهائل من العقول المتحاربة في رأسك يصير استرجاع أدق التفاصيل أمراً يسيراً".
أرادت يوزو أن تستفسر: "وكم يبلغ عددها؟"
تذكروا من لقائهم في أولفاث أن لديه نحو عشرة، لكن حتى مع هذا العدد، بدا التذكر العفوي لنمط معقد كهذا أمراً مبالغاً فيه.
"ثلاثون، بعدد نظيف ومزعج للغاية. شخصياً، لا أنصح بهذا الكم، فالصداع حاد ومستمر، لكن لها فوائدها أيضاً".
تجاهل نظرات الدهشة والرعب، واتخذ مقعده بلا اكتراث يُذكر. غمره اليقين بأن الطبقة الحالية باتت أيسر بكثير، وكل ما تطلبه الأمر هو التخطيط السليم.
"إذن، هذا ما أفكر فيه. ننتظر حتى يمتلئ مانيا جيك ثم ننتقل آنياً عبر العقبات. واثق قدرتنا على تفادي الفخاخ ما دامت تعاويذه تنطلق بالسرعة الكافية، وسنأخذ استراحات أينما أمكن للشحن. أيبدو هذا جيداً؟"
لم يتوقع أي اعتراض ولم يواجه شيئاً منه، فقد رحب الجميع باقتراحه وأخذوا وقتاً للاسترخاء قليلاً في الأمان النسبي للمكان قبل الانطلاق مجددًا. من هناك، تسارعت الخطى بإرشاد من بن. تفادوا كل فجوة أو فخ ممكن، حتى وإن تطلب الأمر سلك طرق التفافية، بينما نبههم مسبقاً بما عجزوا عن تفاديه. حدد بن لجيك الأماكن الدقيقة لفتح البوابات تفادياً للخطر في تسلسل سريع، وأبقى الجميع حذرين طوال تلك الثواني الفاصلة بين مناطق الأمان، مندفعين بأقصى سرعة حتى بلغوا المخرج الأول أخيراً؛
باب ماثل أمام أعينهم دفعته إيمي لتخطو ومن خلفها البقية نحو استراحة ما بين الاختبارات. تطلب الأمر لحظة قبل أن يصدق أحدهم الأمر حقاً، وما إن فعلوا حتى علت صيحات الفرح. بصرف النظر عن البداية الخشنة، اجتازوا التحدي بيسر في النهاية، وغدت الرحلة أكثر أماناً مما تجرأ أي منهم على تمنيّه بفضل ذلك التلميح الوحيد عند المدخل. جيك وحده من كسَرَ أجواء الاحتفال مبكراً، دافعاً بن نحو الباب التالي.
"هيا أيها العبقري، أخبرني أنك ترى شيئاً مفيداً هنا أيضاً"، قالها وكأن لبن خياراً آخر غير خذلانه.
"ما لم تكن تلك الرموز تلميحاً أيضاً، فلا أعتقد أن ثمة ما يمكن استخلاصه من هذا الصديق".
خلا باب القسم التالي من النمط الذي تميز به باب المدخل، وجمع بينهما فقط أحد عشر رمزاً على وجهه، تصدرها في المنتصف جملة الرموز الأكبر ممثلة لسحر الأرض. كل ما أخبره به هو وجودهم داخل برج الأرض، لكنه ما إن لاحظ خيبة الأمل على وجه صديقه حتى حطّ بيده على كتفه زامّاً شفتيه ليزف إليه خبراً طيباً.
"مجرد الحصول على مفتاح الطابق الأول يكفي تماماً، وأظنها أنباء سارة لكم حقاً"، خاطب جيك والبقية الذين استردوا نشاطهم.
"لكل برج تصميم مختلف على أبوابه، أليس كذلك؟ إن كان هذا مفتاحاً، فأنا أراهن بكل ما أملك أن البويات الأخرى تحمل المفاتيح ذاتها".
بدت إيمي وكأنها أدركت شيئاً لكنها لزمت الصمت، مرجحة عدم امتلاكها خياراً إن كانت قد ربطت بين باب برج الحياة وطابقه الأول كما ظن بن، بينما بدا جيك متأرجحاً بين الحزن والعزم.
تأفف قائلاً: "حسناً، سأفعلها. حين نواجه أياً كان الاختبار القادم، سأقضي الأيام التي أستحقها محاولاً حفظ باب غبي".
بدا الأمر مروعاً وشاقاً بالنسبة له، وهو نوع التمارين التي أراد تجنبها بأي ثمن لولا ارتباطها بتحسين فرصه في النجاة من موت مبكر، غير أن بن لم يستطع منع نفسه من النظر إليه نظرة من وجد أحمقاً أمامه، وإن حاول جاهداً كبحها دون جدوى.
"... أو ببساطة، اطلب من رسام رسم هيئة الأبواب لأجلك واصحبها معك عند الدخول".
هتف جيك بسعادة: "يا صاح، أنت عبقري بحق. مستحيل أن تكون بهذا الذكاء في المدرسة الثانوية، ماذا حدث؟"
"حسناً، أولاً، هذا وقاحة. وثانياً، كما أخبرتك، نمّيت مجموعة من العقول الإضافية ومعظم المهام التي توليتها منحت مكافآت لذكائي، وهذا يساعد كثيراً".
"أراهن على ذلك، تعال وأذقني الطعم"، قالها جيك مادّاً يده نحو بن.
حين أمضيا وقتاً معاً في أولفاث، أصر جيك على استكشاف شكل اتصال بن وهيكلة عقله آنذاك، وبعدما بدا أنه مر بتجربة سيئة وقتها، لم يدرك بن الباعث وراء رغبته في إعادة الكرة.
قاطعتهم ثيرا قائلة: "لا أنصح بذلك أبداً. مستحيل أن يبدو هذا مريحاً".
أقرّ جيك: "أوه، أنا أعلم أن هذا سيمتص طاقاتي. لكن لا تتكرر فرصة اختبار عقل مماثل كثيراً، أليس كذلك؟ هيا إذن، نحن في منطقة آمنة، لا بأس بذلك".
بذل بن قصارى جهده لتجاهل التعليقات حول مدى سوء التفاعل مع عقله، متناولا يد الرجل.
"فقط لا تتقيأ، اتفقنا؟ إن لم أخفِ التكدسات يبدو الجميع وكأنهم على وشك القشعريرة ولدي مشاعر أيضاً كما تعلمون. لكن ربما تكون هذه أول مرة أسمح فيها لأحدهم باختبار رأسي المكتظ للغاية منذ انقسام عقولنا، لذا ربما يجدر بنا إحضار معالجينا الرائعين على أهبة الاستعداد لضمان السلامة فقط".
وعلى وقع الكلمات، تقدمت ثيرا ويوزو مستعدتين لإطلاق ما بوسعهما بينما فتح بن الاتصال. واقعياً، لم يكن قلقاً إلى هذا الحد. فمع علمه بأن الارتباط بحشرة كفيل بقتلها منذ مستواه الصفري لمهارته، وبأن الارتباط بملك أو روح عظيمة يفترض أن يودع بحياته في المقابل، ظل الأمر هنا مجرد اتصال بين بشر. صحيح أنه لن يكون مريحاً للرجل الآخر، لكنه لن يهدد حياته، ودون إبطاء، فعّل مهارته مراقباً وجه جيك.
استغرق الأمر ثانية معتبرة ليتراجع ضاغطاً راحتيه على عينيه ملقياً بنفسه للاستلقاء، بينما شرعت ثيرا ويوزو في مداواته فوراً وسط تذمر جيك.
"يا للروعة يا صاح، هذا مؤلم جداً. لماذا يؤلم هكذا؟ لماذا أنت مؤلم إلى هذا الحد؟ أشعر كأنني تلقيت ثلاثين نوبة صداع دفعة واحدة".
أجابه بن: "هاه، نعم، كنت سأقول إنك ستعتاد الأمر لكنك لن تفعل حقاً. ربما من الأفضل أنك لم تختبر هذا حين رفعت مستوى إحدى مهاراتي العقلية المشكلة أكثر. أترى المعاناة مع صداع يضم ثلاثين عقلاً قاسية؟ جرب صداعاً نصفياً كاملاً".
"أف".
واصل الاستلقاء والتأوه بينما تولت يوزو علاجه، إذ تركت ثيرا المهمة لها بعدما أدركت كفاءة ساحرة الأرواح وتفوقها الساحق في هذا المجال مقارنة بساحرة مستيقظة، بينما حدقت إيمي نحو بن بقلق خفيف.
"هل أي من هذا سليم حقاً؟ أعني، أدمغة البشر لا مفترض أن تفعل ذلك. ولا أي دماغ آخر للموضوع".
قال بن هازاً كتفيه: "على الأرجح أنه سليم. قيل لي إنها مجرد أشهر قليلة قبل أن تصبح روحي قادرة على تحمل القدر الأكبر من عبء ذهني ليختفي الصداع بعدها، وحين تحدث لن تواجه مهاراتي العقلية أي مشكلة حقيقية ما لم أعد رفع مستواها".
وما إن أتى على ذكر روحه، حتى التفت فجأة نحو يوزو، وتألقت عيناه بالأمل والتوقع.
"بالطبع، لو صدف وجود ساحرة أرواح رائعة تساعد مسكيناً مثلي فلن أرفض".
ردت ببراءة مزيفة وهي تهز رأسها بحزن: "لو ملكت أدنى فكرة عما يساعد في ذلك لفعلت منذ اللحظة التي رأيتك فيها. بصراحة، لا أستطيع تمييز سوى نفر قليل من خلال أرواحهم وحدها وأنت أحدهم لأسباب بالسوء كله".
تنهد قائلاً: "يسعدني سماع هذا حقاً، شكراً لك".
بين لوكس وأي ملك اشترى ميرياد بعض العون منه، بدا وك أنه استنفد آخر قطرة حظ في جعبته للحصول على أي راحة، مما لم يترك له سوى الانتظار حتى اللحظة الأخيرة.